NOVELFLEX

مفتاح و أبواب

مكان الموت (Place of Death) · بقلم Hossam Obeidat

مفتاح و أبواب


​تلاحقت أنفاس «هيمون» وتصبب العرق من جبينه وهو يجاهد لجمع شتات طاقته؛ محاولة تلو الأخرى، وإخفاق يعقبه إخفاق، حتى انبلج النجاح أخيراً عند المحاولة الخامسة والثلاثين بعد المئة! استقرت الهالة الأثيرية في قبضة يده كشعلة متماسكة لا تنطفئ، تفيض ببريق خام متزن. 
​هتف «مونو» بابتسامة تشجيع صادقة:
— «أحسنت صنعاً يا هيمون! والآن، ثبت تركيزك وأبقِ السيل متدفقاً لأطول فترة ممكنة». 
​ظل هيمون قابضاً على التدفق المسترسل إلى يده، وعضلات ذراعه مشدودة كالوتر، ثم سأل بنبرة يغالبها الإجهاد:
— «أينبغي أن ألازم هذه الوضعية طويلاً؟» 
​رد مونو مستنكراً: «وما الضير في ذلك؟ أبدأت قواك تخور؟» 
​قطع هيمون تدفق الهالة فجأة، وانحنى للأمام وهو يضع باطن كفه على منتصف قفصه الصدري متأوهاً:
— «أحس بوخز حاد وألم ينهش صدري... أهو أمر طبيعي؟» 
​تفرس فيه مونو بعينين يلفهما القلق وأوضح:
— «هذا النبض الحارق يشير إلى أن مركز طاقتك قد لامس حدوده القصوى في الوقت الراهن؛ غير أن هذه التدريبات الشاقة هي السبيل الوحيد لتوسيع مجرى الطاقة وزيادة غزارتها من المركز حتى يبلغ ذروته الفطرية، وتلك السعة تتفاوت من جسد لآخر». 
​اعتدل هيمون ممسكاً بموضع قلبه وسأل باهتمام: «وهل تتماثل سائر المراكز في الجسد بذات الخصائص؟» 
​أجاب مونو: «لم أخض تلك التجربة بعد؛ فلا أملك في كياني سوى مركز واحد نشط. والآن، حان وقت الارتقاء للخطوة التالية: تحويل الطاقة الخام إلى طاقة عنصرية متمايزة؛ فالأمر هذه المرة أشد تعقيداً ويستلزم صفاءً ذهنياً مطلقاً». 
​استجمع مونو هالة شفافة في راحة يده، وما هي إلا ثوانٍ حتى تبدلت ذراتها إلى شفرة ريحية قاطعة، أطلقها بضربة خاطفة نحو جذع شجرة مجاورة فشطرته نصفين بسكون تام! 
​التفت مونو مفسراً:
— «نلجأ للطاقة المتحولة لسببين جوهريين: القوة الباطشة، والكفاءة العالية؛ فلو رميتُ شطر تلك الشجرة بالطاقة الخام المجردة لاستهلكتُ نصف طاقتي الكامنة أو ما يزيد، بينما قطرة يسيرة من طاقة الرياح المتحولة كَفلت حسم الأمر بلا عناء». 
​أشرقت عينا هيمون بانبهار طفولي وهتف: «مذهل بحق! علمني كيف أصنع ذلك بطاقتي!» 
​هز مونو رأسه نافياً: «لا سبيل لي إلى ذلك». 
​صاح هيمون بامتعاض: «ولمَ الامتناع؟! ألستَ تتقن التحويل أمام ناظري؟!» 
​أوضح مونو بصبر: «عنصري هو الرياح، بينما تسري في دمائك صواعق البرق؛ لو كنتَ ريحياً لكنتُ دليلك، ولعلك إن فتحتَ مركزاً جديداً في قادم الأيام وكانت طاقته الرياح أمكنني إرشادك. أما الآن، فسبيلك منفرد». 
​تساءل هيمون بحيرة: «وما العمل إذن؟» 
​رد مونو بجدية: «حين تحشد طاقتك الخام في كفك، يتعين عليك أن تفرض إرادتك الباطنية عليها لتبدل طبيعتها؛ عليك أن تروض جموحها بنفسك لتنصاع لنيتك». 
​شرع هيمون في خوض المحاولات، مستجمعاً تركيزه لتحريض شرارات البرق الكامنة، غير أن مساعيه باءت بفشل ذريع؛ كانت الهالة تتبدد كلما حاول صبغها بطبيعة الصاعقة دون أدنى بادرة نجاح. 
​ومع غياب قرص الشمس واكتساء الأفق بدكنة المساء، تهاوى هيمون مستلقياً على ظهره فوق التراب يلهث من الإعياء، وتمتم بتوجس:
— «تُرى... أتسعفنا مهلة الشهر لإنجاز كل تلك الخوارق المستحيلة؟!» 
​رد مونو وهو يرتب أمتعتهما: «لا نملك ترف الاختيار؛ النجاح هو خيارنا الوحيد». 
​تنهد هيمون متألماً: «المعضلة الأثقل هي ارتهان طعامنا بصيدنا الشاق؛ كم أتمنى لو وُجد من يعد لنا وليمة جاهزة تسد هذا الرمق». 
​ابتسم مونو قائلاً: «تتحدث الأساطير عن قِدر سحري تدس فيه ما تيسر من المكونات وتتلو عليه تعويذة باطنية، فينضج لك أشهى الأطباق في غمضة عين... لكننا للأسف نفتقر للموهبة السحرية». 
​التفت هيمون نحو قبة السماء وهمس بشجن:
— «لطالما كان السحر حلم طفولتي الأثير؛ أذكر كم بكيتُ بحرقة حين أسرّ لي جيناي بأنه لا وجود لأكاديمية سحر واحدة في أصقاع مملكتنا، وأن ولوج بابه يتطلب هالة سحرية فطرية لم أكن أملك منها ذرة واحدة». 
​أطلق مونو ضحكة دافئة:
— «راودني الحلم ذاته في صباي؛ فالسحر يذلل مشاق العيش، غير أن دروبه وعرة المنال. كان والدي يقص عليّ ملاحم "المغيرين الأربعة" العظام، ولطالما شغفتُ بأسطورة الساحر "داركس" وتمنيتُ لو أبلغ شأواً يقارب بأسه». 
​سأل هيمون برجاء خافت: «أترانا نبلغ يوماً نروّض فيه السحر بأكفنا؟» 
​ابتسم مونو ابتسامة يملؤها الأمل: «إن ارتقى صقلنا وبسطنا سلطاننا على مراكزنا فكل شيء جائز في هذا العالم الفسيح». 
​ومع هبوط الليل، استسلم الفتيان لسبات عميق يلملم شتات يومهما المضني. 
​في تلك الساعة المتأخرة من الليل، في بقعة نائية موحشة من الغاب، كان «جيناي» يقبض على المفتاح الذهبي العتيق، وعيناه معلقتان بملامح «ميرنا» الصامتة:
— «إن انقضت ليلتان ولم أسجل عودتي، فأنفذي ما وصيتكِ به بحذافيره دون أدنى تردد». 
​ردت ميرنا بنبرة يعلوها القلق والتذمر: «حسناً... وعيتُ مرادك؛ لكن توخَّ الحذر إلى أقصى حد ممكن». 
​ابتسم الشيخ بوقار: «هذا عهدي لنفسي». 
​رفع جيناي كفه بالمفتاح في الهواء الفارغ، وحركه بليّة انسيابية كأنما يولجه في ثقب قفل غير مرئي؛ فانشق الفضاء فجأة عن باب خشبي عتيق تجسد من العدم! 
​أدار العجوز المقبض، فانفتح المصراع على فراغ أسود بهيم لا معالم له؛ التفت نحو الساحرة وهمس: «أستودعكِ سلامة الفتى»، ثم خطا داخل الظلمة ليُغلق الباب خلفه وتتلاشى آثاره من الغابة. 
​وجد جيناي نفسه ينتصب في حجرة مربعة الجدران، شُيدت بحجارة صلدة متراصة، تنفتح فيها ثلاثة أبواب خشبية أخرى قبالته وعلى جانبيه، ورابعها هو الباب الذي نفذ منه لتوه. 
​أجال بصره الثاقب بين الأبواب متفحصاً نقوشها وحوافها بدقة، فلم يلمس فيها أي أثر لفخ سحري أو تميمة غادرة. 
​أخذ نفساً عميقاً، وناجى نفسه في سكون العتمة:
«ما زال التراجع في متناولي... غير أن اجتياز أي من هذه العتبات قد يقود إلى هاوية مجهولة؛ أتراه القرار الصائب؟» 
​مد ذراعه المرتعشة نحو المقبض الأيمن، ففطن لرجفتها؛ أطبق عليها بيده اليسرى يزجرها بمرارة:
«ألهذا الدرك انحدرت جسارتي؟! متى عهدتُ قلبي يرتجف من وطأة مواجهة؟! أم أنه الفزع على مصير هيمون إن كُتب لي الهلاك هنا؟!» 
​خر الشيخ على ركبتيه فوق الأرضية الباردة، وانسابت عبرات حارقة شقت طريقها فوق تجاعيد وجهه في لحظة ضعف وانكسار إنساني نادر. 
​لكن الوهن لم يدم؛ فبعد لحظات من الصراع الداخلي، انتصب جيناي كطود أشم، وانقشعت أمارات الضعف لتحل محلها هيبة محارب قديم تقدح عيناه شزراً:
— «سنوات من تقمص رداء الضعف والمواراة نخرت في عزيمتي من الداخل... هذا ليس أنا! أنا هو...» 
​سكت فجأة وكأنه يبتلع اسماً محفوراً بالدم، ثم استطرد بحزم:
— «لم يحن أوان البوح بعد!» 
​اندفع نحو الباب الأيمن، وفتحه دون تردد ليعبر عتبته بخطوة حاسمة. 
​تبدلت ملامحه بوجوم واستغراب حين انجلت الرؤية؛ كانت حجرة عادية أشبه بمخزن مقتنيات حربي؛ ترتص في زواياها أسلحة متنوعة، وخرائط، وصناديق تحوي وثائق وسجلات. قلب العجوز العتاد والأوراق بحذر، فلم يجد ما يشذ عن المألوف، حتى وقعت يداه على أضابير سرية تضم ملفات مقاتلين يتبعون لشبكة شيداش، كل وثيقة تعلوها صورة واضحة لصاحبها. 
​وفجأة... تسمرت أصابع جيناي فوق ورقة استلها من بين السجلات؛ كانت تحوي رسماً دقيقاً لملامح «مونو»! 
​حدق في الوثيقة طويلاً، وراح يقرأ السطور المحفورة فيها بتمعن بطيء، بينما كانت أسارير وجهه تنقبض بغضب واضطراب شديدين مما طالعه؛ طوى الرقعة بحركة مباغتة ودسها بين طيات ثوبه الداخلي بحذر. 
​تابع نبش الأوراق، فعثر على مخطوطة موجهة إلى شيداش بختم رسمي، خُطت فيها عبارات ثقيلة الوطأة:
​«من الركن السادس في النوسامي "ريزيان"، إلى الظل رقم 16 "شيداش": أنقل إليك تحية الركن الأول للنوسامي والجيتوفي لهذا العالم، الموقر المبجل السيد العظيم ساريو؛ وأبلغك بالنيابة عنه بأمره القاطع في أن تتقصى حقيقة...»

​أكمل جيناي قراءة السطور الأخيرة وهو مذهول تماماً؛ تصبب العرق بارداً من جبينه، وأخذ يلتفت حوله بذعر وارتياب لم يعهدهما، وارتجفت عروقه من هول ما احتوت عليه الرسالة! 
​لم يجد متسعاً لطوي الرسالة أو إخفائها، فاندفع خارجاً من الحجرة كالملسوع، والورقة لا تزال مشدودة بين أصابعه! 
​عاد إلى الحجرة المربعة الأولى وهو يناجي عقله بذهول ساحق:
«أي جحيم خطته تلك السطور؟! أيمكن أن يكون هذا حقيقة واقعة؟! أم إنها مكيدة مدبرة وحيلة خبيثة؟! كيف يستقيم هذا اللغز؟!» 
​شخص بصره نحو الباب الأصلي الذي نفذ منه، وصاح بصوت متهدج:
— «يجب أن أعود إلى هيمون فوراً!» 
​أمسك بالمقبض لفتحه، لكن يده تجمدت في منتصف الحركة؛ رمق الفراغ خلفه ونازعته عزيمته:
«إن انصرفتُ الآن فلن أظفر بفرصة للعودة إلى هذا الموضع قط... لا بد من تمزيق الحجب واستكمال ما بدأته!» 
​استدار الشيخ وتوجه نحو الباب المقابل في الجدار الخلفي ودفعه بحزم. 
​في رمشة عين، انطوى المكان وتلاشى سقف الحجرة؛ ليجد جيناي نفسه يقف على حافة قمة جبلية شاهقة تسبح فوق السحاب، تنحدر حوافها الصخرية الشديدة نحو هاوية سحيقة لا قاع لها! انحدرت من موقعه درجات حجرية عتيقة تقود إلى الأسفل نحو باب أسود غائر يخترق صلب الجرف، بينما يشمخ فوق ذروة القمة صرح مهيب شُيّد من رخام أبيض ناصع يلامس عنان السماء! 
​وفي تلك اللحظة، لاحظ العجوز أن الباب الأثيري الذي عبر منه خلفه قد أخذ يتلاشى ويذوب في الهواء بعد أقل من دقيقة على وصوله! ارتد مسرعاً بكل ما أوتي من خفة، وقفز عبر الباب في اللحظة الأخيرة قبل أن ينسد الأفق، ليعود لاهثاً إلى حجرة الأبواب الأربعة. 
​أسند ظهره إلى الجدار الحجري وقلبه يخفق بعنف، وهمس بصدمة وذهول:
— «ما كنه ذلك الصرح الشاهق فوق السحاب؟! وأي بقاع الأرض وطأت قدماي لتوي؟!»