NOVELFLEX

الثقة

مكان الموت (Place of Death) · بقلم Hossam Obeidat

الثقة

مع انحدار شمس الأصيل، كان «جيناي» يستلقي على ظهره فوق صخرة دافئة، يئن تحت وطأة الإنهاك الشديد بعد نزاله الشرس مع «ميرنا». وبجانبه، جلست الساحرة الشابة مطرقة الرأس، وقد بدت على تقاطيع وجهها خيبة مرة وإحباط يمزق كبرياءها البائد.

كان العجوز يوجه بصره نحو الفراغ، مخاطباً كياناً خفياً لا تراه أعين ميرنا:

— «إذن فَهيمون تجاوز مرحلة الخطر وهو بخير الآن... أجزيل الشكر لك؛ كُن عيناً ساهرة عليهما في هذا الظرف بالذات، فقد بلغ بي الإعياء مبلغه ولن أقوى على التدخل المباشر إن دهمهما طارئ».

اعتدل جيناي في جلسته، ونفض أطراف ردائه وهو يرمق الفتاة بنظرة ثاقبة:

— «والآن أيتها الصغيرة... أخبريني بقرارك؛ أتمدين يد العون والتعاون معنا، أم تؤثرين الرحيل في سبيلكِ؟ لكِ مطلق الحرية».

رفعت ميرنا عينيها متسائلة بمرارة:

— «إنك رجل طيب لدرجة السذاجة يا سيد جيناي؛ لو كنتُ في موضعك لما وضعتُ ذرة ثقة في ساحرة أمضت آخر سني عمرها تنفذ أوامر النوسامي القذرة!»

ارتسمت على ثغر العجوز ابتسامة دافئة:

— «ثقتي بكِ نابعة من كونكِ غريماً قاتل بشرف، لا كتابعة سابقة للمنظمة. كان بوسعكِ سحق عنقي بواسطة تلك الدمية البشرية وسلب روحي، لكنكِ اكتفيتِ بكسر ذراعي لتجريدي من القوة».

حاولت الساحرة مداراة خجلها وقالت بحدة مصطنعة:

— «لم يكن ذلك نُبلاً، بل رغبة في استجوابك وانتزاع مخبأ هيمون لا أكثر!»

ضحك جيناي بخفة:

— «لا تخادعي نفسكِ؛ فكلانا يدرك أن البحث عنه في محيط الغابة كان في متناول يدكِ، فلن أبعده عن ناظري كثيراً... والآن انطقي: كيف اقتفيتِ أثري واهتديتِ إلى موقعي بدقة؟»

سكتت ميرنا لبرهة تفرك معصمها، ثم اعترفت بصوت خفيض:

— «المفتاح... ذلك المفتاح الذهبي العتيق الذي غنمته من جثة شيداش ولم تلج بوابته بعد! بقاؤه في حوزتك يجعلك منارة مضيئة في ظلمات الرصد؛ سيظل يجذب إليك أفواجاً لا تنتهي من القتلة».

أومأ جيناي برأسه: «توقعتُ ذلك... وإلى أي جحيم يفضي هذا المفتاح الملعون؟»

أجابت ميرنا بجدية محذرة:

— «إلى حتفك المحتوم! إنه شرك مسموم يفتح أمامك ردهة تتشعب منها بوابات متعددة؛ إحداها تقود إلى قاعة اجتماع الأتباع بالركن الحاكم المسؤول عنهم، بينما تفضي سائر الأبواب إلى فخاخ الهلاك والفناء السريع».

سألها جيناي باهتمام مستطرد: «حين تقولين "الركن"، أتقصدين واحداً من أسياد النوسامي العشرة؟»

أوضحت ميرنا بنبرة تفسيرية:

— «بالضبط؛ يتشكل النوسامي من عشرة أركان عليا. يتربع على قمة الهرم "الجيتوفي ساريو" بصفته الركن الأول، يليه نائبه وذراعه اليمنى "ريني" في الركن الثاني، وتتدرج القوة هبوطاً كلما ازداد رقم الركن. وكل ركن من هؤلاء يتبعه عشرون مقاتلاً مرقمين من الرقم واحد حتى العشرين؛ الرتب من الحادي عشر حتى العشرين يُطلق عليهم "الظلال"، أما المراتب العشر الأولى، من واحد إلى عشرة، فهم نخبة النخبة، "نخبة الظلال"».

تمتم جيناي متأملاً: «إذن فأنتِ تتربعين في الرتبة العاشرة ضمن نخبة الظلال... ما حجم الهوة بينكِ وبين حامل الرتبة الأولى في نخبتكم؟»

غامت عينا الفتاة بأسى وقالت بصوت متهدج:

— «كالفرق الشاسع بين قبة السماء وقاع الأرض! لقد طرحني أرضاً وسحق هيبتي في أقل من دقيقة واحدة!»

أطرق العجوز في تفكير عميق ثم سأل: «وهل عاينتِ ساريو وجهاً لوجه؟»

انتفض جسد ميرنا وتسمرت ملامحها بذعر مقيم، وهمست بعد صمت خانق:

— «مرة واحدة في حياتي... يوم أعلنتُ ولائي وكواني بهذا الختم الأسود الذي انتزعته عن جبيني لتوي».

استطرد الشيخ بحذر: «صفي لي ما عايشته في حضرته».

أخذت نفساً راعشاً:

— «شُلت رئتاي وعجزتُ عن استنشاق الهواء؛ كان ينتصب أمامي كطود مظلم، وتحت وطأة هالته الخانقة أحسستُ بجسدي يغوص في الأرض كأن عظامي تئن من ثقل رصاص مصبوب! لم أجرؤ على رفع طرفي نحوه أو التحديق في عينيه... طوال حياتي لم أذق طعم المذلة والانسحاق إلا في تلك الثواني التي وقفتُ فيها بين يديه».

ابتسم جيناي ابتسامة غامضة: «إذن لم تتغير طباعه... وماذا عن الركن الذي تتبعينه؟ من يكون؟»

ردت ميرنا باقتضاب:

— «يدعى "لاختر"... إنه أشد الأركان توحشاً وسادية؛ لا يجد متعته إلا في سفك الدماء والتمثيل بالضحايا! ورغم أنه ليس الأقوى في سلم المراتب، فإنه يحظى بحظوة استثنائية لدى ساريو حين يتطلب الأمر إشاعة الذعر وزرع الفوضى العارمة».

سأل الشيخ: «وما هي الأوامر القطعية التي صدرت إليكم بشأن الصبي؟»

أجابت: «ساريو يطلبه حياً بلا مساس بحياته، أما كل من يحوم حوله فدماؤهم مباحة ويُسحقون بلا تردد».

فرك جيناي لحيته بحيرة: «أمر مريب حقاً... أيحرص على إبقائه حياً ليقتله بيده؟ وهل تتوقعين الخطوة التالية للمنظمة؟»

حذرت ميرنا بنبرة متوترة:

— «الصيد القادم سيكون مرعباً بلا شك؛ سقوط أحد أفراد نخبة الظلال سيوقظ حذرهم التام، وسيرسلون من يملك الكفاءة المطلقة لحسم الأمر، أو ربما فيالق مجتمعة! جيناي... ألقِ بهذا المفتاح في الهاوية؛ إنه بوصلة موت تجرهم إليك جراً!»

رد جيناي بهدوء جليدي مباغت:

— «كلا... سألج هذا الباب هذه الليلة بالذات! وأريدكِ أن تبقي هنا لحراسة هيمون ومونو ومراقبتهما عن كثب».

شهقت ميرنا وقفزت واقفة بذهول:

— «أفقدتَ عقلك يا رجل؟! أتدرك ما تنطق به شفتاك؟!»

حدجها بنظرة هادئة: «ما خطبكِ انفعلتِ؟ إن كنتِ تعافين مد يد العون فهذا أمر يعود لكِ».

صاحت الساحرة بغضب عارم:

— «قبل ساعات معدودة كنا نقتتل ونسفك دماء بعضنا، والآن تأتمنني على حماية الفتى الذي جئتُ لاختطافه بيدي؟! أي عقل تحمل بين جنبيك؟! وفوق ذلك، تلقي بنفسك في جحر التنين مستخدماً المفتاح طواعية؟! وما يدريك أنني سأفي بعهدي وأذود عنه؟!»

رمقها جيناي بنظرات واثقة باردة:

— «لأنني أضع ثقتي في نقاء جوهرك، وهذا حسبي؛ غضبكِ العارم هذا هو البرهان القاطع على أنكِ أصلح من يُؤتمن. لو كنتِ تبيتين الغدر والخيانة لواحشتِني بهدوء ووافقتِ على خطتي دون أدنى تردد ولما اشتعل صدركِ هكذا».

عقد لسان ميرنا واشتعل خداها حرجاً، فتمتمت بنفور وهي تشيح بوجهها:

— «يا لكم من معشر غريب! أنتم الرجال كتلة من الحماقة والجنون المطبق!»

على سفوح المنحدر الصخري، رمش «هيمون» بجفنيه ببطء مسترجعاً وعيه المسلوب، ليجد نفسه مستلقياً فوق العشب البارد و«مونو» يجلس قبالته يرمقه بتفحص وقلق.

تمتم هيمون بصوت واهن: «هل... أنجزنا المهمة؟»

علق مونو بتهكم لاذع: «إن كنتَ تقصد البقاء على قيد الحياة والفرار من فم الردى فالجواب نعم، أما إن كنتَ تعني النجاح في طقوس الاختبار فما أنت إلا مجنون معتوه!»

ضحك هيمون ضحكة خافتة متوجعة: «الأحمق هو أنت يا مونو؛ أتسألني عن مسألة بديهية؟ الواضح وضوح الشمس أننا ما زلنا نتنفس!»

تنهد مونو بصدق: «المهم أن عافيتك ردت إليك؛ ينبغي أن ننال قسطاً وافراً من الراحة لبقية اليوم لتستجمع بأسك».

انتفض هيمون متناسياً آلامه: «أنا بكامل نشاطي وعزيمتي! لا مبرر لهدر الساعات، فلننطلق للمهمة التالية فوراً».

اعترض مونو: «رويدك يا فتى! لقد أفلتت روحك من براثن السم الزعاف بأعجوبة، والآن تستعجل خوض أهوال جديدة؟!»

أصر هيمون: «فلنحلل بنود الصحيفة إذن وننتقِ أهونها مأخذاً لنشرع في تنفيذه».

قلب مونو الورقة مفكراً:

— «المهمة السادسة تبدو أقربها للتحقيق؛ صياغة سيف دون معدن... هذا المطلب بالذات يقع في دائرة ما أستسيغه».

سأله هيمون بلهفة: «وهل تملك فكرة عن كيفية تطبيقه؟»

أجاب مونو: «أظن ذلك؛ اطلعتُ على أبحاثه النظرية في أكاديميتنا القديمة وإن كنتُ لم أمارسه عملياً، لكنه ليس بعسير على متخرج من مدرسة الأوليان».

علق هيمون بتهكم: «إذن سيكون ضرباً من المستحيل على مقاتل مثلي!»

رد مونو بجدية: «ربما... لكن أخبرني أولاً: هل يسعك حشد طاقتك الخام وتدفقها في مسارات جسدك؟ رأيتك مرتين تسخر صواعق البرق، والبرق طاقة محولة متقدمة، فماذا عن الطاقة الخام البدائية؟»

قطب هيمون حاجبيه بحيرة: «لا أفقه ما ترمي إليه!»

شهق مونو بدهشة: «ألا تفقه شيئاً عن مراكز الطاقة أو كنه البذرة المستقرة في صدرك؟!»

هز هيمون رأسه نافياً: «لا... ألديك علم بها؟»

تنهد مونو تنهيدة عميقة: «حديث يطول ويتشعب، لكنني سأختصر لك ما يلزمك في هذه اللحظة. استمع جيداً: مصطلح "بذرة الطاقة" يعني امتلاكك للموهبة الفطرية التي تتيح لك إيقاظ مراكز الجسد وتسخيرها في القتال، وتلك الهبة تسري في عروقك بالفعل. وتنقسم قوى العناصر إلى ستة أصناف كبرى: المعدن، والنار، والماء، والأرض، والبرق، والرياح... أتدرك هذا التصنيف على الأقل؟»

ظل هيمون يرمقه بنظرة بلهاء تدل على فراغ تام، فهز مونو كتفيه مستسلماً:

— «توقعتُ جهلك... لا بأس؛ حين تتفتح البذرة في كيان المقاتل، ينفتح تلقائياً أول مراكز الطاقة ومستقره القلب. ونوع العنصر المنبثق يتفاوت بين البشر؛ فأنا مثلاً أتحكم بالرياح، بينما تجري في دمائك صواعق البرق، وهناك نوابغ يستطيعون فتح مركزين أو ثلاثة عناصر معاً».

سأله هيمون باهتمام مشتعل: «أتعني أن في جسدي مراكز أخرى كامنة تنتظر الإيقاظ والتسخير؟!»

رد مونو: «نعم، لكن تلك آفاق متقدمة لا ينبغي أن نضيع وقتنا فيها الآن. الجوهر هو أن تفرق بين صنفين: الطاقة الخام، والطاقة المحولة... وسأريك الآن ماهية الطاقة الخام وكيف تجعل منك حصناً».

أخذ مونو نفساً متزناً، وركز وعيه الباطني في سكون مطبق، ثم قال بصلابة: «سدد نحوي أقسى لكمة تملكها بقبضتك!»

تردد هيمون: «أأنت واثق من رغبتك؟ بنيتي الجسدية تفوقك بأشواط!»

هتف مونو: «لا تتردد، أفرغ بأسك في بطني!»

شد هيمون عضلاته وأطلق لكمة خارقة بكامل ثقله نحو معدة مونو... غير أن صرخة ألم مدوية انطلقت من حنجرة هيمون وهو يمسك مفاصل يده المحمرة، شاعراً وكأنه هوى بقبضته على لوح من حديد صلد مصمت!

صاح الفتى وهو يفرك يده المتوجعة: «ما هذا السحر؟! كيف استحال جسدك إلى فولاذ؟!»

أوضح مونو بثقة: «هذه هي الطاقة الخام؛ حين أفيض بها من مسام جسدي لأحوط بها أطرافي، تتحول إلى درع واقٍ صلب».

انبهر هيمون: «مذهل! لمَ لا تلازم هذا الدرع في كل نزال؟!»

أجابه مونو بمحاذير المعلم:

— «لمعضلتين قاتلتين؛ الأولى أن هذا الترس يستنزف مخزون طاقتك بغزارة، ومتى فرغت هالتك غدوتَ عارياً بلا هجوم ولا دفاع. والثانية أنه عاجز أمام الطاقة الخام المعادية؛ فلو غلف خصمك نصل سيفه أو قبضته بهالة مماثلة واصطدم بك، تلاشت مناعة درعك كأن لم تكن... إنه يصد الضربات المادية البحتة ويعجز أمام الطاقة النظيرة، لذا أتحاشى الاعتماد عليه لئلا يسلبني يقظة المناورة».

هتف هيمون بحماس: «علمني كيف أوقظ هذا التدفق في جسدي!»

شرح مونو خطواته: «الأمر يتطلب ترويض طاقة مركز القلب عبر التأمل الباطني العميق».

سأله هيمون: «وهل سأضطر للتأمل كلما داهمني قتال؟!»

ضحك مونو: «بالطبع لا! إنها مجرد تمارين ابتدائية الغاية منها إطالة مدة تدفق الهالة دون انقطاع. أنا مثلاً أستطيع المحافظة على استرسال طاقتي لعشر دقائق متصلة؛ وهذا لا يعني أن مدة قتالي تنحصر في عشر دقائق، فقد أفرغ كامل مخزوني في رمشة عين بتقنية مدمرة واحدة، وقد أمتد لساعات أقاتل إن أحسنتُ ترشيد التدفق بحكمة».

علق هيمون بانبهار: «معارفك واسعة يا مونو!»

رد مونو بجدية: «هذه ألفباء الطاقة... والآن، اغلق عينيك، واشعر بالحرارة المنبعثة من حجرات قلبك، واسحبها لتفيض خارج مسام جلدك. هذا هو التدفق الابتدائي؛ لا تبتئس إن خمد بعد ثوانٍ قليلة، فالبدايات دوماً متعثرة».

جلس هيمون متربعاً واستحضر تركيزه، وبعد صمت امتد دقائق، فتح عينيه حائراً: «لا أستشعر نبضاً ولا حرارة... أين يكمن الخلل؟»

أرشده مونو: «تخيل نهراً عذباً يتدفق من قلبك كالشلال ويروي أطرافك... دع خيالك يقود حواسك».

أغمض الفتى عينيه ثانية، غائصاً في سكون أعمق... وبعد برهة، انتفض جسده وهتف بتهلل: «أحسستُ به! إنه يتدفق الآن كالماء الزلال!»

انبثقت هالة أثيرية شفافة تتوهج حول جسد هيمون، فهتف مونو مشجعاً: «رائع جداً! ثبت تركيزك ودع الهالة مسترسلة، سأشرع في عد الثواني!»

راح مونو يعد الثواني مرتقباً انقطاع النفس والتركيز عند الخمسين أو الستين ثانية كحال المبتدئين؛ غير أن الثواني كرت، ومضت الدقائق وهيمون لا يزال ثابتاً والهالة تتصاعد منه كالبخار الصافي دون أدنى رجفة! حتى بلغ مونو في عده الرقم ألف، وهيمون لا يزال يفيض بالطاقة!

صرخ مونو مشدوهاً: «كفى! توقف فوراً، هذا مفرط!»

فتح هيمون عينيه متنفساً بابتسامة: «ما الخطب؟ أأبليتُ حسناً؟»

ابتلع مونو ريقه وداخله يموج بذهول مرير: «أمضيتُ سنوات طوالاً في التدريبات القاسية وبالكاد ألامس حاجز الستمائة ثانية، وهذا الفتى يكسر عتبة الألف ثانية في محاولته الأولى كأنه يتنفس الهواء؟! أهي موهبة خارقة كامنة، أم أن صلابة جسده المادي تفتح شرايين روحه؟!»

أفاق مونو من دهشته على صوت هيمون المتلهف: «وما الخطوة التالية؟»

قال مونو محاولاً كتم غيرته: «استرح قليلاً ثم ننتقل للمرحلة الأصعب».

رد هيمون: «لستُ متعباً قط، بوسعي المواصلة!»

أوضح مونو: «التدفق وحده لا يصنع سيفاً؛ يجب أن تروض هذه الهالة وتكثفها في بقعة محددة من جسدك. راقبني جيداً».

أطلق مونو طاقته ثم جذبها بإرادته لتتجمع كلها في قبضة يده اليمنى، حتى غدت يده تشع وميضاً مكثفاً؛ تقدم نحو صخرة مجاورة وهوى عليها بلكمة مباغتة، فتهشمت الصخرة الصماء وتحولت إلى حصى متناثرة!

التفت نحو هيمون: «هكذا تُقاد الطاقة؛ أفرغ سيل جسدك في قبضة واحدة وجرب صنيعي».

ابتسم هيمون: «تبدو يسيرة المأخذ».

شرع الفتى في استدعاء الهالة، غير أن التركيز خذله هذه المرة واستغرق وقتاً طويلاً ليطلق التدفق، فتمتم مونو في سره: «يبدو أنني بالغتُ في تعظيمه؛ يملك طاقة هائلة لكنها كالمهر الجامح، والقوة بلا صقل وانضباط لا تساوي قلامة ظفر».

ما إن نجح هيمون في إطلاق التدفق حتى حاول عصره وضغطه في كفه، غير أن التوازن اختل في مساراته، فتلاشت الهالة وانطفأت طاقته بالكامل!

علق مونو: «عدتَ إلى نقطة الصفر؛ إياك وقطع السيل حين يتجمع في كفك، بل اسحب الشريان كله من حجرات قلبك إلى يدك مباشرة بنسق متصل».

اعترف هيمون بابتسامة متواضعة: «غرتني بساطة المشهد؛ تطبيقها العملي شاق حقاً».

حثه مونو: «أعد المحاولة حتى تنصاع لك».

كرر هيمون المحاولة عشرات المرات؛ يفشل في حشدها طوراً، وتنفلت منه تارة، لكنه مع كل كبوة كان يلمس خطأه ويصلح مساره. ومع انقضاء ساعة كاملة من الجهد المضني، خارت قواه وتهاوى مستلقياً على ظهره يلهث من الإعياء.

جلس مونو بجانبه وقال بنبرة تقدير صادقة:

— «بلغتَ أقصى ما يطيقه وعيك لليوم يا هيمون، لكن يحق لك التيه فخراً؛ في أكاديمية الأوليان بمدينتنا، كان الرقم القياسي للنجاح في تركيز الهالة يقف عند المحاولة الثالثة والتسعين، وأنت أنجزت سبعاً وخمسين محاولة دون ملل، وأكاد أجزم أنك ستحسمها قبل بلوغ التسعين!»

ابتسم هيمون بمرح: «إذن سأتربع على عرش التفوق في مدرسة الأوليان قريباً!»

هزأ مونو منه: «إياك والغرور! كنت أتحدث عن فرعنا الإقليمي الصغير؛ فهناك في أرجاء العالم مدارس أسطورية خرجت نوابغ لا تتكرر أسماؤهم عبر العصور».

شهق هيمون بدهشة طفولية: «أهناك مدارس أخرى للأوليان غير التي في فريشيا؟!»

صاح مونو مصدوماً: «أتظن أن صروح المعرفة حكر على مدينتنا وقريتك البائسة؟! ألا تعلم شيئاً عن منظومة مدارس القوة في المعمورة؟!»

رد هيمون ببراءة مطلقة: «لا أعلم إلا مدرسة الأوليان في فريشيا ومدرستنا اللوريان في يوسابالا!»

لطم مونو جبهته بحسرة: «يا لجهلك المطبق! تنتظم في عالمنا خمسة أنماط رئيسية لمدارس القوة، اللوريان والأوليان من بينها، وتنتشر فروعها في سائر الممالك والقارات، باستثناء نمط واحد فريد لا يملك سوى صرح يتيم في العالم بأسره! ألم تتلقوا تلك العلوم النظرية في مدرستكم؟!»

اعترف هيمون بابتسامة خجولة: «كانت مادة مقررة، لكنني كنت أفر من رتابة الأوراق وحفظ الكتب المقيت؛ فالحفظ يصيبني بالسبات، وأنا فتى ميدان أعشق صليل السيوف والنزال الحي!»

علق مونو: «إذن سأتركك لتتعلمها بلسعات الميدان حين تصطدم بخريجي تلك الصروح مستقبلاً...»

اعتدل هيمون وسأله باهتمام: «وما هو الرقم القياسي المطلق المسجل في تاريخ مدارس الأوليان قاطبة لاجتياز حركة تركيز الطاقة؟»

أجاب مونو بمهابة: «تلك الحركة تُدعى رسمياً "تركيز الطاقة واستدامة التدفق"، والأسطورة تقول إن هناك عبقرياً واحداً اجتازها من المحاولة الأولى بنقاء مطلق ودون أدنى تعثر!»

اتسعت عينا هيمون بذهول وإجلال: «معجزة حقيقية! من يكون هذا الفارس الفذ؟!»

رد مونو: «يُدعى "أليتو"... تخرج من الأكاديمية وهو في سن السادسة عشرة، وكل سجلات المجد والأرقام القياسية محفورة باسمه وحده حتى اليوم».

تمتم هيمون بإعجاب دفين يجهل سره: «لا بد أنه كان رجلاً استثنائياً عظيم الشأن... كم أتوق للقائه ومقارعة ظله يوماً ما!»

قاطعه مونو ناهضاً وهو ينفض التراب عن ركبته: «كفاك أحلاماً واستراحة؛ أوشكت الشمس على المغيب، وأمامنا شوط طويل وعسير لنبلغ غاية صياغة سيف من نسيج الطاقة الخام!»

هتف هيمون متحمساً: «أهذا هو كنه "السيف دون معدن"؟!»

أكد مونو: «هذا ما يمليه المنطق، وآمل ألا يخيب حدسنا».

نهض هيمون واستجمع عزيمته، وراح يكرر المحاولات ويسكب روحه في قبضة يده دون كلل ولا وهن، مستقبلاً غسق الليل بنيران الإصرار.