NOVELFLEX

فخ المستنقع

مكان الموت (Place of Death) · بقلم Hossam Obeidat

فخ المستنقع

انسابت ساعات ما بعد الظهيرة ثقيلة كئيبة على الفتيين بعد رحيل «جيناي» المباغت؛ جلس «هيمون» و«مونو» في ظل صخرة متآكلة يقتاتان على ثمار برية وبعض الفاكهة وأرغفة خبز يابسة جلبها مونو في جعبته.

تناول مونو رقعته البيضاء وتفرس في خلوها بضيق، ثم تمتم متسائلاً:

— «قال العجوز إنها لا تُقرأ إلا في "ظلام النهار"... أي أحجية هذه بحق السماء؟»

ابتسم هيمون مستنداً بمرفقه وقال بيقين:

— «الأمر جلي لا يحتاج إلى عناء؛ ظلام النهار ليس سوى الخسوف الكامل، علينا أن نتربص بكسوف مماثل لذاك الذي أظلم السماء قبل أيام... ألم ترَ كيف انحجب الضوء واستحال الضحى ليلاً؟»

هزأ مونو منه ملوحاً بيده:

— «ننتظر كسوفاً؟! الخسوف الكلي ظاهرة فلكية نادرة لا تتكرر إلا كل ألف عام! يستحيل أن يعلق مصيرنا بحدث كهذا».

رد هيمون بلامبالاة: «فلنصنع خسوفاً بأنفسنا إذن!»

رمقه مونو بحدة، وقبل أن يوبخه على حماقته، انتفض واقفاً وقد لمعت في عينيه فكرة مباغتة، وركض نحو شجرة وارفة الظلال. لحق به هيمون مستفسراً: «إلامَ اهتديت؟»

وقف مونو في بقعة الظل الداكن تحت الأغصان، وحدق في رقعته بتركيز وقال:

— «ظلام النهار هو الظل! حجب ضوء الشمس بالأشجار يصنع عتمة في وضح النهار».

حدج هيمون ورقته وقال: «وماذا عن صحيفتي أنا؟ هل تسري الخدعة على كلتيهما؟»

غير أن ورقة مونو ظلت بيضاء ناصعة في العتمة، فعاد الفتى للوجوم والحيرة.

تمتم هيمون متأملاً:

— «ليس من شيم جيناي أن يزل لسانه؛ لقد قال بالحرف: "انظرا إليها في ظلام النهار"، قال "إليها" بصيغة المفرد ولم يقل "إليهما"... إنه يقصد ورقة واحدة لا اثنتين!»

برقت أسارير مونو وصاح بانبهار:

— «أحسنت يا هيمون! إنها صحيفة واحدة شُقّت نصفين لتوزع بيننا! ناولني رقعتك فوراً».

قرب مونو حافتي الرقعتين، وما إن تلامستا حتى التحمتا بسحر أثيري غامض لتعودا صحيفة واحدة متماسكة. خطا بها نحو ظلال الشجرة، وفي لحظة انحجاب الشمس عنها، انبثقت على سطحها حروف قرمزية متوهجة كالجمر:

«أمسك بحشرة الكيشتو حية»

«شق النهر دون أن تلمسه»

«اجعل الخسوف يأتي»

«مُت وأنت على قيد الحياة مدركاً لما حولك»

«طر دون أجنحة»

«اصنع سيفاً دون معدن»

«أمسك بضفدع الليل القرمزي»

حدق مونو في السطور مذهولاً: «ما هذا الشتات؟! هل دخلنا في دهليز من الأحاجي المستحيلة؟»

تمهل هيمون وهو يدقق في السطور: «تمهل، ما زلت أتأمل المهمة الرابعة... لمَ كل هذه العجلة؟»

ما إن فرغ هيمون حتى اعتدل في وقفته وقال بثقة:

— «الأمر ليس بتلك الفوضى؛ هل تدرك أن الأولى والسابعة هما في الحقيقة مهمة واحدة مدمجة؟ فحتى تظفر بحشرة "الكيشتو" السامة حية دون أن تفتك بك أو تهلك، لا بد من إخضاعها بالمفرزات المخدرة التي ترشح من غدد "ضفدع الليل القرمزي"... هذا معلوم لعامة القرى».

تعجب مونو: «ومن أين لك كل هذه المعرفة البيئية؟»

ابتسم هيمون: «لأنني نشأت حافياً في ريف يوسابالا، وتلك طبائع يعرفها الصغار هناك».

أعاد مونو قراءة الصحيفة بنظرة تحليلية متقدة:

— «إذاً كل مسألة تقود لأختها وتكملها! الأولى ترتبط بالسابعة، وهذا يقتضي أن شق النهر دون لمسه يرتبط بصنع سيف بلا معدن، وإحداث الخسوف يستلزم الطيران دون أجنحة... ولكن، ماذا عن المهمة الرابعة؟»

أشار هيمون بإصبعه نحو منتصف الصحيفة:

— «انظر أين خُطت؛ تتوسط الرقعة بدقة، وهي اللغز الأثقل شأناً الذي يحاكي الموت نفسه... يبدو أنها خاتمة المطاف وعقدة الاختبار».

ابتسم مونو: «خطونا الخطوة الأولى بنجاح... والآن، فلنبحث عن ضفدع الليل القرمزي».

رد هيمون بجدية: «من اسمه يتضح أنه كائن ليلي بحت لا يبرح المستنقعات الراكدة؛ فلنستكشف أطراف الغابة بحثاً عن مكمن مائي موحل قبل انقشاع النهار».

انطلق الفتيان يقتفيان أثر الرطوبة بين الأحراش، بينما كان «جيناي» يقف فوق ذروة شجرة شاهقة يرمقهما بنظرات غائرة يلفها الرضا والحذر:

«بداية مبشرة... لكن ما خُبئ لهما في قادم الأيام أشد هولاً مما يتصوران».

بسط الشيخ كفه ليتأمل المفتاح الذهبي العتيق الذي غنمه من شيداش، وتمتم بأسى: «لو كان بوسعي الاطمئنان على سلامتهما لولجتُ سر هذا المفتاح تواً... لكن لا حيلة لي إلا التريث حتى يبلغا مأمناً حقيقياً».

مع انحدار الشمس نحو المغيب، عثر الفتيان على مستنقع معتم تلفه أعشاب القصب المتعفنة، فنصبا خيمتهما وأوقدا ناراً بالقرب من حافته. اصطاد هيمون طريدة برية وراح يشوي لحمها بنهم، بينما جلس مونو يرمقه بامتعاض واضح ممتنعاً عن مد يده.

سأله هيمون وفمه ملآن: «ما بالك تكتفي بالنظر وكأنك تعاين سماً؟ شاركني الوليمة!»

رد مونو بنفور: «أنا نباتي، لا أطيق لحوم الكائنات الحية».

ضحك هيمون مازحاً: «لطالما راودتني الظنون منذ رأيتك لأول مرة؛ شعر ناعم مسترسل، ورقة مفرطة، والآن تعاف اللحم كالعذارى؟ تكاد شكوكي تصبح يقيناً بأنك فتاة متنكرة!»

رمقه مونو بتهكم لاذع: «بل اليقين التام هو أنك رجل يملك فؤاد فتاة هشة لا تكف عن النحيب والعويل!»

انفجر هيمون ضاحكاً وقال بعزم: «سترى قريباً صلابة هذا الفؤاد متى اشتدت المعامع».

سكن الليل لبرهة، فسأل مونو بجدية قطعت المزاح:

— «أكنت جاداً في شأن عزمك على قتل ساريو؟ أتدرك هول مقارعة "الجيتوفي"؟»

قطب هيمون حاجبيه: «ترددت هذه الكلمة على مسامعي مراراً؛ تفوه بها شيداش قبلاً... ما هو الجيتوفي؟ أهو لقب زعيم النوسامي؟»

ابتسم مونو بمرارة: «الجيتوفي هو التاج غير المتوج... إنه اللقب الأسطوري الممنوح للمقاتل الأقوى على وجه هذه البسيطة بلا منازع!»

صُعق هيمون وهمس: «وكيف نال تلك الرفعة الطاغية؟!»

هز مونو كتفيه: «وما يدريني؟ لست من الحكام الخمسة لأحيط بأسرار القوى العليا! متى التقينا جيناي فاسأله، فهو أعلم بشعاب هذا العالم... والآن، فلنصنع قفصاً من الأغصان لنأسر فيه الضفدع المنشود».

في تلك الأثناء، في بقعة نائية من الغابة، كان جيناي يجلس متربعاً فوق صخرة صلدة مغمض العينين كتمثال صخري ساكن.

فجأة... انفتحت عيناه بشرر خاطف والتفت نحو الميمنة هامساً:

— «اخترق أحدهم حدود الدائرة السحرية التي أحكمتها! شخصان... أهما عابران تائهان في دجى الغابة؟ إنهما يتجهان نحوي لا نحو الفتيين، لكن الحذر واجب».

انساب العجوز كالشبح نحو مصدر الاضطراب، فإذا به أمام فتاتين تمشيان بين الأشجار؛ إحداهما ذات شعر برتقالي متماوج، والأخرى ترتدي رداءً داكناً ينسدل فوقه شعر وردي طويل وناعم.

ما إن لمحتا الشيخ حتى أظهرتا ذعراً مصطنعاً، وقالت ذات الشعر البرتقالي بتوسل:

— «أرجوك لا تؤذنا يا سيدي... نحن فتاتان ضلتا السبيل في حلكة الليل».

رمقهما جيناي بعينين صقيعيتين: «تائهتان؟ وإلى أي مقصد تبغيان الوصول؟»

أجابت ذات الشعر الوردي بصوت خافت: «كنا نقصد مدينة فريشيا فحاصرتنا الظلمات، فهل تتفضل بإرشادنا للدرب؟»

أطلق جيناي ضحكة متهكمة رجت الصمت:

— «أرشدكما طوعاً... لكن أخبريني أولاً: منذ متى تضل الساحرات دروبهن المستقيمة؟ يبدو أنكِ تِهتِ في ظلمات مكركِ وغروركِ لا في الغابة!»

تبدلت ملامح الفتاة الوردية في طرفة عين من المسكنة إلى توحش قاتل، وأطلقت من راحتها صاعقة سحرية سوداء هادرة نحو صدره! وثب جيناي في الهواء برشاقة مذهلة، فارتطمت التعويذة بجذع شجرة عتيقة خلفه ففتتها إلى شظايا متفحمة!

علق الشيخ ساخراً وهو يهبط بخفة:

— «لطالما امتعضتُ من مواجهة معشر السحرة لفرط غطرستهم الجوفاء؛ تبتدرين القتال بسحر المقذوفات المباشر، وهو أدنى رتب السحر شأناً، رغم أنكِ قَدِمتِ لاقتناص رأسي!»

ابتسمت الساحرة بغرور لئيم: «كنت أختبر حدود بأسك فحسب... وللأسف خاب ظني في أسطورتك!»

رفعت كفها، فانبثق من العدم قفص حديدي قرمزي أطبق على جيناي وحاصره بين قضبانه المشحونة بالطاقة!

ابتسم الشيخ بثبات بارد: «سحر التجسيد المادي... براعة لا بأس بها، لكن هل تحسبين هذا اللهو كافياً لكسر عنقي؟»

التفتت الساحرة نحو رفيقتها ذات الشعر البرتقالي وقالت بزهو: «كاسيا... أخبري هذا العجوز الغافل من أكون!»

انتصبت «كاسيا» وتلت بصلف:

— «إنها الساحرة "ميرنا"! صاحبة الرتبة العاشرة لدى الركن التاسع في منظمة النوسامي! حاصدة الرؤوس التي تخرجت من أكاديمية "الدراكسيان" في سن العشرين بمرتبة الشرف والدم!»

قالت ميرنا بصلف: «بلغني أنك سحقت شيداش، ذلك التابع الوضيع في الركن السادس ذو الرتبة السادسة عشرة... واليوم سيعلم ساريو كيف يُحسم الأمر بين يدي النخبة الحقيقية».

سأل جيناي بجمود: «أأُمرتِ بقتلي واقتطاف رأسي فقط؟»

ردت ميرنا متهكمة: «ليس هذا من شأنك أيها الطريد... والآن حان وقت الاستنطاق!»

تجسد في قبضتها رمح غريب؛ مقبضه من خشب الأبنوس، ويمتد منه نصل معدني طويل مستدق كإبرة خياطة غليظة تشع هالة معتمة.

لوحت به ميرنا باستمتاع مريض:

— «سلاحي الأثيري الأثير... لا يزهق الروح، بل يزرع عذاباً لا تطيقه الجبال في مسام من يُطعن به، وكلما ازداد إنكاره ومكابرته، تضاعف لهيب الألم في عروقه!»

أشارت بكفها الأخرى، فانكمشت قضبان القفص القرمزي حتى حاصرت جسد جيناي وشلت حركته تماماً. تفجرت طاقة الشيخ كالشلال الهادر لصد الأغلال، غير أن ميرنا قالت باستهزاء بارد:

— «طاقتك عديمة النفع هنا؛ سلاحي يقتات على هالات الأوليان ليزيد من سطوتي!»

وما إن لامس النصل المستدق جسد الشيخ، حتى امتص هالته المتفجرة وأخمدها في ثانية! غرزت ميرنا النصل في خاصرته، فسرى لهيب العذاب في جسده وبدأت تشنجات الألم تعتصر ملامحه، بينما تعالت قهقهات الساحرة الهستيرية وهي تتلذذ بتعذيبه هاتفاً:

— «انطق أيها العجوز الملعون... أين تخبئ الصبي هيمون؟!»

على الضفة الموحلة للمستنقع، كان هيمون قد أحكم نصب فخ من الأغصان المشبكة، وضع في قاعه شريحة لحم تقطر دماً طازجاً، وسند بابه بغصن دقيق ربطه بحبل رفيع ممتد بين أصابعه.

سأله مونو بشك: «أتظن أن هذه الحيلة الساذجة ستنطلي عليه؟»

رد هيمون بهمس: «ضفدع الليل مسلوب الإرادة أمام رائحة الدماء الزكية، سيأتي حتماً».

علق مونو: «أخشى أن يلعق الطعم ويفلت دون أن يطبق عليه الفخ».

ابتسم هيمون: «سنجرب... وإن أخفق الفخ فسنرتجل غيره».

غمغم مونو: «نسيت هوسك بالارتجال!»

قاطعه هيمون واضعاً إصبعه على شفتيه: «اصمت! حواسه مرهفة وسيهرب لأدنى حركة».

مرت ساعة مضنية خيم فيها صمت المستنقع الثقيل، حتى همس مونو بضجر: «فشلت خطتك يا عبقري، لا ضفادع قرمزية في هذا العفن...»

لكن هيمون كتم أنفاسه حين تناهى إلى مسامعهما صوت ارتطام لزج فوق الوحل؛ قفزات متتابعة حذرة تشق السكون.

ومن بين القصب الكثيف، تجلى ضفدع الليل القرمزي؛ كان جلده يشع ببريق ياقوتي داكن، وجاحظ العينين يديرهما بريبة في كل زاوية. قفز بخفة حتى حاذى القفص وتسمر مكانه. توترت أصابع هيمون لجذب الحبل، غير أن الضفدع الحذر لم يلج الداخل، بل أطلق لسانه الطويل كالسهم ليلعق قطرات الدم عن اللحم من مسافة آمنة دون أن تطأ أقدامه عتبة الفخ!

احمرّ وجه هيمون خجلاً من خيبة خطته أمام رفيقه...

لكن في ذلك الجزء من الثانية، استدعى مونو عنصر الهواء؛ تلاشى جسده في عاصفة ريحية خاطفة انقضت كالبرق نحو المستنقع، فقبض على الضفدع ودسه داخل القفص وأحكم رتاجه في رمشة عين!

وثب هيمون متهللاً بفرح عارم: «يا لك من ماكر يا مونو! ارتجال مذهل... بدأت تتقن أسلوبي!»

ابتسم مونو بزهو هادئ: «بل خطة مدروسة تأملت تفاصيلها ووضعت لها بدائل محكمة أثناء انتظارك الممل!»

شد هيمون وثاق القفص ممتناً: «المهم أننا حسمنا الشطر الأول من المهمة معاً».

رد مونو وهو ينفض يديه: «وغداً سنقتنص حشرة الكيشتو».

تصافح الفتيان بحرارة وقد توثقت عرى رفقتهما، وانسحبا نحو الفراش لالتماس قسط من الراحة استعداداً لغدٍ محفوف بالأخطار، غير مدركين أن سيدهما وحاميهما يقبع في تلك اللحظات بالذات بين براثن عذاب ساحق.