مخالب الغاب ولغز الصحيفة البيضاء
انحدرت خطى الرفاق الثلاثة مبتعدة عن أسوار مدينة فريشيا، متوغلة في أحضان الطبيعة البكر حيث تشابكت قمم الجبال الوعرة مع كثافة الغابات العذراء. حرص «جيناي» على اقتياد الفتيين بعيداً عن الدرب الإمبراطوري المطروق الرابط بين فريشيا والعاصمة «آبافيا»، متوارياً في مسالك خفية لا تطأها عيون العابثين أو دوريات الحرس.
ومع هبوط الشفق، أوقد الشيخ ناراً تدفئ الأوصال، وتشاركوا وجبة طعام مشبعة رمت عن كواهلهم بعض العناء. وبينما كانت ألسنة اللهب تتراقص في سكون المساء، كسر «هيمون» الصمت بنفاد صبر:
— «متى ستشرع في تدريبنا يا جيناي؟»
كان العجوز غارقاً في لجة أفكاره، يحدق في الجمر المتقد كأنه يقرأ فيه طوالع مقلقة، فلم يلتفت للسؤال. أعاد الفتى سؤاله بنبرة أعلى:
— «سألتك: متى سيبدأ تدريبنا؟!»
اعتدل جيناي وقال ببرود متزن: «حين تجتازان اختباري بنجاح».
تساءل هيمون متأهباً: «وما طبيعة هذا الاختبار إذن؟»
رد الشيخ متهكماً: «ما سر هذه العجلة المحمومة؟ سأكشف عن الاختبار فور انتهائي من إعداده».
تأفف الفتى من تلك الإجابات الغامضة: «ومتى تفرغ من إعداده بالضبط؟»
تنهد العجوز ونفض ثيابه بضجر: «رويدك يا فتى! حسناً... مع تباشير صبيحة الغد ينطلق اختباركما».
رمقه هيمون بضيق: «وماذا نصنع حتى مطلع الفجر؟ لقد نهشنا الملل ونحن نمشي على أقدامنا منذ البارحة! لمَ لم تنقلنا عبر الأثير بلمح البصر كما فعلت سابقاً أمام بوابة المدرسة؟»
أوضح جيناي بهدوء: «التقنية تتطلب زيارة المكان سلفاً لتثبيت نقطة الانتقال، وأنا لم أطأ هذه البقعة من قبل. وإن كان الفراغ يقتلك إلى هذا الحد، فلتنازل مونو؛ لعل في جعبته ما يفيدك».
اعترض مونو رافعاً حاجبيه: «أنا أتحكم بمسارات الرياح وهو مستخدم لعنصر البرق، لست مؤهلاً لصقل مهاراته».
ضاق صدر العجوز بمجالستهما، فوقف ملوحاً بيده: «اصنعا ما بدا لكما! سأمضي لإعداد الاختبار... وإياكما والابتعاد عن هذه البقعة»، ثم توارى بين الأشجار الكثيفة.
ساد وجوم ثقيل بين الفتيين، فقطعه هيمون متحمساً: «ما رأيك في نزال بالسيوف نعتمد فيه على المهارة والجهد البدني الخالص فقط؟»
هز مونو رأسه متكاسلاً: «النصر حليفك حتماً؛ فلست خبيراً بفنون المبارزة مثلك».
امتعض هيمون: «ولمَ تتقلد هذا النصل في خصرك إذن؟! انهض وبارزني لتصقل براعتك بالسيف!»
رد مونو بجمود: «كلا... جيناي هو مدربي ولستَ أنت، ولو رأى نفعاً في فنون السيف لصقلني فيها».
تأوه هيمون مستلقياً على ظهره: «أنت رفيق ممل وتفتقر لأي حماس!»
ابتسم مونو بتهكم لاذع: «أراك نسيت سيل دموعك بالأمس! يبدو أنني أخطأت حين أنقذتك من قاع كآبتك!»
في تلك اللحظات، كان جيناي يقف كطائر جارح فوق قمة شجرة باسقة يمسح البراري بعينين ثاقبتين. لم يلحظ في الأفق أثراً لملاحقين، غير أن بصره اصطدم بوحش بري ضخم يقترب حثيثاً من موقع المخيم؛ فهبط من شجرته مسرعاً كالبرق.
كان هيمون لا يزال يثرثر متذمراً بينما انهمك مونو في قراءة صفحات كتاب صغير، حين انشقت الشجيرات فجأة ووصل جيناي في التو واللحظة صائحاً:
— «انتبها! خطر داهم يقترب!»
برز من بين الظلال دب هائل، وحش كاسر ينتصب على علو يناهز ثلاثة أمتار، زأر بضراوة واندفع بجسده العملاق لسحق الصبيين! غير أن كف جيناي امتدت بضربة خاطفة، فانبثقت منها موجة طاقة أثيرية ضربت صدر الوحش بقوة وقذفت به بعيداً.
وثب هيمون ومونو شاهرين سلاحيهما بارتباك؛ فلولا حضور الشيخ لابتلعهما ذلك الفك المفترس في قضمة واحدة.
تقدم العجوز بخطى وئيدة نحو الوحش المترنح وقال بصرامة معلّمة:
— «من حسن طالعكما أنني بلغت المكان في اللحظة الحاسمة وإلا لكُتبت نهايتكما. استعدا للنزال؛ سأهشم شوكة هذا الوحش أولاً ثم تتوليان الإجهاز عليه».
احتمى الفتيان خلف ظهره يترقبان صنيعه، غير أن جيناي أدار ظهره بالكامل للدب الهائج وراح يرمقهما ببرود ويوجه حديثه إليهما غير مبالٍ بالخطر الزاحف خلفه:
— «إنه مجرد دب غابوي ضخم، لا ينبغي أن يشكل تهديداً لمحاربين حقيقيين، لكننا سنقتله صيانة للأبرياء والعابرين من أنيابه».
زأر الدب غاضباً واندفع بكل ثقله ليمزق جسد العجوز من الخلف!
صرخ هيمون بهلع: «احذر يا جيناي! إنه خلفك!»
هم الفتيان بالوثوب للتدخل، غير أن جيناي رفع يده مانعاً إياهما: «وفرا طاقتكما... لم يحن دوركما بعد».
وقبل أن تطأ أقدام الدب موقع الشيخ بأمتار قليلة، ارتطم بجدار صلب غير مرئي ارتد عنه متألماً دون أن يخرقه!
تابع جيناي درسه بهدوء تام:
— «المحارب الحاذق هو من يحكم دروعه الدفاعية قبل أن يداهمه هوس الهجوم؛ فإذا أمنت غدر خصمك وبطشه، فقد حسمت النصر قبل أن تنطلق المعركة».
زمجر الوحش وكرّ راكضاً بجنون، وهذه المرة لم يوقفه أي حاجز أثيري؛ انقضت مخالبه الحادة لتنغرس في ظهر العجوز! غير أن المفاجأة شلت حواس الفتيين حين تحطمت مخالب الدب وتكسرت كأنما لاقت صخوراً من فولاذ صلد دون أن تخدش جلد الشيخ قيد أنملة!
استطرد جيناي وكأنه يعطي درساً في حلبة تدريب:
— «حين تتقن إحاطة جسدك بهالة طاقتك الداخلية، فإنك تصنع لنفسك درعاً حصيناً يرد أعتى الضربات الجسدية».
التفت أخيراً نحو الدب الذي كان يعوي من ألم مخالبه المحطمة، وأردف:
— «ادرس خصمك وتعرف على مواطن ضعفه قبل المبادرة؛ فمن يبدأ بالهجوم دون بصيرة غالباً ما يكون الطرف الأضعف الباحث عن مفاجأة مباغتة، فإن باءت مبادرته بالفشل فقد خسر سبعين بالمئة من المعركة».
بسط جيناي كفيه نحو القائمتين الخلفيتين للوحش، وأطلق شفرة ريحية قاطعة قطعت أقدامه في لمح البصر! تراجع العجوز نحو الصبيين، ووضع راحته فوق رأس هيمون بابتسامة غامضة: «والآن... حان دوركما».
ورغم بتر قدميه وتحطم مخالبه، كان الدب لا يزال يمتلك شراسة بهيمية مروعة؛ فراح يتخبط ويزمجر ضارباً كل ما يحيط به بعشوائية عمياء.
استل هيمون سيفه وصاح بحماس: «هيا يا مونو! يبدو أن تصفية هذا الوحش هي اختبارنا الحقيقي!»
أومأ مونو: «فليكن... سأفتح ثغرة الهجوم!»
جلس جيناي متربعاً على الأرض يرمق المشهد بعينين فاحصتين ترصدان كل ارتعاشة. استدعى مونو عنصر الهواء وتلاشى جسده المادي ليتحول إلى إعصار غير مرئي طاف حول الدب بسرعة خاطفة، بينما اندفع هيمون بسيفه في هجوم جبهوي متهور يفتقر لأدنى قراءة للميدان.
انتبه الدب للفتى وهوى بذراعه السليمة نحوه؛ انتهز مونو الفرصة وضرب الوحش على مؤخرة رأسه بدفعة هوائية، غير أن جسد الدب الهائل لم يهتز وتابع ضربته نحو هيمون. تفادى الفتى الضربة برشاقة وضرب ذراع الوحش بنصله، لكن سيفه لم يترك سوى خدش سطحي لا قيمة له.
تزايدت هستيريا الدب وسرعة لكماته حتى كاد يمزق هيمون الذي راغ منه في الأجزاء الأخيرة من الثانية. استمر مونو في المناورة برياحه دون إلحاق ضرر جسيم، فصاح هيمون لاهثاً: «استل سيفك واطعن عينيه!»
رد مونو من قلب الرياح: «رأسه يهتز بعنف ويصعب إصابته بدقة!»
صاح هيمون: «سأجذبه نحوي بطعنة غائرة، ومتى رفع رأسه صارخاً فباغته في عينيه!»
راوغ الفتى واقترب بجرأة، غير أن يد الدب العارية فاجأته بلكمة مباغتة سحقت صدره وأطاحت به بقوة! لكن العجيب أن هيمون لم يشعر بأي ألم ولم يُصب بأذى؛ التفت مشدوهاً ليرى جيناي يبتسم بمكر، فأدرك الفتى أن الشيخ أسبغ عليه هالة حماية باطنية تحميه من التهشم.
تبدد كل خوف في صدر هيمون، واندفع يمزق لحم الدب بسيفه بلا تردد، حتى صرخ الوحش رافعاً هامته للسماء من شدة الجراح! انقض مونو مجسداً سيفه ليغرسه في حَدقتي الدب فأعماه تماماً؛ غير أن الوحش المتخبط رد بضربة عمياء يائسة، فاخترقت مخالبه جسد مونو وخرجت من ظهره في مشهد مروع!
شخصت عينا هيمون برعب وانطلقت من حنجرته صرخة مزقت الآفاق:
— «مونوووو! لاااااااااا!»
تذكر في تلك اللحظة القاتلة أن كف جيناي قد لامست رأسه هو وحده قبل بدء النزال، ولم تلمس مونو!
اشتاط هيمون غضباً أعمى؛ تفجر الشرر من جسده، وهوى بسيفه على عنق الدب بضربة قاطعة فجر منها نافورة دماء وأسقطه جثة هامدة.
سحب هيمون جسد رفيقه من بين مخالب الموت وهو ينتحب، وارتمى عند أقدام جيناي المقترب صائحاً بهستيريا:
— «أرجوك يا جيناي! افعل شيئاً... عالجه! سينزف حتى الموت!»
ربت العجوز على كتفه ببرود: «اهدأ... لن يصيبه مكروه».
وفي تلك الثواني المشحونة بالرعب، وقع ما لم يكن في الحسبان؛ توهجت الثقوب الغائرة في صدر مونو وظهره بوميض خافت، والتأمت اللحوم وتمزقات الأحشاء من تلقاء نفسها دون أن تترك خلفها ندبة واحدة!
فتح مونو عينيه وجسّ صدره غير مصدق: «ما الذي جرى؟! هل هذه إحدى قدراتك العلاجية العظيمة يا سيد جيناي؟!»
أكد هيمون بلهفة: «بالتأكيد! لقد كان يحمينا ويدير النزال بعينيه!»
تمتم جيناي في سره وهو يرمق يد مونو بوجوم: «يبدو أن الصبي يجهل تماماً حقيقة الخاتم الذي يتوارثه...»
تجاهل الشيخ سؤالهما وقاطعهما بصرامة لاذعة:
— «أداؤكما كان مخزياً ومخيباً للآمال! لولا درعي لصرتَ أشلاءً يا هيمون، وأنت يا مونو خرجت بثلاثة ثقوب نافذة كانت كفيلة بإرسالك إلى القبر».
حاول هيمون التبرير بابتسامة شاحبة: «المهم أننا أجهزنا على الوحش واجتزنا اختبارك بنجاح!»
قطب جيناي حاجبيه بذهول متصنع: «اختباري؟! ومن أخبرك أن هذا هو الاختبار؟ ألم أؤكد لكما أن الامتحان يبدأ مع مطلع الغد؟»
صاح الفتيان معاً بذهول ساحق: «مااااااذا؟!»
أشار العجوز إلى الغسق المنسدل: «شارفت الشمس على المغيب؛ انطلقا واجمعا الحطب لإيقاد النار، وبعد العشاء ستخلدان لنوم عميق لتستجمعا بأسكما، فاختباري الحقيقي ليس بهذه البساطة والابتذال».
تطلع هيمون نحو مونو بملامح مذهولة: «أرأيتَ في صراعنا مع ذلك المسخ أي ذرة من البساطة؟!»
هز مونو كتفيه بأسى: «لعله يقيس أهوال الأرض بمقاييسه الخارقة».
مع حلول الليل وهدأة الريح، استسلم الصبيان للنوم بجانب الموقد، بينما انطلق جيناي يركض بسرعة خارقة في محيط المنطقة؛ كانت حركته ترسم على الثرى خيطاً من شعاع أبيض ساطع يغوص في باطن الأرض كأنه يطوق المكان بطلسم مغلق.
توقف بعد جولات من الركض اللاهث وتنفس الصعداء:
— «هذا كافٍ تماماً... يستحيل أن يتجاوزا حدود هذه الدائرة؛ سأعد لهما الآن ما يستحقان».
مع بزوغ أول خيوط الفجر، شق سكون الغابة صوت جيناي الرعدي وهو يهدر:
— «استيقظا! دقت ساعة الامتحان!»
تململ هيمون متكاسلاً وأدار ظهره للنداء، فما كان من العجوز الصارم إلا أن أفرغ قربة ماء باردة فوق وجهه، فانتفض الفتى مذعوراً يمسح عينيه!
أردف جيناي بحزم: «من هذه الثانية، يبدأ اختباركما الفعلي»، واستل من ردائه رقعتين من الورق ومدهما نحوهما.
ارتعد هيمون وتراجع خطوة: «امتحان ورقي؟! أسئلة وتدوين؟! هذا ليس عدلاً لمن يطلب فنون الحرب!»
ابتسم جيناي ابتسامة غامضة: «ستتمنى لو كان امتحاناً نظرياً! أمامكما مهلة شهر كامل؛ مع انبلاج فجر اليوم الثلاثين، إن لم تنجزا المهام المخطوطة في هاتين الورقتين، فسيكون الفشل حليفكما ولن أنظر في أمركما».
تناول هيمون رقعته متبرماً: «شهر كامل؟! أليست مهلة مبالغاً فيها؟» غير أنه قلب الورقة بين يديه وتفرس في وجهيها ثم صاح بحيرة: «ورقتي بيضاء ناصعة، لا حرف فيها!»
تفحص مونو رقعته هو الآخر وصاح بدهشة: «وأنا كذلك! الورقة فارغة تماماً!»
أجاب جيناي وهو يهم بالاستدارة:
— «حتى تتجلى الحروف والمهام المستترة في هذه الصحيفة، لا بد أن تنظرا إليها في "ظلام النهار"! والآن... أستودعكما الأقدار، ولنا لقاء بعد انقضاء الشهر».
وانطلق الشيخ متوارياً بين الأدغال دون أن يضيف كلمة واحدة.
صرخ هيمون خلفه بصوت باهت: «ألن تعد لنا وجبة الفطور على الأقل قبل رحيلك؟!»
رمقه مونو بحسرة: «سنتدبر شأن القوت... المعضلة الكبرى الآن هي كيف سنفك لغز هذه الرقعة الخاوية؟!»
أمسك هيمون بطنه وقال بإنهاك: «المعضلة الحقيقية أن معدتي تصفر من الجوع... لا طاقة لعقلي على فك الألغاز وأنا أتضور جوعاً!»