رقصة الدمى
كان «جيناي» لا يزال رازحاً خلف قضبان القفص القرمزي المنكمش حول جسده، تلفحه برودة المعدن المشحون. تطلعت إليه الساحرة «ميرنا» بنظرات تفيض زهواً وازدراءً، وعلت شفتيها ابتسامة باردة مسمومة:
— «استسلم يا جيناي... وسأمنحك نهاية هادئة تريحك من سكرات العذاب».
رمقها الشيخ بنظرة صلدة لم تهزها وطأة القيود، ونطق بوقار زلزل ثقتها:
— «أعرض عليكِ الصفقة ذاتها أيتها الصغيرة؛ ألقي سلاحكِ وسأعاملكِ برحمة لا تعرفينها».
استشاطت ميرنا غيظاً، وقربت رمحها المستدق لتغرسه في لحمه وتنتزع منه صرخات الإذعان... غير أن الهواء تمزق في جزء من الثانية؛ دوى انفجار داخلي مباغت شطر ذراع الساحرة اليسرى من المنتصف، فتطايرت أشلاؤها في الهواء وسالت دماؤها بغزارة! وفي اللحظة عينها، تداعى القفص القرمزي وتحطم إلى شظايا متناثرة كأنه زجاج هش، وهبط جيناي على الثرى بخفة أسد هصور، نافضاً غباره وهو يقول ببرود قاطع:
— «أنا من سمح لكِ بهذا العبث منذ البداية... وبوسعي إسدال الستار على هذه المهزلة متى شئت».
تراجعت ميرنا وهي تصر على أسنانها ألماً، وبسطت كفها اليمنى لتسكب طاقة علاجية خضراء في محاولة يائسة لرأب طرفها المبتور ووقف النزيف.
أطلق جيناي ضحكة هادئة:
— «سحر الشفاء البسيط لن يرمم عظاماً تلاشت؛ غاية ما ستصنعينه هو كبح شلال الدم لا أكثر».
كزت الساحرة على نواجذها وتمتمت بنبرة يشوبها الإعجاب المغموس بالحقد:
— «يبدو أنني استخففت بأسطورتك... لم يخطر ببالي أن تدس في جسدي طاقة تفجيرية أثناء احتكاك الرمح؛ لقد نصبتَ لي فخاً بارعاً تستحق عليه الثناء».
ابتسم العجوز ابتسامة واثقة:
— «ذلك الانفجار لم يكن سوى نتاج التحام ذرتين متناهيتين من طاقتي الكامنة... وما زال في مسام جسدك تسعة أزواج أخرى قابلة للاشتعال. كفي عن عنادكِ وتعاوني معي، وسأنزعها برحمة».
ارتفعت ضحكات ميرنا الساخرة المستهترة:
— «أنا ميرنا! لن أحني هامتي لمخلوق أياً كان الثمن؛ إن كنت تجرؤ على تفجيرها فافعلها الآن!»
رد الشيخ بجمود: «لكِ ما اخترتِ».
رفع جيناي سبابته ليطلق شرارة التفجير، غير أن جسده تجمد فجأة وتراجعت خطوته، واعتلت ملامحه أمارات ارتياب وذعر مباغت!
تهللت أسارير الساحرة بخبث:
— «ما خطبك تراجعت؟! أين تبخرت شجاعتك وجبروتك؟!»
تفرس فيها جيناي بوجوم وقال:
— «أحسنتِ صنعاً... كادت غرة صبية مثلكِ أن توردني المهالك».
وفي حركة مباغتة تخالف كل منطق، استل جيناي من طاقته سيفاً فولاذياً تستعر على شفرتيه نيران متقدة، وهوى بالنصل ليغرزه في بطن نفسه بعنف!
غير أن الدماء لم تنفجر من جسد الشيخ، بل شهقت ميرنا صرخة مدوية وسقطت على ركبتيها تتلوى من الألم، والدم يتدفق غزيراً من بطنها هي بينما بقيت ثياب جيناي طاهرة!
مسح الشيخ نصله وقال بنبرة المعلّم الحكيم:
— «تعويذة "المرآة العاكسة"... سحر خبيث يقلب موازين الضرر فيصيب الفاعل بما يلحقه بخصمه، ولو تهورتُ وفجرتُ ذرات طاقتي في أحشائكِ لتشظى جسدي معكِ في التو واللحظة... لكنكِ تنازيلن محارباً صهرته الحروب أيتها الغرة».
ابتسمت ميرنا وهي تضغط على جرحها الدامي وتلهث:
— «أتدرك كنه هذا السحر ومنبعه؟»
أجاب جيناي: «بالتأكيد... إنه من بحور "سحر الدم" الباطني».
ثم قطب حاجبيه متسائلاً في ريبة خانقة: «كيف وضعت يدها على قطرة من دمي لتعقد بها التعويذة؟! هل كان ذلك عبر إبرة رمحها الغادر؟!»
لم تمهله ميرنا فرصة للتفكير؛ رفعت كفها السليمة مشيرة إلى الظلال، فألقت رفيقتها ذات الشعر البرتقالي «كاسيا» دمية قماشية صغيرة تحاكي ملامح جيناي بدقة متناهية!
فطن الشيخ للخطر وهتف في سره: «إياكِ أن تمسي تلك الدمية!»
وثب جيناي ليعترض مسار الدمية في الهواء، غير أن أطرافه تصلبت كالحجر فجأة وعجز عن تحريك قيد أنملة! استقرت الدمية في قبضة ميرنا، فخفق قلب جيناي بعنف واستشعر حرج موقفه؛ فسحر التحكم بالدمى يعد من أرفع مراتب الفنون السحرية وأشدها فتكاً.
صرخت ميرنا بصلف منتشٍ:
— «والآن يا جيناي... في يد من تستقر مقاليد النزال؟!»
عض الشيخ على شفتيه وداخله يغلي باللوم: «متى وقعتُ في شرك مذل كهذا؟! ألهذا الحد أكلت سنوات الدعة والخمول من مهاراتي وبأسي؟!»
أطبقت الساحرة أصابعها على ذراع الدمية ولفتها بقوة سادية:
— «حين أخاطبك تفتح فمك بالإجابة!»
دوى في سكون الغابة صوت تهشم عظام ذراع جيناي، فانفجرت من صدره صرخة ألم مكتومة كادت تخلع كتفه!
تابعت ميرنا بغطرسة:
— «الكسر القادم سيطال عنقك! كن عبداً مطيعاً وانطق: أين تواري الصبي هيمون؟!»
ارتسمت على شفتي جيناي الداميتين ابتسامة استخفاف تتحدى الفناء، وهتف بصوت كالرعد:
— «إلى الجحيم وبئس المصير أيتها الحمقاء!»
تفجرت أزواج الطاقة الكامنة في أحشاء ميرنا دفعة واحدة؛ تسعة انفجارات متزامنة مزقت جسدها إرباً، وتطاير رأسها في الهواء ليسقط جثة هامدة!
أسند جيناي ذراعه المكسورة لاهثاً وتمتم:
— «بما أن طاقة دميتها أصابت ذراعي، فهذا يعني أنها ألغت تعويذة المرآة العاكسة لتستفرد بي... كان لزاماً عليّ استعادة حذري القديم كي لا أقع في هذه الورطة المخزية».
التفت الشيخ نحو الفتاة الأخرى «كاسيا» التي وقفت ترتعد في الظلال، وقال بصوت حازم:
— «ارحلي بسلام أيتها الفتاة؛ لقد زال سحر الترويض والسيطرة الذي كانت تكبلكِ به ميرنا».
غير أن الصدمة شلت حواسه حين رأى شعر كاسيا البرتقالي يتحول تدريجياً إلى لون وردي براق، وبدأت تقاطيع وجهها وقوامها وثيابها تتبدل لتتطابق تماماً مع ميرنا، وهي تقف أمامه بكامل عافيتها دون أدنى خدش!
شهق جيناي مشدوهاً:
— «أي دجل هذا؟! كيف بعثتِ حية بلا جراح؟!»
ضحكت ميرنا الحقيقية بصلف متهكم:
— «يبدو أن معارفك في سحر الدمى لا تتعدى قشور المبتدئين يا من تدعي الحكمة المطلقة! تلك التي فجرتها أشلاؤها قبل لحظات لم تكن سوى دمية بشرية صُنعت من جثة ميتة أفرغتها من الروح وحشوتها بسحري... هل حسبتني حمقاء لأواجه الرجل الذي تجرأ على خطف ابن الجيتوفي ساريو دون دروع خادعة؟ والآن، بعدما قستُ حدود ضعفك، يبدأ النزال الحق! سأريكِ لماذا حزتُ الرتبة العاشرة لدى الركن التاسع بزعامة القائد "لاختر"!»
كان العرق يتصبب غزيراً من جبين الشيخ وهو يمسك ذراعه المتهشمة بوجوم مطبق.
تمتمت ميرنا بنبرة إيقاعية رتيبة تمزق الأثير:
— «كاسيليا... نافارنو!»
انشقت الأرض من حول جيناي، وانبثقت منها أوتاد حديدية سوداء حادة كالمسامير الضخمة، انغرست بعنف في صدره، وفخذيه، وأطرافه، لتثبته في مكانه والدماء تنزف من مسامه بغزارة!
أيقن جيناي في قرارة نفسه فداحة الخطب: «سحر الترانيم الباطنية... هذه الفتاة تتفوق في مكرها على كل حساباتي».
أشاحت ميرنا بوجهها قائلة ببرود:
— «انتهى أمرك يا جيناي... وددتُ لو منحتني تسلية أطول تليق بسمعتك، لكنك خيبت رجائي؛ ألقِ سلاحك واستسلم».
كان جيناي يلهث بصعوبة بالغة بينما بدأت أشعة الشمس ترسل أولى خيوطها عبر الأغصان، فرفع رأسه المغطى بالدماء وهمس بثبات صخري:
— «أنا أستسلم؟! جيناي لا يعرف الانحناء... غير أنني أوافقكِ الرأي في نقطة واحدة: النزال قد حُسم بالفعل».
هزأت الساحرة: «حُسم بسحقك بلا شك!»
وفي تلك اللحظة، توقف خفقان الهواء في الغابة؛ انبثقت فجأة تسع كرات نورانية متوهجة بألوان ساحرة فوق هامة جيناي؛ سبع منها اصطفت على نسق واحد متألقة بألوان الطيف السبعة، تعلوها كرة بيضاء ناصعة كضياء الفجر، وتستقر أسفل الخط كرة سوداء حالكة كالعدم!
تلاشت الأوتاد الحديدية المنغرسة في لحمه كأنها دخان، تاركة ثقوباً غائرة تنزف الدماء؛ وما هي إلا برهة خاطفة حتى غمر جسد العجوز ضياء أثيري ناصع، فالتأمت الثقوب وتلاشت الجراح واستقامت عظام ذراعه المكسورة دون أثر لألم!
انصهرت الكرات التسع معاً في وميض باهر، مشكلة كرة ضخمة ذات لون رمادي عاصف، انطلق من قلبها شعاع ضوئي خاطف شق الآفاق نحو ميرنا بسرعة تفوق البرق!
حاولت الساحرة إطلاق تعويذة دفاعية ولعثمت شفتيها: «سينكا...!»
لكن الشعاع الرمادي اخترق جسدها قبل أن يكتمل الحرف، فشل حركتها تماماً!
وفي لمح البصر، كان جيناي يقف أمامها وقد أطبق قبضته الحديدية حول عنقها، وهتف بنبرة صارمة ممزوجة بالشفقة:
— «سأنتزع عنكِ أغلال العبودية والرق لمنظمة النوسامي... إياكِ والمقاومة!»
انبثق وشم النوسامي الأسود يتوهج على جبين ميرنا بحرقة، وانفجرت في صراخ هستيري يمزق الصدور:
— «توقف أرجوك! سيمزق الختم روحي إن حاولت كسره!»
رد جيناي بثبات: «أنتِ ميتة في ربقة استعبادهم في كلتا الحالتين؛ فلا ضير من معانقة المخاطرة!»
تفجرت طاقة سوداء لزجة من مسام الفتاة، وازدادت قتامة الوشم كأنه جمرة تكوي عظام رأسها، بينما كانت صرخاتها تشق سكون الغاب.
وفجأة... انقطع إدراك جيناي عن الواقع المادي، وانتقل وعيه الباطني إلى برزخ كابوسي غريب؛ أرض منبسطة من تراب أسود كئيب لا نهاية لأفقه، وسماء ملبدة بحمرة داكنة قانية كلون الدم المسفوك، وينتصب في كبد الفراغ هرم أثري عملاق يطاول عنان الفضاء!
اندفع جيناي في ذلك الصمت المطبق بخطى حثيثة نحو قاعدة الهرم، غير أن صوتاً جهورياً مخيفاً يشبه صرير الجبال انحدر من الأعالي ليخاطبه:
— «لقد تماديت وتجاوزت حدودك أيها العجوز الفاني!»
التفت جيناي ففزع لمشهد جدار من نيران سوداء مستعرة تطبق على الأفق بأسره، ومن بين ألسنة اللهب برز شبح مهيب يخطو نحوه بكبرياء ساحق. حاول الشيخ استدعاء طاقته الدفاعية، غير أن قواه شُلت تماماً كأنها سُلبت منه؛ وفي رمشة عين، غرس الكيان الغامض يده الخارقة في صدر جيناي، مقترباً من نبضات قلبه!
دوت صرخة عذاب هستيرية من حنجرة جيناي أعادته قسراً إلى العالم الحقيقي!
أفلت عنق ميرنا وارتد للوراء يلهث بذعر لم يألفه طوال سني حياته.
نظرت الفتاة إلى انعكاس صفحة الماء المجاورة، فإذا بوشم النوسامي قد تلاشى تماماً عن جبينها، فتمتمت بذهول ساحق:
— «كيف... كيف انكسر القيد؟! هذا محال بيولوجياً وسحرياً! لم يسبق لروح أن تحررت من وشم النوسامي قط!»
مسح جيناي عرقه البارد متنفساً الصعداء:
— «كانت محاولتي الأولى... وستكون الأخيرة حتماً؛ كدتُ أدفع روحي ثمناً لتلك اللحظة. والآن... غدا بيننا متسع لحديث يطول».
طأطأت ميرنا رأسها بإجلال وقالت بصوت متهدج:
— «أنا مدينة لك بحياتي وحريتي يا سيد جيناي... غير أنني أرجو أن تدرك فداحة العواصف التي استجلبها صنيعك؛ أنت تعلن الحرب في وجه الآلهة الحاكمة الآن، أتستوعب هول ذلك؟»
أجاب العجوز بهدوء رصين:
— «أعي ما أقدمت عليه مذ وطأت هذه الطريق... والآن، دعيني ألتقط أنفاسي في سكينة؛ فما عاينه وعيي لم يكن من شؤون البشر العادية».
في تلك الأثناء، على ضفاف المستنقع، كان «هيمون» و«مونو» قد استيقظا بنشاط إثر ليلة نوم وادعة. تناولا ما تيسر من الإفطار، وتنكبا قفص الأغصان الذي يحبس «ضفدع الليل القرمزي»، متوجهين بخطى واثقة نحو سفوح جبل صخري شاهق يطل على الأحراش.
سأل مونو رفيقه وهو يتسلق الحصى:
— «حدثني بتفصيل أوفى عن حشرة "الكيشتو"... ما طبيعة هذا الوحش الصغير؟»
أوضح هيمون بنبرة محذرة:
— «إنها كائنات لاحمة متعطشة للدماء، تعيش في مستعمرات حاشدة تضم آلاف الحشرات؛ بوسع سرب منها تجريد طريدة متوسطة الحجم من لحمها وتحويلها إلى هيكل عظمي في دقائق معدودة! لا بد من أقصى درجات الحيطة».
تساءل مونو: «وهل رسمت في خيالك خطة لمواجهة طوفان كهذا؟»
ضحك هيمون: «لدي ملامح مناورة... وضفدعنا هذا هو عمادها؛ فالإفرازات الكيميائية المخدرة التي تنضح بها غدد ظهره هي ترياقنا الحاسم لترويضها».
استطرد مونو: «ذكرتَ بالأمس أنها تستوطن الشقوق الصخرية والمنحدرات الشاهقة، ولم نلمح لها أثراً أثناء مسيرنا؛ فكيف سنهتدي إلى مكمنها؟»
أجاب هيمون: «تنجذب غريزياً إلى روائح الجيف المتعفنة، ولذا سنبحث عن...»
تسمر الفتى مكانه وانقطعت كلماته فجأة، ثم التفت نحو مونو بعينين تلمعان:
— «جثة الدب! ذلك الوحش الذي صرعناه بالأمس... لا بد أن جسده قد تخمر وبدأ يتعفن تحت حرارة الشمس! هيا بنا، سنجد مبتغانا هناك بلا شك!»
سأل مونو: «وأين موضع الجيفة؟ إلى أين سحبها جيناي؟»
انطلق هيمون يركض مهرولاً: «اتبع أثري! اقتطعتُ منها شريحة لحم بالأمس وأعلم موضعها بدقة، ورائحتها كفيلة بحشد جيش من الكيشتو!»
بلغ الفتيان فسحة الغابة بعد دقائق من العدو، فتجمدا في مكانهما وارتعدت فرائصهما من هول المشهد...
كانت جثة الدب الضخمة مطمورة بالكامل تحت سحابة سوداء هادرة من آلاف الحشرات المرعبة؛ حشرات تفوق الدبابير حجماً بأضعاف، تمتد لها أذيال غليظة تنتهي بإبر شوكية ضخمة تقطر سماً، وتخفق بستة أجنحة غشائية تحدث طنيناً يصم الآذان، ومسلحة بأذرع أمامية معقوفة تماثل سيوف السرعوف القاطعة!
صرخ هيمون وهو يرى المشهد الكابوسي: «مونو! أخرج الضفدع من محبسه فوراً!»
انتبهت بضع حشرات لوجودهما، فانفصلت عن الجيفة وانقضت نحوهما كالسهام؛ وفي اللحظة التي فتح فيها مونو باب القفص وأخرج الضفدع، هاجم السرب بكثافة مروعة، وغرزت إحدى الحشرات إبرتها في ربلة ساق هيمون!
صرخ الفتى متألماً وهو يتعثر:
— «ما الخطب؟! لماذا لم تنفر الحشرات من رائحة المخدر؟!»
أجاب مونو بهلع وهو يقلب الضفدع: «الضفدع غارق في نوم عميق، وفتحات مسام غدده موصدة تماماً!»
صاح هيمون والدوار ينهش رأسه: «هذه كارثة! لسعاتها تفيض بسُم ناقع!»
انهالت عشرات الحشرات فوق جسديهما بوخزات حارقة، فما كان من مونو إلا أن استجمع طاقته الريحية وفجر إعصاراً هوائياً دواراً طوقهما بحاجز صد عزل السرب عنهما مؤقتاً.
انهارت ركبتا هيمون وارتطم بالتراب، فسأله مونو بقلق بالغ: «ما بك يا هيمون؟! أأصابك مكروه؟!»
تمتم هيمون بصوت شاحب وأنامل مرتجفة: «السم... يسري كالنار في شراييني...»
تعجب مونو وهو يرمق ذراعيه: «لكنني نلت نصيبي من اللدغات ولم أشعر بأي وهن! أهو سم زعاف؟»
أوضح هيمون بصعوبة: «اللسعة المفردة لا تقتل المحارب، لكن تراكم الجرعات يصيب الجسد بشلل تام وإغماء، وحينها... تشرع الحشرات بالتهام لحمك وأنت حي ترزق دون حراك!»
صرخ مونو غاضباً: «والآن تتذكر تحذيري؟! ما المخرج من هذه المصيدة؟!»
همس هيمون: «ننتظر حتى يهدأ هيجان السرب...»
رد مونو بأنفاس متقطعة: «طاقتي توشك على النضوب، ومتى خمد إعصاري فستبتلعنا الحشرات في ثوانٍ!»
كز هيمون على أسنانه: «إذن نحن في عداد الموتى ما لم توقظ ذلك الضفدع اللعين!»
أمسك مونو بالضفدع وهوى بكفيه يصفعه بحركات متتالية خاطفة، فانتفض الكائن فزعاً وتفتحت فتحات غدده القرمزية لتنضح برذاذ باطني ذي رائحة نفاذة. وما هي إلا لحظات حتى أخذت الحشرات المهاجمة تترنح في الفضاء، وتتساقط بالمئات فوق الأرض كأوراق يابسة مسلوبة الإرادة تحت وطأة المخدر!
خارت طاقة مونو وتلاشى الإعصار تماماً؛ انتهز هيمون الفرصة ومد يده المرتجفة ليلتقط إحدى حشرات الكيشتو المخدرة الساقطة بجانبه، ودسها داخل كيس قماشي محكم سلمه لمونو وهو يتلوى من الحمى.
غير أن الكابوس لم ينتهِ؛ فرذاذ الضفدع المحدود لم يطهر سوى الدائرة القريبة، بينما كانت بقية أسراب الجيفة تضم الآلاف المؤلفة من الحشرات المتعطشة التي استشاطت غضباً واندفعت تطبق على الفتيين بموجة سوداء عاتية!
غرزت عشرات الإبر سمومها في مسام هيمون، فتضاعفت السموم في عروقه وشارف على الهلاك؛ بينما ظل مونو صامداً لا تؤثر فيه السموم بفضل القوة الخفية التي يفيض بها خاتم والده الزمردي، وإن كان يجهل كنه ذلك السر تماماً.
تطلع مونو بذعر وحزن يمزق فؤاده نحو رفيقه الذي بات يحتضر، والظلام يبتلع وعيه، فصرخ بأعلى صوته هادفاً إيقاظ روحه:
— «انهض يا هيمون! إياك والاستسلام للظلمات! هييييييمووووووون!»
تردد صدى الصرخة في أعماق هيمون الغارقة في الغيبوبة؛ كز على جراحه، وبحركة شبه إعجازية، استقام وافقاً وجسده مغطى بالكامل بطوفان من الحشرات اللاحمة تنهش لحمه!
التفت نحو مونو بعينين تشتعلان صموداً وهمس بصوت تقطعه الأنفاس:
— «ومن قال لك... إنني استسلمت؟!»
وفي تلك اللحظة الحاسمة، تفجرت من أعماق بذرته الكامنة صواعق برقية زرقاء خارقة! سرى التيار الكهربائي الهادر في مسام جسده بأسره، محولاً الهواء من حوله إلى حزام ناري صاعق التهم آلاف الحشرات في بضع ثوانٍ وحولها إلى سحب من رماد متطاير!
انقشع السرب وتطهرت الباحة من الوحوش...
لكن ما إن خمد البرق، حتى تهاوت ركبتا هيمون فاقداً للوعي وارتطم بالثرى جثة هامدة بلا حراك!
اندفع مونو نحوه بهلع وارتمى بجانبه، وصرخ بصوت مزق أرجاء الغابة:
— «لااااااااااااااااااااا!»