لقاء الخصوم
توقفت العربة الخشبية الثقيلة التي تجرها الجياد المنهكة أمام صرح حجري عتيق، تعلو بوابته الضخمة لافتة خشبية يتوسطها ميزان معدني نُقشت تحته بحروف بارزة عبارة: «محكمة فريشيا». ترجل أحد الجنود الثلاثة نافضاً غبار الطريق عن درعه، وخاطب الحارس الرابض عند المدخل بنبرة تفيض بالزهو:
— «جئناكم بصيد ثمين؛ مجرمان بالغا الخطورة، نرجو أن تتسع لهما زنازينكم المحصنة».
رد حارس المحكمة ببرود وثقة: «تتسع دهاليزنا لألف نزيل بكل أريحية... سلّم أوراق الإدانة ومحاضر التحقيق في الداخل، وسنتولى إيداعهما».
أدخل الجندي يده في جعبته الجلدية باحثاً عن الوثائق، لكن أصابعه لم تظفر بشيء! عاد أدراجه نحو العربة يسائل رفاقه بارتباك، غير أن الأوراق تلاشت تماماً كأن لم تكن.
وفي تلك الأثناء، انفتح الباب الداخلي للمحكمة وخرج رجل ضخم الجثة، حاد الملامح كالصخر، يقبض في يمينه على سوط جلدي مضفور، وهدر بصوت أجش:
— «ما خطبكم؟ لمَ هذا التباطؤ في تسليم السجناء؟»
تلعثم الجندي قائلاً: «لقد... أضعنا ملفات التحقيق والأوراق الثبوتية!»
أطلق الرجل ذو السوط قهقهة متهكمة: «لا ضير في ذلك، سنستخرج بياناتهما واعترافاتهما من "كتاب العدالة"؛ لا بد أنكم دونتم كل شاردة وواردة فيه، أليس كذلك؟»
ازداد شحوب الجندي ورد بتوتر: «أخشى أن مخفرنا النائي يفتقر لكتاب العدالة... دونّا محاضرنا في سجل ورقي عادي، ولا مناص من العودة لجلبه».
اتجه الرجل ذو السوط نحو مؤخرة العربة ملوحاً بسلاحه: «لا بأس إذاً، سأنتزع اعترافاتهما بنفسي في أقبية الاستجواب وأدونها مباشرة في كتاب العدالة».
جذب المزلاج الخشبي وفتح الباب على مصراعيه، فتجمدت ملامحه وسادت نظرات الذهول والصدمة؛ كانت العربة خاوية على عروشها، والأغلال ملقاة محطمة بلا أثر لسجين!
علق رجل المحكمة بتهكم لاذع: «يبدو أنكم نسيتم إحضار المجرمين أيضاً!»
صاح أحد الجنود وهو يفرك عينيه غير مصدق: «أقسم أنهما كانا مغلولين هنا! هذا مستحيل... كيف تبخرا في الهواء؟!»
في تلك الأثناء، كان «جيناي» يتهادى بهدوء بين أزقة أسواق المدينة المكتظة، يقلب في يده بعض الأوراق والمحاضر التي انتزعها بخفة، بينما كان «هيمون» يتبعه بخطى بطيئة متثاقلة، مطرق الرأس نحو التراب كأن روحه قد انتُزعت من جسده.
التفت العجوز نحو الفتى وراح يشرح بنبرة هادئة:
— «بما أنهم لم يدونوا هذه السجلات في "كتاب العدالة"، فهذا سيمنحنا مهلة لبضعة أيام قبل أن تعود بياناتنا إليهم؛ إنه سجل سحري مترابط، ما يُخط في نسخته بأي محكمة يظهر آنياً في سائر النسخ عبر أرجاء المملكة... غير أن ما أخشاه حقاً هو أن تُدرج أسماؤنا في "كتاب رونجين"».
ظل هيمون مصلوب الصمت، لا يبدي حراكاً يوحي بأنه يسمع، فتوقف جيناي وسأله باهتمام:
— «أتدري ما هو كتاب رونجين؟»
هز الفتى رأسه يمنة ويسرة دون أن يرفع عينيه، فاستطرد الشيخ:
— «إنه كتاب المكافآت الأسود؛ تُعرض فيه الجوائز المالية على رؤوس المطلوبين والفرائد النادرة، وكل رأس هناك يقابله ثمن باهظ يدفع صائدي الجوائز لتعقب أثره كاللصوص والذئاب».
تمتم هيمون باستهتار بارد يقطر انكساراً: «وما شأني بكل هذا الهراء؟ لمَ تحشر عقلي بتفاصيل لا تعنيني؟»
ابتسم جيناي ابتسامة دافئة: «أردت فقط أن أسمع نبرة صوتك وأدفعك للحديث... حتى وإن رأيت هذه المعارف مملة وعديمة النفع، فسيأتي يوم تنقذ فيه حياتك».
تجاوزه هيمون بخطى شاردة وابتعد في الطريق، فناداه العجوز: «إلى أين تمضي يا بني؟»
التفت الفتى بملامح شاحبة وصاح بضيق: «أريد أن أختلي بنفسي... دعني وشأني واعتنِ بأمرك!»
تنهد جيناي بحنو وقال: «حسناً... اهتم بنفسك جيداً».
وقف الشيخ مكانه، وبسط كفه اليمنى وقبضها ثلاث مرات متتالية، ثم قربها من شفتيه وهمس بتعويذة خافتة، وحين فتح راحته مجدداً كانت ممتلئة بذرات رمل ناعمة نثرها في الهواء؛ تحركت تلك الذرات الذهبية زاحفة في أثر هيمون ببطء وخفاء، بينما استدار جيناي وسلك طريقاً آخر دون أن يتبعه علناً.
مشى هيمون كطيف تائه في شوارع مدينة غريبة لا يعرف فيها وجهاً، يجرجر خيبته نحو المجهول. قادته قدماه الشاردتان دون وعي إلى مقربة من الصرح الشامخ لمدرسة «الأوليان»، فتهاوت على مخيلته صور رفاقه المذبوحين وذكريات البراءة الغاربة كطعنات خناجر في صدره.
استدار هارباً من أشباح ماضيه، وفي تلك اللحظة بالذات، لمح الفتى ذو الشعر الأزرق «مونو» ملامحه وتعرف عليه فوراً، فانطلق يتعقبه بخفاء وتربص من زقاق إلى آخر. ولم يمضِ وقت طويل حتى خارت قوى هيمون تحت وطأة الإنهاك النفسي والجوع الطاحن؛ إذ أخذت معدته تصدر أصوات قرقعة خاوية بعد يومين كاملين من الصيام والوجع، فهوى مغشياً عليه فوق رصيف حجري بارد.
في هذه الأثناء، تسلل جيناي كطيف خفي فوق أسطح مدرسة الأوليان بمهارة بالغة، حتى استقر به المقام أمام مكتب المدير المقبور شيداش. استل من جيبه المفتاح الذهبي العتيق، وتمتم برجاء خافت: «أتمنى من أعماقي أن أكون مخطئاً...»
أدخل المفتاح في قفل الباب، غير أن أسنانه المعدنية لم تتطابق مع الثقب الخشبي!
اعتلت وجه الشيخ أمارات الاستياء والوجوم، وهمس: «يبدو أن حدسي لم يخب...»
أعاد المفتاح إلى مكمنه، ثم مد يده وحول بنيتها إلى تيار هوائي أثيري، وما هي إلا لحظات حتى انساب جسده بالكامل عبر فتحة المفتاح الضيقة ليتجسد داخل الغرفة المغلقة.
كانت الغرفة هادئة يلفها ضوء خافت؛ تتوسط الحائط صورة شيداش بنظراته الماكرة، وأمامه مكتب عادي لا يثير الشبهات. قلب جيناي الأوراق والمخطوطات بحذر دون أن يعثر على ما يريب، فتمتم بحيرة بعد تفتيش طويل: «فتشت دارته بالأمس وها أنا أنبش مكتبه اليوم دون جدوى...»
أخرج المفتاح الذهبي وتأمله بتمعن، ثم أردف بقلق: «لا مناص من استخدام هذا المفتاح... لكن تُرى ما الذي يصنعه هيمون الآن؟»
تجمع المارة في حلقة حول جسد هيمون الملقى يحاولون إيقاظه، فاندفع مونو من بين الصفوف وصاح بحزم: «أفسحوا الطريق، سأتولى أمره... إنه أحد زملائي».
حمله فوق كتفه وابتعد به عن صخب الأسواق نحو أطراف المدينة الخالية، ووضعه في ظلال شجرة وارفة، ثم سكب بعض الماء البارد على وجهه الشاحب.
فتح هيمون جفنيه ببطء وهمس بوهن: «أين أنا؟!»
مد له مونو قربة الماء قائلاً: «تجرع بعض الماء وستسترد عافيتك».
شرب هيمون جرعات متتالية، ثم شخص بصره في ملامح منقذه وسأل بذهول: «أهذا أنت؟!»
رد مونو بنبرة مستغربة: «نعم... ولماذا الدهشة؟ أنا من يجدر به التعجب؛ ما الذي أتى بمحارب لورياني إلى عقر دارنا؟»
أجاب هيمون بجمود جاف: «لا شأن لك في أمري».
وفي تلك اللحظة، قطعت سكون المكان أصوات قرقعة مدوية من بطن هيمون الخاوي، فابتسم مونو بتهكم خفيف: «يبدو أنك تتضور جوعاً حتى النخاع... ما رأيك بوجبة تسد رمقك؟»
رد هيمون بكبرياء جريح: «لا أريد منك ولا من غيرك شيئاً».
هز مونو كتفيه: «كما يحلو لك، لن أرغمك على شيء... لكنني عاقد العزم على منازلتك مجدداً، ولذا أريدك في كامل لياقتك». استدار مونو ليغادر، فناداه هيمون بصوت متهدج: «أشكرك... على مد يد العون».
رد مونو دون أن يلتفت: «لا داعي للشكر، هذا أقل واجب».
وفجأة، شق السكون رجلان مريبان ظهرا من بين الأحراش، وهتف أحدهما بنبرة متوعدة:
— «من منكما يُدعى هيمون؟»
استدار مونو ووقف أمامهما متسائلاً: «وما مأربكما منه؟»
ضحك الرجل الآخر بشر: «سنلقي القبض على كليكما، ونتخلص من الفائض لاحقاً!»
انتفض هيمون بشجاعة واندفع للأمام رغم ضعفه:
— «أنا هيمون! أنا غايتكم وصيدكم، خذوني ودعوا الفتى وشأنه!»
تبادل الرجلان نظرات ماكرة وانفجرا في ضحك هستيري: «أتحسبنا سذجاً لنصدق تمثيليتك؟!»
هجم أحدهما نحو مونو محاولاً تطويقه، غير أن مونو وثب بخفة ورشاقة متفادياً قبضته! أما الرجل الثاني فظل ثابتاً في مكانه، وغرس إحدى قدميه بعنف في باطن الأرض!
حاول هيمون النهوض للاشتباك، لكن ما إن استقام حتى انشقت التربة وخرجت منها أغصان شجرية ملتوية التفت كالأفاعي حول ساقيه وكبلته بالأرض!
لم يتردد مونو؛ أطلق من كفيه شفرة هوائية حادة مزقت الأغصان وحررت هيمون، ثم قفز بجانبه متسائلاً بحدة: «أي مصيبة جلبتها معك؟ ما الذي فعلته بهما؟!»
رد هيمون بصوت مختنق: «ليس هذا وقت الثرثرة!»
استمرت الأغصان الشيطانية بالانبثاق من كل جانب، وظل مونو يقطعها برياحه مجهداً، حتى انقض الرجل الأول شاهراً خنجرين لامعين في ضربة مباغتة كادت تشق عنق مونو، لولا أنه انحنى في الجزء الأخير من الثانية متفادياً الموت المحقق!
وفي غمرة الاشتباك، انشقت الأرض عن رجل ثالث خرج كالشبح من تحت التراب، وأطبق بذراعيه الفولاذيتين على جسد مونو في عصرة خانقة شلت حركته، بينما تفجرت أطنان من الأغصان لتطبق على جسد هيمون وتثبته تماماً!
دنا الرجل ذو الخناجر من مونو المقيد، ولوح بشفرته متهكماً: «أنت كثير الحركة وتثير إزعاجي... سأبتر إحدى ساقيك، أو ربما كلتيهما!»
انفجر هيمون بصرخة هستيرية مزقت صدره ورجت أرجاء المكان:
— «توقفوا! كفوا أيديكم عنه! أنتم تريدونني أنا... أنا هو ابن ساريو الذي تتعقبونه! أنا صيدكم الحقيقي!»
سقطت الكلمات كالصاعقة؛ تجمد مونو في قبضة آسرِه، وتجحظت عيناه بذهول وصدمة سحقت كل حواسه!
ابتسم أحد المهاجمين بانتشاء: «رائع جداً... اقتلوا الفتى الآخر وتخلصوا من جثته فوراً!»
هوى الرجل ذو الخناجر بنصله القاطع نحو حنجرة مونو لذبحه بدم بارد...
لكن قبل أن يلامس المعدن الجلد، تجمد جسد المهاجم في الهواء بلا حراك كأنه صُب في قالب جليدي!
انبثقت من العدم زوبعة من رمال متوهجة غلفت جسد المهاجم بالكامل، وتسربت بعنف إلى فمه وأنفه ومسام جلده، وفي لمح البصر... تحول الرجل بكامله إلى تمثال صخري أصم!
ارتعد المهاجمان الآخران وسيطر عليهما رعب مطلق، ظانين أن هذه التقنية الرهيبة من صنع هيمون أو مونو!
وعند حافة التمثال، تجسد كيان أثيري تشكل من رمال ملتهبة وشظايا رماد بركاني متطاير، ليلتئم في هيئة كائن غريب يحاكي البشر مع فوارق مذهلة؛ رجل قصير القامة بعينين واسعتين تشعان نوراً، وشعر ولحية وشاربين كالحرير ناصعة البياض. كان يطفو فوق الأرض شبراً كأنه لا وزن له، وتستند قدماه على خفين عريضين كأخفاف الإبل. ارتدى ثياباً خضراء فاخرة مطرزة بخيوط ذهبية تتوسط صدرها دائرة بنية، ويعلو رأسه تاج مهيب ذو ثلاثة نتوءات ترصع كلاً منها جوهرة زرقاء بلون صفاء السماء، ويقبض في يمينه على صولجان ذهبي تتوهج في قمته ياقوتة حمراء متقدة!
أشاعت هالة حضوره قشعريرة جمدت الدماء في العروق ووقفت لها شعور الرؤوس.
تمتم الكائن بكلمات ذات لغة باطنية قديمة، فانشقت الأرض في مشهد كابوسي وخرجت منها مئات المخلوقات من بني جنسه، حتى ضاقت الساحة بجموعهم الغفيرة!
أفلت المهاجم الثالث مونو وحاول الفرار بهلع، غير أن الأيادي الترابية امتدت من كل صوب وأطبقت عليه وسحبته إلى قاع الأرض بينما كانت صرخات عذابه تمزق عنان السماء! أما الرجل الذي غرس قدمه في الأرض، فحاول انتزاعها مستميتاً دون جدوى؛ تجمهرت حوله تلك الكائنات وفتحت أفواهاً لتنفث ألسنة لهب حارقة التهمت جسده من أخمص قدميه حتى قمة رأسه محولة إياه إلى رماد!
التفت الكيان المتوج نحو هيمون وقال بصوت رخيم:
— «براسكاش ياك كازدرين».
وقف هيمون مذهولاً لا يفقه معنى العبارة، فابتسم الكائن مردفاً:
— «يبدو أنك لا تفقه لغتنا القديمة... كنت أسألك: هل أنت بخير؟»
رد هيمون بصوت متلعثم يرتجف: «نـ... نعم، بخير».
أومأ صاحب التاج وقال: «أبلغ جيناي بأن "سيمسيما" قد أتم مهمته على أكمل وجه».
غاص الكائن المهيب مع سائر بني جنسه في باطن التربة، وتلاشت آثارهم كأنهم سراب.
سقط مونو على ركبتيه لاهثاً من هول ما عاين، وسأل بذهول يشارف الجنون: «ما هذا بحق الجحيم؟! أأنا في يقظة أم كابوس؟! ما تلك المخلوقات؟!»
أخذ هيمون نفساً عميقاً متوجعاً وقال بجمود: «أظن أن جيناي أرسلهم لتعقبي وحمايتي... اكتشفت البارحة أن قطي الأليف ليس سوى أسد بشري من عوالم أخرى، ولذا لم تعد تفاجئني خوارق هذا العالم».
نهض مونو ببطء، واشتعلت عيناه بنيران الغضب والارتياب؛ تقدم بخطى مهددة وأمسك بتلابيب قميص هيمون قرب عنقه وهزه بعنف:
— «أحق ما تفوهت به قبل قليل؟! أأنت حقاً ابن ساريو؟! أأنت سليل منظمة النوسامي الملعونة؟! انطق بالحقيقة ولا تكذب عليّ!»
صمت هيمون لبرهة، ثم تلاقت عيناهما بنظرة خاوية من الحياة:
— «نعم... أنا ابن ساريو، لكنني لست من النوسامي ولن أكون».
أفلت مونو يده وتراجع خطوة والذهول يعتصره: «هذا يفسر سر سحقك لي في النزال... كيف؟ ولماذا؟!»
وفجأة، انفرط زمام السيطرة في عقل مونو؛ هوى بقبضته العاتية ليوجه لكمة ساحقة إلى وجه هيمون! تلتها ضربات متتالية ولكمات عمياء انهالت على وجه الفتى وصدره، بينما وقف هيمون كالصنم المستسلم، لم يرفع ذراعاً لصد ضربة، ولم يتحرك قيد أنملة لتفادي بطش غريمه!
توقف مونو لاهثاً حين رأى وجه هيمون قد تورم وتخضب بالدماء دون أن تصدر منه أية مقاومة، وصرخ فيه بحرقة:
— «لماذا لا تقاوم؟! أجبني! لماذا لا تدافع عن نفسك وتسحقني بقوتك؟!»
رفع هيمون رأسه المثقل بالجراح، والدموع الحارقة تشق طريقها فوق دمائه النازفة، وهمس بصوت متهدج يمزق نياط القلوب:
— «هل لي أن أطلب منك رجاءً أخيراً؟... أرجوك يا مونو، استل سيفك واقتلني الآن».