NOVELFLEX

الفصل الثالث: الرسالة التي لم تصل

الصفحة الأخيرة | The Last Page · بقلم ✦ 𝑬𝒍𝒍𝒂𝒓𝒂 | إيـلـارا ✦

الفصل الثالث: الرسالة التي لم تصل

حتى لو كان الطريق إليه يمر عبر الشخص الذي قد يكون سبب موتهما.

لم أكن أعرف إن كان إيريان ڤال يستحق ثقتي، لكنني كنت أعرف شيئاً واحداً: لن أعود من هنا دون إجابات.

كان يسير أمامي بخطوات هادئة، وكأنه يعرف كل زاوية في هذا المكان. أما أنا، فكنت أحاول أن أستوعب ما يحدث حولي.

لم يكن الممر يشبه أي مكان رأيته من قبل. جدرانه الحجرية امتدت إلى ارتفاع هائل، وعلى جانبيها أبواب خشبية قديمة، بعضها يحمل أسماء، وبعضها يحمل رموزاً لم أستطع فهمها.

كانت الكتب تطفو قرب السقف، وتتحرك صفحاتها وحدها، بينما تتسلل من بينها أضواء بنفسجية خافتة.

قلت وأنا أنظر حولي:

«هل هذه هي دار الاحتمالات؟»

أجاب إيريان دون أن يلتفت:

«جزء صغير منها.»

«جزء؟»

«الدار أكبر مما تتخيلين.»

توقفت أمام باب خشبي يحمل نقوشاً فضية. اقتربت منه، لكن إيريان سبقني وأمسك بيدي قبل أن ألمس المقبض.

«لا تلمسيه.»

سحبت يدي بانزعاج.

«هل يمكنك أن تتوقف عن التصرف وكأنني طفلة؟»

نظر إليّ بعينيه الرماديتين.

«إذن توقفي عن محاولة فتح كل باب ترينه.»

كنت على وشك الرد، لكن صوتاً مألوفاً جاء من خلفنا.

«لم تتغير أبداً، أليس كذلك؟»

استدار إيريان، وظهر شاب يحمل مجموعة من الأوراق القديمة.

اتسعت عيناي.

«نيرفان؟»

اقترب مني، وعلى وجهه ابتسامة صغيرة.

«مر وقت طويل يا لورين.»

لم أستطع إخفاء دهشتي.

«ماذا تفعل هنا؟ وكيف وصلت إلى هذا المكان؟»

نظر إلى الكتاب الذي أحمله، ثم اختفت ابتسامته.

«كنت أتمنى ألا تصلي إليه أبداً.»

تجمدت للحظة.

«إلى ماذا؟»

«إلى دار الاحتمالات.»

نظرت إليه بشك.

«أنت تعرف هذا المكان؟»

أجاب بعد صمت قصير:

«أعرف عنه أكثر مما تتصورين.»

تنفست ببطء، ثم قلت:

«رائع. يبدو أن الجميع يعرف أسرار حياتي باستثنائي.»

تدخل إيريان ببرود:

«هذه ليست مشكلة جديدة.»

رمقته بنظرة غاضبة، بينما اكتفى نيرفان بخفض رأسه وكأنه يحاول إخفاء شيء ما.

تابعنا السير معاً، ولم أستطع تجاهل السؤال الذي ظل يلاحقني.

«نيرفان، لماذا جئت إلى هنا؟»

أجاب:

«لأنكِ لن تستطيعي الوصول إلى ما تبحثين عنه وحدكِ.»

«وهل تعرف ما الذي أبحث عنه؟»

نظر إليّ للحظة، ثم قال:

«أنتِ تبحثين عن الحقيقة المتعلقة بوالديكِ.»

لم أجب.

كان يكفي أن أعرف أنني لم أعد أستطيع الوثوق بسهولة بأي شخص.

وصلنا إلى قاعة واسعة تتوسطها طاولة حجرية طويلة، وعلى جدرانها رفوف مليئة بكتب مختلفة الأحجام. في نهاية القاعة وقف رجل يرتدي معطفاً أسود قديماً، وشعره الداكن تتخلله خصلات فضية.

كانت عيناه بلون الفضة، ونظرته ثابتة بشكل غريب.

رفع رأسه عندما دخلنا.

«إيريان ڤال.»

قال إيريان:

«أزرايل.»

تبادلا نظرة قصيرة، ثم انتقلت عينا الرجل إليّ.

«إذن، هذه هي لورين أڤيل.»

قلت بحذر:

«ومن أنت؟»

«أزرايل ڤيرن. حارس دار الاحتمالات.»

نظر إلى الكتاب بين يديّ، ثم أضاف:

«كنت أتساءل متى سيصل هذا الكتاب إلى صاحبته.»

سألته:

«هل تعرف شيئاً عنه؟»

«أعرف أن الكتب التي تختار أصحابها لا تفعل ذلك عبثاً.»

تدخل إيريان:

«لسنا هنا للحديث عن الكتب.»

نظر إليه أزرايل.

«أعرف. أنتم هنا بحثاً عن إجابات.»

ثم أشار إلى الطاولة.

«ضعوا الكتاب هنا.»

ترددت للحظة، لكنني وضعته أمامه.

فتح أزرايل إحدى صفحاته، وبدأت الرموز تتحرك ببطء حتى ظهرت خريطة صغيرة، لم تكن تشبه خرائط المدن العادية.

مرر إصبعه فوق أحد الرموز.

«هذه الخريطة لا تظهر إلا لمن يحمل كتاب الاحتمالات.»

سألته:

«إلى أين تقود؟»

«إلى أرشيف العائلات القديمة.»

تبادل إيريان ونيرفان نظرة سريعة.

لاحظتها فوراً.

«ماذا هناك؟»

أجاب أزرايل:

«هناك شيء يخص عائلتك.»

لم أحتج إلى سماع المزيد.

اقتربت من الطاولة.

«أريد رؤيته.»

قادنا أزرايل عبر ممر جانبي، حتى وصلنا إلى باب ضخم محفور عليه رمز يشبه دائرة تتوسطها ثلاثة خطوط متقاطعة.

فتح الباب، فظهرت خلفه قاعة مليئة بالكتب القديمة.

كان الغبار يغطي الرفوف، لكن بعض الكتب بدت وكأن أحداً استخدمها قبل لحظات.

توقف أزرايل أمام رف في الزاوية، وسحب كتاباً صغيراً ذا غلاف أزرق داكن.

وضعه أمامي.

«ابحثي عن اسم عائلتك.»

قلبت الصفحة الأولى.

ثم الثانية.

حتى توقفت عند اسم أعرفه جيداً.

إليان أڤيل.

اسم أمي.

شعرت بشيء غريب في صدري.

«لماذا يوجد اسمها هنا؟»

لم يجب أزرايل، بل فتح الكتاب على صفحة في منتصفه، وأخرج ورقة مطوية بعناية.

«هذه تخصك.»

أخذت الورقة.

كان الخط مألوفاً بشكل جعل أصابعي تتجمد.

عرفته قبل أن أقرأ كلمة واحدة.

كان خط أمي.

لم أفهم كيف يمكن لشيء كهذا أن يكون حقيقياً.

أمي ماتت.

هذا ما عشته طوال سنوات حياتي. هذا ما قيل لي منذ طفولتي. كنت أعتقد أنني فقدتها إلى الأبد، وأن كل ما بقي منها مجرد ذكريات وصورة قديمة.

لكن الرسالة كانت أمامي.

فتحتها ببطء.

«إلى ابنتي لورين...

إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أن الكتاب اختاركِ أخيراً.

لا أعرف كم مضى من الوقت منذ آخر مرة رأيتكِ فيها، ولا كيف أصبحتِ الآن.

أعرف أنكِ تعتقدين أنني رحلت، وربما قضيتِ سنوات تظنين أنني متُّ وتركتكِ وحدكِ.

لكنني لم أمت يا لورين.

أنا هنا، داخل دار الاحتمالات.

لم يكن اختفائي اختياراً، ولم تكن السنوات التي قضيتها بعيداً عنكِ كما تتخيلين.

لا تحاولي الوصول إليّ قبل أن تجدي المفاتيح الثلاثة.

الأول يحفظ ما نسيتهِ.

والثاني يكشف ما لم تختاريه.

أما الثالث، فلن يمنحكِ شيئاً دون أن يأخذ منكِ شيئاً آخر.

وتذكري يا لورين...

لا تثقي بكل من يسير معكِ، حتى لو كان يعرف اسمكِ قبل أن تنطقي به.

أمكِ،

إليان.»

توقفت عيناي عند السطر الأخير.

أعدت قراءة الرسالة.

ثم قرأتها مرة أخرى.

لكنني لم أمت يا لورين.

لم أستطع استيعاب الكلمات.

أمي... حية؟

لا.

هذا مستحيل.

ثمانية عشر عاماً وأنا أعتقد أنها ماتت. ثمانية عشر عاماً وأنا أحمل صورتها وأتذكرها باعتبارها شخصاً لن أراه مجدداً.

كيف يمكن لشيء كهذا أن يكون صحيحاً؟

رفعت رأسي ببطء.

«أزرايل...»

لم يرد.

«هل هذه الرسالة حقيقية؟»

قال بهدوء:

«نعم.»

شعرت أن قدميّ لم تعودا تحملانني.

«أمي ماتت. أنا أعرف أنها ماتت!»

خرج صوتي أعلى مما توقعت.

«لقد عشت كل هذه السنوات وأنا أعتقد أنها ماتت! الجميع أخبرني بذلك!»

اقترب نيرفان خطوة.

«لورين...»

التفت إليه بسرعة.

«لا. لا تقل اسمي وكأنك تعرف ما أشعر به!»

نظرت إلى إيريان، ثم إلى أزرايل.

«أريد أن أعرف أين هي. الآن.»

أجاب أزرايل:

«لا أعرف موقعها الحقيقي.»

«أنت حارس هذه الدار! كيف لا تعرف؟»

«لأن الغرفة التي توجد فيها لا تظهر على خرائط الدار.»

وضعت الرسالة على الطاولة، وحاولت أن ألتقط أنفاسي.

كانت هناك احتمالات كثيرة تدور في رأسي، لكن أكثرها رعباً كان أن كل ما اعتقدته عن موت أمي ربما كان كذبة.

سألت بصوت أخفض:

«من الذي وضعها هناك؟»

صمت أزرايل.

ثم قال:

«هذا أحد الأسئلة التي ستحتاجين إلى الإجابة عنها بنفسك.»

أخذت الرسالة مجدداً، وضممتها إلى يدي.

«سأجدها.»

نظر إليّ إيريان.

«لن يكون الأمر بهذه السهولة.»

أجبته دون تردد:

«لم أطلب أن يكون سهلاً.»

تقدم نيرفان إلى جانب الطاولة.

«هناك ثلاثة مفاتيح يجب أن نعثر عليها قبل الوصول إلى مكانها.»

التفتُّ إليه.

«كيف تعرف ذلك؟»

تردد قليلاً، ثم قال:

«لأنني رأيت هذه الرموز من قبل.»

لم تعجبني إجابته.

«ومتى كنت تنوي إخباري؟»

لم يجب.

أما أزرايل، فأغلق الكتاب الأزرق ووضعه في مكانه.

«لن تغادروا الأرشيف الآن.»

سأل إيريان:

«لماذا؟»

أشار أزرايل إلى الطاولة.

كانت هناك ورقة أخرى، لم تكن موجودة قبل لحظات.

اقتربت منها والتقطتها.

لم تحمل توقيعاً، ولا اسماً، فقط جملة واحدة مكتوبة بحبر بنفسجي:

«لقد أخطأتِ في عدّ المفاتيح يا لورين.»

وبعد لحظات، بدأت كلمات أخرى تظهر تحتها:

«فالمفتاح الثالث ليس شيئاً تبحثين عنه... بل شخصاً دخل الدار معكِ.»

رفعت رأسي ببطء.

نظرت إلى إيريان.

ثم إلى نيرفان.

كان كلاهما صامتاً.

أما أزرايل، فقد تغيرت ملامحه للمرة الأولى منذ رأيته.

قال بصوت منخفض:

«لقد بدأ الأمر أسرع مما توقعت.»

وفي تلك اللحظة أدركت أن العثور على أمي لم يعد هدفي الوحيد.

كان عليّ أولاً أن أعرف...

أيّ شخص من الذين دخلوا الدار معي كان يحمل المفتاح الثالث؟