الفصل السادس: الطفل الذي لم يظهر في السجلات
The Child Who Never Existed
«إذا كان اسم إيريان قد ظهر على المرآة... فما الذي يربطه بتلك الغرفة؟»
لم يجبني أحد.
ظللت أحدّق في الاسم المكتوب على سطح المرآة المتشققة، وكأنني أنتظر أن تتغير حروفه، أو أن يظهر تفسير يجعل ما رأيته أقل غرابة.
لكن الاسم بقي كما هو.
إيريان ڤال.
التفتُّ إليه ببطء.
كان واقفاً خلفي، ووجهه هادئ على نحو أثار غضبي أكثر مما أثار خوفي. لم يكن يبدو متفاجئاً، ولم يحاول حتى الاقتراب من المرآة.
كان يعرف شيئاً.
شيئاً لم يخبرني به.
قلت بصوت حاولت أن أجعله ثابتاً:
«من هو آزرين؟»
لم يتحرك إيريان.
لكن عينيه تغيّرتا للحظة.
لحظة قصيرة جداً، ربما لم يكن ينبغي لي ملاحظتها، إلا أنني رأيتها.
قال أخيراً:
«أين سمعتِ هذا الاسم؟»
أشرت إلى المرآة.
«لا تتظاهر بأنك لا تعرف. اسمك ظهر أمامي بعد أن أخبرني نيرفان أن ثلاثة أطفال كانوا في تلك الغرفة. أنا، وكايل، والطفل الثالث... والآن أريد أن أعرف لماذا يبدو أنك تعرف أكثر مما تقوله.»
نظر إيريان إلى الاسم، ثم إلى انعكاسي في المرآة.
«لأن بعض الأسماء لا ينبغي أن تُستعاد.»
ضحكت بمرارة.
«غريب. الجميع هنا يملكون العبارة نفسها. لا تتذكري، لا تقتربي، لا تسألي. هل يوجد أحد في هذه الدار يستطيع أن يجيب عن سؤال واحد دون أن يحيط إجابته بعشرة أسرار؟»
سمعت نيرفان يتنهد خلفنا.
«لورين، ربما علينا أن نغادر هذا الممر.»
استدرت إليه.
«لا. هذه المرة لن أغادر قبل أن أعرف.»
تقدم نيرفان خطوة، لكن إيريان رفع يده مانعاً إياه.
«اتركها.»
نظر نيرفان إليه بحدة.
«أنت آخر شخص يحق له أن يقرر متى تعرف الحقيقة.»
ساد الصمت.
لم أفهم ما الذي قصده نيرفان، لكن الطريقة التي تبادلا بها النظرات جعلتني أشعر بأنني أقف أمام باب آخر، باب يعرف الجميع ما خلفه باستثنائي.
اقترب إيريان من المرآة، ومد يده نحو الشق الذي ظهر فيه اسمه.
«آزرين ڤال.»
نطق الاسم بصوت منخفض.
وفجأة، اهتز سطح المرآة.
تراجعت خطوة.
لم يكن الاهتزاز عشوائياً؛ فقد بدأت الشقوق الفضية تتحرك ببطء، متصلة بعضها ببعض، حتى تشكلت صورة لممر قديم.
ممر لم أره من قبل.
كان ضيقاً، جدرانه مغطاة بأوراق صفراء، وفي نهايته باب خشبي صغير.
ثم ظهر طفل.
كان يقف أمام الباب، وظهره إلينا.
لم أستطع رؤية وجهه، لكنني عرفت أنه طفل، وربما كان في عمر كايل تقريباً.
رفع الطفل يده وطرق الباب مرتين.
ثم سمعنا صوتاً.
«لقد تأخرت يا آزرين.»
تجمدت في مكاني.
كان الصوت صوت إيريان.
لكن إيريان لم يكن طفلاً في الصورة.
التفتُّ إليه بسرعة.
«ما هذا؟»
لم يجبني.
اقتربت من المرآة أكثر، فظهرت يد أخرى داخل الصورة، يد طفل أصغر، تمسك بطرف معطف آزرين.
ثم جاء صوت فتاة صغيرة.
«هل سيعود أخي؟»
لم أتنفس.
كانت تلك الفتاة أنا.
عرفت صوتي، رغم أنني لم أسمعه منذ طفولتي.
ظهر الطفل في المرآة وهو يلتفت قليلاً، لكن وجهه ظل مخفياً خلف الظلال.
قال:
«سيعود، أعدكِ.»
ثم انطفأت الصورة.
وبقيت جملة واحدة محفورة على المرآة:
«كان الثالث يعرف الطريق إلى الغرفة التي لم توجد أبداً.»
---
«أنت كنت هناك.»
لم تكن سؤالاً.
كنت أنظر إلى إيريان وأنا أعرف أن إجابته لن تغيّر ما رأيته.
قال بعد صمت:
«نعم.»
شعرت بشيء بارد يستقر في صدري.
«كنت طفلاً معهم؟»
«لا.»
«إذاً كيف كنت تعرف آزرين؟»
أدار وجهه بعيداً.
«كان صديقي.»
توقفت الكلمات في حلقي للحظة.
«صديقك؟»
«كان آخر شخص رأيته قبل اختفائه.»
اقترب نيرفان منه بسرعة.
«إيريان...»
قاطعه إيريان:
«لقد عرفت أنها ستكتشف الأمر عاجلاً أم آجلاً.»
ثم نظر إليّ.
«آزرين لم يكن مجرد طفل ثالث في تلك الغرفة يا لورين. كان الشخص الذي يعرف ما الذي حدث لأمك قبل اختفائها.»
«هل كان يعرف أمي؟»
«أكثر مما تتصورين.»
شعرت بأن الأرض تميل تحت قدمي.
كلما ظننت أنني اقتربت من الحقيقة، اكتشفت أنني كنت أقف أمام باب آخر.
«أين هو الآن؟»
لم يجب.
أعدت السؤال، هذه المرة بصوت أعلى:
«أين آزرين؟»
قال إيريان:
«لا أعرف إن كان لا يزال حياً.»
---
صدر صوت خافت من خلفنا.
تك.
ثم تك.
ثم تك.
ثلاث طرقات.
استدرت نحو نهاية الممر.
لم يكن هناك أحد.
لكن المرآة التي خلفنا بدأت تُظهر شيئاً لم يكن موجوداً في الممر الحقيقي.
باباً أسود.
باباً لم أره من قبل.
وعلى سطحه ظهرت ثلاثة رموز فضية، مرتبة في صف واحد.
دائرة.
مفتاح.
وعين مغلقة.
اقترب نيرفان من المرآة، ثم تراجع فوراً.
«هذا غير ممكن.»
سألته:
«ماذا؟»
أجاب وهو يحدق في الرموز:
«هذا ليس انعكاساً. إنه مكان آخر.»
مددت يدي نحو سطح المرآة، لكن إيريان أمسك بمعصمي.
«لا تلمسيه.»
نظرت إليه.
«لماذا؟»
«لأن المرآة لا تُظهر لكِ ما تريدين رؤيته هذه المرة.»
وقبل أن أجيبه، انطفأت الأضواء الفضية في الممر دفعة واحدة.
لم يبقَ سوى عينيّ ڤيراث.
كان واقفاً في نهاية الممر.
طويلاً، نحيفاً، وجسده الأسود تتخلله الشقوق البنفسجية التي عرفتها جيداً.
لكن هذه المرة لم يكن ينظر إليّ.
كان ينظر إلى المرآة.
ثم رفع رأسه ببطء.
وسمعت صوتاً خرج من مكان لا أستطيع تحديده.
«ثلاثة أطفال... وذكرى واحدة لا تخص أحداً منهم.»
تراجعت خطوة.
لم يتحرك ڤيراث.
«لقد بدأتم باستعادة ما لم يكن ينبغي أن يعود.»
رفع إيريان يده، وظهرت بين أصابعه خيوط فضية رفيعة.
لكن ڤيراث لم يتراجع.
بل مد ذراعه الطويلة نحو المرآة، ووضع أصابعه على سطحها.
في اللحظة نفسها، اختفت الرموز الثلاثة.
وظهر اسم جديد.
آزرين ڤال.
ثم ظهرت تحته عبارة قصيرة:
«لم يغادر الدار.»
شعرت بأن قلبي توقف للحظة.
«لكنك قلت إنه اختفى!»
لم ينظر إليّ إيريان.
كان يحدق في العبارة، وكأنها أكدت شيئاً كان يخشاه منذ سنوات.
قال ڤيراث بصوت متقطع:
«الاختفاء... ليس دائماً مغادرة.»
ثم تلاشى.
---
لم يختفِ الممر بعد رحيله.
بل حدث شيء أكثر غرابة.
بدأت المرآة تتغير، وظهرت خلف سطحها غرفة واسعة، تتوسطها طاولة حجرية قديمة.
كانت الطاولة مغطاة بالغبار، وفوقها كتاب مفتوح.
لم تكن صفحاته مكتوبة بالحبر.
كانت هناك آثار حفر، كأن أحدهم كتب الكلمات بأظافره.
اقتربت ببطء.
كانت هناك جملة واحدة واضحة:
«المفتاح الثاني لا يفتح باباً... بل يكشف ما اختير بدلاً عنك.»
تذكرت كلمات أزرايل.
المفتاح الأول يحفظ ما نُسي.
أما الثاني، فيكشف ما لم يُختر.
مددت يدي نحو المرآة، لكن هذه المرة لم يمنعني إيريان.
وضعت كفي على سطحها.
كان بارداً جداً.
وفجأة، شعرت بشيء يتحرك في ذاكرتي.
رأيت باباً خشبياً.
وسمعت صوت أمي.
«لا تسمحي لهم باختيار حياتكِ يا لورين.»
ثم ظهر صوت طفل آخر.
«لكن إذا لم نختر، فسوف تختار الدار عنا.»
لم أتمكن من رؤية وجهه.
لكنني كنت متأكدة أنني سمعته من قبل.
سحبت يدي بسرعة.
«من كان ذلك؟»
نظر إيريان إليّ.
«آزرين.»
«لماذا كان يتحدث عن الاختيار؟»
أجاب نيرفان هذه المرة:
«لأن ذلك اليوم لم يكن يوم اختفاء أمكِ فقط. كان اليوم الذي اتخذ فيه أحدهم قراراً غيّر حياة ثلاثة أطفال.»
التفتُّ إليه.
«أي قرار؟»
خفض عينيه.
«قرار بشأن أيّ حياة كان يجب أن تستمر.»
لم أفهم.
لكنني شعرت أن العبارة تحمل معنى أسوأ مما أستطيع تخيله.
وقبل أن أطلب منه التوضيح، ظهرت كتابة جديدة على المرآة.
هذه المرة لم تكن بخط ڤيراث.
كانت بخط أمي.
«لورين، إذا وجدتِ الغرفة، فلا تدخليها وحدكِ. فالطفل الذي تبحثين عنه لم يكن الوحيد الذي بقي فيها.»
تجمدت.
قرأت الجملة مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
«لم يكن الوحيد؟»
نظر إيريان إلى المرآة، وتغير وجهه للمرة الأولى منذ بدأنا الحديث.
قال بصوت خافت:
«إذن... لم يكن آزرين وحده.»
---
تراجعت عن المرآة.
«ماذا تقصد؟»
لم يجب إيريان.
كان يحدق في الجملة الأخيرة، ثم أغلق عينيه للحظة وكأنه يحاول استرجاع ذكرى لا يريدها أن تعود.
أما نيرفان، فقد بدا عليه الخوف الحقيقي.
«علينا أن نخبر أزرايل.»
قلت بسرعة:
«لا أحد سيذهب إلى أي مكان قبل أن أفهم ما يحدث!»
لكن المرآة لم تمنحني وقتاً آخر.
بدأت الكتابة تختفي، حرفاً بعد حرف، حتى لم يبقَ سوى رمز صغير في زاويتها.
عين فضية مغلقة.
وتحتها رقم محفور:
الثالث.
لم يكن الرقم متعلقاً بالأطفال هذه المرة.
كان متعلقاً بشيء آخر.
اقتربت منه، وحاولت فهم معناه، حتى لاحظت أن الرمز يشبه تماماً النقش الموجود على المفتاح الفضي الذي أحمله.
أخرجت المفتاح من جيبي.
بدأت الزهرة الفضية المحفورة عليه تضيء بخفوت.
ثم ظهرت على سطحه خطوط لم تكن موجودة من قبل.
لم تكن خريطة للدار.
كانت رسماً لدرج طويل ينزل إلى الأسفل، وينتهي عند باب لا يحمل مقبضاً.
رفعت رأسي نحو إيريان.
«هل تعرف هذا المكان؟»
ظل ينظر إلى المفتاح.
ثم قال:
«أعرف الباب.»
«وأين يقع؟»
أجاب بعد تردد:
«في مكان لا تسمح الدار لأحد بتذكره.»
شعرت بقلبي ينقبض.
«وهل يوجد المفتاح الثاني هناك؟»
نظر إليّ طويلاً.
«لا أعرف. لكنني أعرف شيئاً واحداً...»
انتظرته.
«إذا وصلنا إلى ذلك الباب، فلن نبحث عن آزرين وحده.»
سألته:
«عمّن سنبحث إذاً؟»
لم يجب فوراً.
ثم قال:
«عن الشخص الذي اختار أن يمحو وجوده من ذاكرة الجميع.»
نظرت إلى المفتاح مرة أخرى.
كان الضوء قد انطفأ.
لكن الخطوط المحفورة بقيت واضحة.
وفي أسفل الرسم، ظهرت كلمات صغيرة لم ألاحظها من قبل:
«ليس كل من نسيته الدار قد اختفى... فبعضهم ينتظر أن تتذكريه.»
أغلقت أصابعي حول المفتاح.
لم أحصل على المفتاح الثاني.
ولم أعرف أين توجد الغرفة.
ولم أكتشف حقيقة آزرين.
لكنني أدركت أمراً واحداً.
أن طفولتي لم تكن كما تذكرتها أبداً.
وأن هناك شخصاً ما زال يعيش داخل دار الاحتمالات، ينتظر عودتي منذ سنوات.
والأسوأ من ذلك كله...
أن إيريان كان يعرف أنه ينتظرني.
الطفل الذي لم يظهر في السجلات
الصفحة الأخيرة | The Last Page · بقلم ✦ 𝑬𝒍𝒍𝒂𝒓𝒂 | إيـلـارا ✦