الفصل الخامس: الذي يسكن بين الذكريات
The One Who Dwells Between Memories
لم تكن الظلمة عادية.
لم تكن مجرد غيابٍ للضوء، بل شعرتُ وكأن المكتبة نفسها أغلقت عينيها علينا، وقررت أن تبتلع كل ما فيها.
كانت يد إيريان لا تزال ممسكة بيدي، بينما جاء صوت نيرفان من الجهة الأخرى:
«ابتعد عنها يا إيريان.»
لم يجب إيريان، لكنه شدّ على يدي قليلاً، ثم قال بصوت منخفض:
«لا تتحركي يا لورين.»
«هل يمكنكما أن تخبراني ما الذي يحدث؟»
لم أتلقَّ إجابة.
سمعتُ صوت شيء يتحرك بين الرفوف، ببطء شديد، كأن أقداماً ثقيلة تجرّ نفسها فوق الأرض الحجرية.
ثم جاء صوت ورقة تتمزق، تلاه صوت آخر، وبعده ثالث.
أخرجتُ الدبوس الفضي من جيبي، فبدأ يلمع بلون بنفسجي خافت.
«إيريان...»
«أعرف.»
«لا، أنت لا تعرف. هناك شيء يتحرك!»
«قلت لكِ لا تتحركي.»
كان صوته هادئاً على نحو مستفز، وكأننا لم نكن محاصرين داخل مكتبة مظلمة تحاول فيها الكتب تمزيق نفسها.
وفجأة، سمعتُ صوت نيرفان يناديني من نهاية الممر:
«لورين! تعالي إلى هنا!»
تجمدتُ في مكاني.
كان نيرفان بجانبي قبل لحظات.
التفتُّ نحو الصوت، لكن إيريان جذبني إلى الخلف فوراً.
«لا تنظري إليه.»
«لكنه نيرفان!»
«ليس كل صوت تسمعينه هنا يعود إلى صاحبه.»
ثم سمعتُ الصوت مرة أخرى، هذه المرة أقرب:
«لورين، أرجوكِ... أنا هنا.»
رفعتُ رأسي نحو المكان الذي يفترض أن يقف فيه نيرفان، فوجدته لا يزال هناك، ووجهه شاحب وعيناه معلقتان بشيء خلفي.
همس:
«لقد وجدنا.»
«من؟»
لم يجب.
وفي اللحظة التالية، انفتح أحد الرفوف بعنف، وسقطت عشرات الكتب على الأرض.
ظهر شيء في نهاية الممر.
كان طويلاً، أطول من أي إنسان رأيته، نحيفاً بصورة غير طبيعية، وجسده يشبه الظل المتجمع في هيئة مخلوق. لم يكن له وجه واضح، بل مساحة سوداء تتوسطها عينان فضيتان، تتوهجان كقطعتين من الزجاج تحت ضوء القمر.
كانت تشققات بنفسجية تمتد عبر جسده، تضيء وتنطفئ كأن شيئاً حياً يتحرك تحت سطحه.
لم يتحرك للحظة.
ثم مال رأسه ببطء نحوي.
شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي.
«ما هذا الشيء؟»
أجاب أزرايل من خلفنا:
«ڤيراث.»
لم أكن قد سمعتُ صوته منذ بدأ الظلام.
ظهر أزرايل قرب أحد الأعمدة، وفي يده مصباح صغير لم يكن مضيئاً قبل لحظات.
قال إيريان بحدة:
«لماذا لم تخبرنا أنه يستطيع الوصول إلى هذه المكتبة؟»
«لأنه لم يكن ينبغي له أن يصل إليها.»
«وهذا لا يجيب عن سؤالي.»
نظر أزرايل إلى المخلوق.
«إنه لا يحرس المكتبة، ولا يتبع أوامرها. إنه يتبع الذكريات التي يحاول أصحابها استعادتها.»
نظرتُ إليه، ثم إلى ڤيراث.
«إذن لماذا جاء من أجلي؟»
قال أزرايل:
«لأنكِ اقتربتِ من ذكرى لا يريد أحدٌ لها أن تعود.»
لم أستطع منع نفسي من النظر إلى المفتاح الفضي الذي كان لا يزال قرب الكتاب المفتوح على الطاولة.
كان سطحه يحمل نقش زهرة صغيرة، وتحتها العبارة:
«الذكرى الأولى لم تكن لكِ.»
اقترب ڤيراث خطوة.
فتراجعتُ دون تفكير.
لكن المخلوق لم يهاجمنا.
رفع إحدى يديه الطويلتين، وأشار بها نحوي.
ثم خرج من مكانه صوت يشبه احتكاك الصفحات القديمة ببعضها.
«أعيدي... ما ليس لكِ.»
توقفت أنفاسي.
لم يكن الصوت صوتاً بشرياً، لكنه كان واضحاً بما يكفي لأفهم كلماته.
قال إيريان:
«لا تستمعي إليه.»
«لكنه يتكلم!»
«إنه لا يتكلم كما نفهم الكلام. إنه يستخدم ما تركته الذكريات في المكان.»
تقدم ڤيراث مرة أخرى، وفجأة تغير صوته.
لم يعد يشبه احتكاك الورق.
بل صار صوت امرأة.
صوتاً أعرفه.
«لورين... صغيرتي.»
توقفتُ عن التنفس تقريباً.
كان صوت أمي.
لم يكن مشابهاً له فحسب، بل كان هو نفسه الصوت الذي سمعته في الذكرى، حين كانت تحملني أمام الباب الخشبي.
«أمي؟»
تحركتُ خطوة إلى الأمام.
«تعالي إليّ... لقد انتظرتكِ طويلاً.»
مددتُ يدي دون وعي.
وفي اللحظة التي كدتُ ألمسه فيها، أمسك نيرفان بكتفي وأعادني إلى الخلف.
«هذا ليس صوتها!»
التفتُّ إليه بغضب وارتباك.
«كيف تعرف؟»
لم يجب.
لكن نظراته قالت شيئاً لم يكن مستعداً لقوله.
شيئاً جعلني أشعر بأننا لم نعد نبحث عن ذكرى مفقودة فقط، بل عن أشخاص يعرفون الحقيقة منذ وقت طويل.
رفع أزرايل يده، فظهرت حول أصابعه خطوط فضية رفيعة امتدت نحو الأرض، ثم انطلقت كخيوط من الضوء باتجاه المخلوق.
تراجع ڤيراث، واهتز جسده كأنه يتعرض لتيار غير مرئي.
قال أزرايل:
«إيريان! المفتاح!»
لم يحتج إيريان إلى تفسير.
أسرع نحو الطاولة، والتقط المفتاح الفضي، لكن ما إن لمسته أصابعه حتى اهتزت المكتبة بأكملها.
انفتحت الكتب دفعة واحدة.
تطايرت الصفحات في الهواء، وبدأت الكلمات المكتوبة عليها تتلاشى أمام أعيننا.
ثم انطفأ الضوء.
وسقطتُ على ركبتيّ.
---
حين فتحتُ عينيّ، لم أكن في المكتبة.
كنتُ أقف في ممر ضيق ذي جدران خشبية، تفوح منه رائحة الورود المجففة والورق القديم.
كان المكان مألوفاً.
مألوفاً إلى درجة جعلت قلبي ينقبض.
في نهاية الممر كان هناك باب نصف مفتوح.
ومن خلفه سمعتُ صوت امرأة:
«يجب أن نُخرج الطفلين قبل أن يصلوا.»
توقفتُ.
الطفلين؟
اقتربتُ من الباب بحذر، ومددتُ يدي نحو حافته.
كانت الغرفة نفسها.
الغرفة التي رأيتها في الذكرى السابقة.
رأيتُ أمي واقفة قرب النافذة، وشعرها منسدل على كتفيها، بينما كانت تمسك بيد طفل صغير.
وعلى الجانب الآخر، كان هناك طفل آخر يقف وظهره نحوي.
كان أطول مني بكثير.
لم أستطع رؤية وجهه.
لكنني شعرتُ بشيء غريب.
كأنني أعرفه.
كأنني انتظرته طويلاً، دون أن أعرف أنني أنتظره.
اقتربتُ خطوة.
«أمي؟»
التفتت المرأة.
لم تنظر إليّ كما تنظر الأمهات إلى بناتهن في الأحلام.
بل نظرت إليّ وكأنها تراني للمرة الأولى، ثم قالت:
«ليس من المفترض أن تكوني هنا يا لورين.»
«من الطفل الآخر؟»
لم تجب.
أمسكت بيد الطفل الأصغر، ثم نظرت إلى الآخر.
«كايل، خذ أختك وابتعد عن الباب.»
توقفت الدنيا من حولي.
كايل.
سمعتُ الاسم بوضوح.
حاولتُ أن أقترب، لكن الغرفة بدأت تتشقق كأنها صفحة قديمة تمزقت من منتصفها.
التفت الطفل الذي يحمل الاسم نحوي.
للحظة قصيرة، رأيتُ عينين رماديتين.
ثم اختفى كل شيء.
---
عدتُ إلى المكتبة وأنا ألهث.
كان إيريان واقفاً أمامي، والمفتاح الفضي في يده، بينما جلس نيرفان قرب أحد الرفوف واضعاً يده على جبينه.
أما أزرايل فكان يراقبني بصمت.
قلتُ قبل أن يتمكن أحدهم من الكلام:
«كايل.»
لم يتحرك أحد.
كررتُ الاسم:
«سمعتُ أمي تناديه. قالت كايل.»
نظرتُ إلى نيرفان.
كان وجهه قد تغير تماماً.
«أنت تعرف هذا الاسم، أليس كذلك؟»
أشاح بنظره.
«لورين...»
«لا تقل اسمي بهذه الطريقة! أريد إجابة.»
وقف ببطء.
«بعض الأسماء لا ينبغي أن تُقال داخل هذه الدار.»
ضحكتُ ضحكة قصيرة خالية من المرح.
«هذا كل ما لديكم؟ تحذيرات وأسرار وأبواب لا يجب فتحها؟ يبدو أن هذه الدار لا تعرف شيئاً سوى إخفاء الأشياء!»
قال إيريان:
«اهدئي.»
التفتُّ إليه فوراً.
«لا تطلب مني الهدوء! لقد سمعتُ أمي تقول إن هناك طفلاً اسمه كايل. رأيته في ذكرياتي. وأنتما تتصرفان وكأن الاسم معروف لديكما!»
صمت إيريان.
وكان صمته أسوأ من أي اعتراف.
اقتربتُ منه.
«من هو كايل؟»
نظر إلى المفتاح في يده، ثم إليّ.
«لا أعرف إن كان من حقّي أن أخبركِ.»
«إنه أخي، أليس كذلك؟»
لم يجب.
لكن أزرايل فعل.
«نعم.»
استدرتُ نحوه ببطء.
«أخي؟»
أكمل بصوت ثابت:
«كايل أڤيل. أكبر منكِ بثلاث سنوات.»
شعرتُ بأن الأرض تميل تحت قدمي.
كان لديّ أخ.
أخ لم أتذكره يوماً.
أخ لم يخبرني عنه أحد.
أخ لم يظهر اسمه في أي سجل من سجلات عائلتي.
«لماذا لا أتذكره؟»
قال أزرايل:
«لأن ذكراه لم تُنسَ وحدها. لقد أُزيلت.»
«من فعل ذلك؟»
«لا أعرف.»
«أنت حارس هذه الدار! كيف لا تعرف؟»
تغيرت ملامحه قليلاً.
«لأن هناك أشياء حتى الحراس لا يملكون سلطة الوصول إليها.»
نظرتُ إلى نيرفان مجدداً.
«وأنت؟»
رفع رأسه.
«ماذا؟»
«هل كنت تعرف أن لديّ أخاً؟»
طال صمته.
ثم قال:
«كنت أعرف أنه كان هناك طفل آخر في حياتكِ.»
«طفل آخر؟ اسمه كايل!»
«لم أكن أعرف إن كان الاسم حقيقياً.»
«أنت تكذب.»
لم ينكر.
وهذا وحده كان كافياً ليجعلني أشعر بأن شيئاً في داخلي قد انكسر.
---
تحرك المفتاح الفضي فجأة في يد إيريان.
ظهر ضوء خافت على سطحه، ثم امتد منه خيط من النور باتجاه أحد الرفوف البعيدة.
اقترب أزرايل منه.
«لقد اختار الطريق.»
سألته:
«إلى أين؟»
«إلى المكان الذي تبدأ فيه الذكرى الثانية.»
«إذن المفتاح الثاني هناك؟»
«ربما. لكن لا تتوقعي أن يكون الوصول إليه سهلاً.»
قادنا الضوء إلى ممر لم أره من قبل.
كان أضيق من الممرات السابقة، وجدرانه مغطاة بمرايا طويلة ذات إطارات سوداء. لم تكن المرايا تعكس صورنا بصورة طبيعية؛ ففي إحداها ظهرت صورتي وأنا طفلة، وفي أخرى رأيتُ نفسي أكبر سناً، بينما كانت الثالثة فارغة تماماً.
توقفتُ أمام المرآة التي أظهرتني طفلة.
كنتُ أرتدي فستاناً أزرق، وأقف بجانب صبي أطول مني.
لم يكن وجهه واضحاً.
لكن يده كانت تمسك بيدي.
اقتربتُ من الزجاج.
«كايل...؟»
ظهرت كتابة على سطح المرآة، حرفاً بعد حرف:
«لم يكن أخوكِ هو من ترككِ.»
قرأتُ العبارة مرة أخرى.
ثم ظهرت جملة ثانية:
«بل أنتِ من تركتِه.»
تراجعتُ.
«هذا غير صحيح.»
قال إيريان خلفي:
«لا تلمسي المرآة.»
لكنني كنتُ قد رفعتُ يدي بالفعل.
لمستُ الزجاج.
وفي اللحظة نفسها، اختفت صورتي.
ظهر الصبي وحده.
رفع رأسه ببطء، وكأن عينيه كانتا تنتظران أن أراهما.
ثم تحرك فمه.
لم أسمع صوته، لكنني قرأتُ الكلمتين على شفتيه:
«تذكّريني؟»
تصدع الزجاج.
صرخ أزرايل:
«ابتعدوا عن المرايا!»
انطفأت جميع الأضواء، وسمعنا صوتاً خلفنا.
الصوت نفسه.
احتكاك الصفحات.
استدرتُ.
كان ڤيراث واقفاً عند مدخل الممر.
رفع إحدى يديه، فبدأت المرايا تعرض مشاهد مختلفة.
رأيتُ أمي تبكي.
رأيتُ طفلاً يركض في ممر مظلم.
رأيتُ باباً خشبياً يُغلق.
ثم رأيتُ كايل.
كان يقف أمام الباب، ويده ممدودة نحوي.
وعلى الجانب الآخر من الزجاج، كنتُ أنا.
طفلة صغيرة تبكي وتناديه.
حاولتُ أن أصرخ، لكن صوتي لم يخرج.
اقترب كايل من المرآة، ووضع كفه عليها.
ثم ظهرت عبارة جديدة:
«لقد وعدتِه أنكِ لن تنسيه.»
شعرتُ بصداع حاد، وكأن رأسي يحاول استعادة شيء أكبر من قدرته على الاحتمال.
تراجعتُ، فاصطدمتُ بإيريان.
أمسك بكتفي وقال:
«انظري إليّ، لورين. لا تنظري إلى المرايا.»
لكنني لم أستطع.
كانت صورة كايل تختفي ببطء.
وقبل أن تختفي تماماً، ظهرت على الزجاج كتابة أخيرة:
«هو لم يمت.»
ثم انكسرت المرآة.
---
لم يتحرك أحد لعدة ثوانٍ.
كان صوت الزجاج المتناثر يتردد في الممر، بينما اختفى ڤيراث كما ظهر، تاركاً خلفه رائحة باردة تشبه رائحة الكتب التي لم تُفتح منذ قرون.
اقترب أزرايل من المرآة المكسورة.
انحنى والتقط قطعة صغيرة من الزجاج، ثم تأملها طويلاً.
سألته:
«هل هذا صحيح؟»
لم يرفع عينيه.
«أي جزء؟»
«كايل. هل هو حي؟»
تبادل أزرايل وإيريان نظرة سريعة.
ثم قال إيريان:
«لا أحد يعرف مكانه.»
«لكن هل هو حي؟»
أجاب أزرايل هذه المرة:
«آخر مرة سُجل فيها اسمه في الدار، كان حياً.»
شعرتُ بأن قلبي توقف للحظة.
«ومتى كانت تلك المرة؟»
نظر إليّ.
«قبل ثمانية عشر عاماً.»
ثمانية عشر عاماً.
العمر نفسه الذي قضيته وأنا أعتقد أنني الابنة الوحيدة لعائلتي.
نظرتُ إلى نيرفان.
كان واقفاً بعيداً، ينظر إلى الأرض.
«أنت تعرف أكثر مما تقول.»
قال بصوت منخفض:
«أتمنى لو أنني لا أعرف.»
«إذن أخبرني.»
رفع عينيه إليّ، وللمرة الأولى منذ دخلنا الدار، بدا عليه الخوف الحقيقي.
«لورين، هناك سبب جعلهم يمحون كايل من ذاكرتكِ. وإذا كان ما أظنه صحيحاً، فإن استعادته قد تكون أخطر من فقدانه.»
«أخطر على من؟»
لم يجب.
وفجأة، سقطت ورقة صغيرة من أعلى أحد الرفوف، واستقرت أمام قدمي.
كانت قديمة، وحوافها محترقة، لكن خط الكتابة عليها كان مألوفاً.
كانت رسالة قصيرة بخط أمي:
«إلى ابنتي لورين...
إذا وصلتِ إلى هذه الكلمات، فهذا يعني أنكِ تذكرتِ أخاكِ أخيراً.
لا تبحثي عنه في المكان الذي اختفى فيه.
ولا تصدقي من يخبركِ أنه عاد من أجلكِ.
فكايل لم يكن الشخص الوحيد الذي خرج من تلك الغرفة.»
توقفتُ عند الجملة الأخيرة.
أعدتُ قراءتها.
ثم رفعتُ رأسي ببطء.
«ماذا تقصد أمي؟»
لم يجب أحد.
نظرتُ إلى إيريان.
كان وجهه قد فقد هدوءه المعتاد.
أما أزرايل، فقد أغلق عينيه للحظة وكأنه كان ينتظر ظهور هذه الرسالة منذ زمن.
ثم قال:
«يبدو أننا لم نكن نبحث عن طفل واحد فقط.»
شعرتُ ببرودة تسري في ظهري.
«كم كان عدد الأطفال في تلك الغرفة؟»
لم يجب أزرايل.
لكن نيرفان قال من خلفي، بصوت بالكاد سمعته:
«ثلاثة.»
التفتُّ إليه.
«ثلاثة؟»
أومأ ببطء.
«أنتِ... وكايل... وطفل آخر.»
نظرتُ إلى الرسالة مرة أخرى.
ثم إلى المرآة المحطمة.
وفجأة، ظهرت كتابة على إحدى القطع المتناثرة قرب قدمي.
لم تكن بخط أمي.
كانت كلمات قصيرة، مكتوبة بحبر أسود:
«لقد تذكّرتِ اثنين... وبقي الثالث.»
وفي أسفلها، كان هناك اسم واحد.
إيريان ڤال.
رفعتُ رأسي نحوه.
لم يتحرك.
لم يحاول حتى إنكار ما رأيته.
أما أزرايل، فقد نظر إليه نظرة لم أفهم معناها، ثم قال:
«لقد بدأ الماضي يستعيد أسماءه.»
وفي تلك اللحظة، أدركتُ أن المفتاح الثاني لم يكن مجرد شيء علينا العثور عليه.
كان هناك سر ثالث في تلك الغرفة.
سر يعرفه إيريان، أو ربما يعرف عنه أكثر مما ينبغي.
لكن السؤال الذي لم أجرؤ على طرحه كان أبسط من كل ذلك:
إذا كان اسم إيريان قد ظهر على المرآة...
فما الذي يربطه بتلك الغرفة؟
الذي يسكن بين الذكريات...
الصفحة الأخيرة | The Last Page · بقلم ✦ 𝑬𝒍𝒍𝒂𝒓𝒂 | إيـلـارا ✦