الصفحة الأخيرة
الفصل الأول: الكتاب الذي لم يكن له ماضٍ
لم أكن أؤمن بأن الأشياء تحدث مصادفة.
ربما لأنني عشت عمراً قصيراً وأنا أشاهد أشياء كثيرة تختفي دون تفسير، وربما لأنني تعلّمت أن لكل شيء حكاية، حتى الأشياء التي تبدو بلا أهمية.
اسمي لورين أڤيل، أبلغ الثامنة عشرة من عمري، وأعيش في مدينة أوراثيا؛ المدينة التي تبدو وكأن الزمن نسيها في مكان ما بين الماضي والمستقبل.
كانت أوراثيا مدينة عتيقة، تتداخل فيها الأبراج الحجرية مع المباني القديمة، وتنتشر فيها الأزقة الضيقة التي لا تصل إليها أشعة الشمس إلا بصعوبة. وفي وسطها تقف ساعة ضخمة، لا يعرف أحد متى بُنيت، ولا لماذا تتوقف عقاربها أحياناً عند الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة.
لم أهتم يوماً بمعرفة سر الساعة.
كانت لديّ أسرار أخرى تكفيني.
منذ وفاة والديّ، أصبحت أعيش بمفردي في منزل قديم ورثته عنهما. لم أكن أحب الحديث عن موتهما، ليس لأنني نسيت، بل لأن بعض الأسئلة تصبح أثقل كلما حاولنا العثور على إجاباتها.
كان أبي رجلاً قليل الكلام، يقضي معظم وقته بين الكتب والمخطوطات القديمة، أما أمي فكانت تحب النباتات والزهور، وتملأ المنزل برائحة الياسمين.
لم يتركا لي الكثير من الأشياء، لكنني احتفظت بكل ما بقي منهما، حتى بالأشياء التي لم أفهم قيمتها.
كنت أعمل في ورشة صغيرة لترميم الكتب القديمة، تقع في أحد أزقة المدينة. لم يكن العمل مربحاً كثيراً، لكنه كان المكان الوحيد الذي أشعر فيه أنني أنتمي إليه.
أحببت الكتب منذ طفولتي، وربما لهذا السبب كنت أقضي ساعات طويلة في إصلاح صفحاتها الممزقة، وإزالة آثار الزمن عن أغلفتها.
في ذلك الصباح، كان المطر يطرق زجاج النافذة بخفة، بينما كنت أحاول إصلاح غلاف كتاب قديم.
قطعت هدوئي طرقة على الباب.
رفعت رأسي بتكاسل، ثم اتجهت لفتحه.
لم يكن هناك أحد.
لكن صندوقاً خشبياً صغيراً كان موضوعاً أمام العتبة.
نظرت إلى الشارع الخالي، ثم انحنيت وحملت الصندوق إلى الداخل.
لم يكن عليه اسم أو عنوان، ولم أجد أي رسالة تشرح سبب وصوله.
قلت لنفسي إن أحدهم ربما أخطأ في العنوان، لكن فضولي كان أقوى من رغبتي في تجاهله.
فتحت الصندوق.
كان بداخله كتاب واحد.
كتاب أسود، غلافه مصنوع من مادة لم أستطع تحديدها، وفي منتصفه دائرة فضية تحيط بها نقوش دقيقة تشبه رموزاً لم أرَ مثلها من قبل.
مررت أصابعي فوق الغلاف.
كان بارداً بصورة غير طبيعية.
قلبته بحثاً عن اسم المؤلف، لكنني لم أجد شيئاً. لا عنوان، ولا تاريخ، ولا حتى علامة تدل على المكان الذي صُنع فيه.
فتحته بحذر.
الصفحة الأولى فارغة.
قلبت الثانية.
فارغة أيضاً.
تابعت تقليب الصفحات حتى وصلت إلى النهاية، فوجدتها بيضاء مثل بقية الصفحات.
أغلقت الكتاب، وأطلقت تنهيدة قصيرة.
«كل هذا الغموض من أجل كتاب فارغ؟»
كدت أضعه جانباً، لكنني لاحظت شيئاً غريباً.
كانت هناك رائحة خفيفة تشبه رائحة الورق المحترق، رغم أن الكتاب لم يحمل أي أثر للحريق.
فتحته مرة أخرى.
هذه المرة، لم تكن الصفحة الأخيرة فارغة.
ظهرت في منتصفها جملة واحدة، مكتوبة بحبر بنفسجي داكن:
«لورين أڤيل، لقد تأخرتِ في الوصول إلى حياتك الأخرى».
توقفت أنفاسي للحظة.
قرأت الجملة مرة، ثم أعدت قراءتها.
كان اسمي واضحاً.
لم يكن هناك أي مجال للخطأ.
أغلقت الكتاب بسرعة، ثم نظرت حولي. لم يكن في الورشة أحد، ولم أسمع سوى صوت المطر وساعة الحائط القديمة.
حاولت إقناع نفسي بأن شخصاً ما وضع هذه الجملة مسبقاً، وأن الأمر مجرد مزحة سخيفة.
لكن كيف عرف اسمي؟
فتحت الكتاب للمرة الثالثة.
بدأ الحبر يتحرك.
لم أكن أتخيل ذلك. كانت الخطوط البنفسجية تمتد ببطء فوق الورقة، وتتفرع حتى تحولت إلى رسم يشبه الخريطة.
ظهرت أبراج، وطرق متعرجة، وبحيرة تحيط بها أشجار سوداء، وفي منتصف الخريطة مبنى ضخم تحيط به سبعة أبواب.
أسفل الرسم ظهرت عبارة جديدة:
«دار الاحتمالات».
حدقت في الكلمات طويلاً.
لم أسمع بهذا المكان من قبل، رغم أنني قرأت مئات الكتب عن تاريخ أوراثيا وجغرافيتها.
مددت يدي لألمس الخريطة، لكنني سحبتها فوراً عندما شعرت ببرودة تسري في أطراف أصابعي.
وفجأة، انطفأت مصابيح الورشة.
ساد الظلام.
ثم سمعت صوتاً خافتاً.
صوت تقليب صفحات.
نظرت إلى الكتاب.
كانت صفحاته تتحرك وحدها، حتى توقفت عند الصفحة الأخيرة مرة أخرى.
ظهرت جملة جديدة، أقصر من سابقتيها:
«لا تبحثي عن الطريق، فهو يبحث عنك».
لم أعد أستطيع التظاهر بأن ما يحدث أمر طبيعي.
حملت الكتاب وأغلقت الورشة، ثم وضعت الخريطة في حقيبتي.
كان عليّ أن أعرف من أرسل هذا الكتاب، وكيف عرف اسمي، وما المقصود بحياتي الأخرى.
وقبل أن أغادر الزقاق، رفعت رأسي نحو برج الساعة.
كانت عقاربه متوقفة عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة.
لأول مرة في حياتي، شعرت أن توقف تلك الساعة لم يكن عيباً في آليتها.
بل كان ينتظر شيئاً.
شيئاً بدأ الآن.
ولم أكن أعرف أنني، عندما فتحت ذلك الكتاب، لم أكن أبحث عن سرّ من أسرار أوراثيا فحسب...
بل كنت أفتح باباً لم يكن ينبغي أن يُفتح أبداً.