في غرفة الطعام الصغيرة الملحقة بالصالة الكبرى،
حيث تُجلس الخادمات بعد انتهاء العمل. ليست غرفة بالمعنى الكامل. مساحة مستطيلة من الحجر، وفي طرفها طاولة خشبية طويلة، وعلى الطاولة أطباق متفرقة، وأباريق ماء، ورغيف خبز مقطّع إلى قطع غير متساوية. ولأنه الكراسي في هذه القاعة ليست للخدم. جلسن الخادمات على الأرض، الأرضية باردة رغم أن الصيف اقترب، وبعضهن يسحبن أطراف ثيابهن تحتهنّ ليتقين البرد. الأكل قليل، لكنه يمرّ. حساء، وبعض الخبز، وقطعة جبن صغيرة لكل واحدة.
رئيسة الخدم واقفة عند الباب. تراقب دائمًا.
في الطرف، بين الخادمات، تجلس إيلا على ركبتيها، وطبقها أمامها نصف فارغ. تأكل ببطء، ليس لأنها تشتهي البطء، بل لأن التعب أثقل من أن ترفع يدها بسرعة. ساقاها مشدودتان، وأصابعها ما زالت منتفخة من فرك الأرضية بالماء البارد. تنظر إلى الحساء، ثم ترفع الملعقة، ثم تعيدها. في رأسها شيء آخر. من أمس. من الأربعينية. من كلمة «نسخة طبق الأصل».
بجانبها، فتاة بدينة، ممتلئة الوجنتين، وشعرها مجدول جدلة سميكة على كتفها. أنها طبقها كاملاً في دقائق، ثم رفعت رأسها. نظرت إلى الأباريق، إلى الطاولة، إلى قطع الخبز المتبقية في السلة. ثم مدّت يدها.
رئيسة الخدم رفعتها قبل أن تصل.
«لا.»
الفتاة البدينة سحبت يدها ببطء. «سيدتي، أنا جائعة.»
«وأنتِ أكلتِ نصيبك.»
«نصيبي كان صغيرًا ولم يسد جوعي.»
«النصيب لا يُقاس بجوعك، يُقاس بحساب المطبخ.»
«سيدتي، أمس عملت حتى وقت متأخر—»
«الخصم من راتبك. لو أخذتِ.»
الفتاة البدينة أنزلت رأسها. لم تجب. مدّت ملعقتها إلى الحساء، وحرّكت فيه بلا هدف. الخادمات الأخريات نظرن إليها لحظة، ثم عدلن، واحدة واحدة، إلى أطباقهن. لم يضحك أحد. لم يعلّق أحد. الجوع هنا ليس موضوعاً للتعليق.
نظرت إليها المسؤولة نظرة طويلة وقالت لهن: « بداخلكن ستظنون بأنّي مكروهة وقاسية لأنّي أمنع عنكم الوجبات الاضافية، لكن هذا لمصلحة الجميع وضروري، لأنه لو كل واحدة منكم أخذت المزيد، لأنتهت حصص الملكة بالكامل.»
لم يهتم لها أحد بل بقين يتجاهلنها. إيلا رفعت رأسها عن الطبق ونظرت إلى الباب. إلى الصالة الكبرى التي يصلها من هذا المكان دويّ الأصوات، ووقع خطوات لا تتوقف، وأصوات رجال ينقلون شيئًا. أعمدة. كراسي. لفائف قماش. حفلة الليلة. الجميع يعرف. الجميع سمع. لكن أحداً من الخادمات لم يُخبر بعد ما إذا كنّ سيخدمن فيها أم لا.
في ذلك الطرف، حيث الصالة تتصل بالممر المؤدي إلى غرفة الطعام، توقف رجل. لا يدخل. يستند على الجدار. شاب في العشرين أو أكثر بقليل. ثوبه بني مفتوح عند الرقبة، وأكمامه مطوية إلى المرفق. من خدم النقل. رأت وجهه من قبل في الممرات، لكنها لم تحدثه أبداً. يقف هناك منذ دقائق. جالس، يتكلم مع زميله، ثم يسكت، ثم يستند مرة أخرى وعيناه على إيلا.
في المرة الأولى، رفعت رأسها بمحض صدفة، فوجدته ينظر. لم تنتبه. أنزلت رأسها. في المرة الثانية، رفعت رأسها، فوجدته لم يتوقف عن النظر. نظرة مباشرة طويلة لا تحمل أي حياء. أنزلت رأسها بسرعة. في المرة الثالثة، لم ترفع رأسها. لكنها شعرت بالنظرة. شيء في الهواء. شيء بين كتفها ورقبتها.
الرجل ابتسم. لم يكن في ابتسامته شيء من الحب. لا شيء من الاحترام. شيء آخر. رفع حاجبًا واحدًا، ثم رفع يده ومرّر إصبعًا على حلقه بطيئة. حركة يعرف هو أنها تُرى، ويعرف هي أنها له. ثم استقام من الجدار، وأشار لزميله، وقال له شيئًا، ثم ضحك. ضحكته وصلت إلى غرفة الطعام.
إيلا وضعت الملعقة على حافة الطبق. أمسكت أطراف ثوبها عند ركبتها. شدّته. ثم أفلتته. جسدها كله صار مشدودًا. من شيء يجعل الكتفين يرتفعان قليلًا، والرقبة تنحني، والعينين ترفضان أن تنظرا إلى ذلك الاتجاه مهما حدث.
بجانبها، الفتاة البدينة لاحظت. لم تقل شيئًا كبيرًا. فقط همست دون أن ترفع رأسها:
«لا تنظري.»
إيلا لم تجب.
«يقف هناك كل ليلة،» أضافت البدينة، وعصرت قطعة الخبز بين أصابعها. «وكل ليلة يجد واحدة. ثم يتركها. لن يترككِ في حالكِ إن لم—»
«ماذا؟» إيلا رفعت رأسها. لكن إلى البدينة، لا إليه. «إن لم ماذا؟»
«إن لم تُشتكي.»
«إلى من؟»
«رئيسة الخدم.»
«رئيسة الخدم لا تسمع.»
«تسمع، لكنها لا تهتم.»
«إذاً لا فرق.»
«الفرق أنكِ تحاولين أخذ حقكِ.»
إيلا نظرت إلى الحساء. إلى قطع الخبز في السلة. إلى رئيسة الخدم الواقفة عند الباب، وهي تنظر إلى الرجل في الممر، ثم إلى إيلا، ثم إلى الطاولة. لم تقل شيئًا. لكنها رأت. رأت كل شيء. وحين رأت عيني إيلا تلتقيان بعينيها، حولت نظرها.
إيلا رفعت الملعقة مرة أخرى. ثم أنزلتها. لم تأكل. فقط بقيت ساكنة، وكتفاها مرتفعان قليلًا، ويداها تحت الطاولة، حيث لا يراها أحد.
بعد دقائق نهضن. لم يقل أحد كلمة، لكن الجميع عرفن أن الجولة الثانية بدأت. الأطباق رُفعت، والأباريق جُمعت، ورئيسة الخدم مدت يدها إلى الباب وفتحته، وخرجت أولاً، وتلتها الخادمات واحدة واحدة، كل واحدة تحمل ما تستطيع. المراحيض الداخلية. الطابق الأرضي والطابق الأول. المكان الذي لا يذهب إليه أحد من الخدم إلا إذا كُلّف. المكان الذي يفوح فيه رائحة الصابون القاسي والماء الراكد.
أخذت دلوها والقماش. مشت مع البقية. وفي الطابق الأول تفرقن. اثنتان إلى الجناح الشرقي، واثنتان إلى الغربي، وواحدة بقيت مع إيلا عند المراحيض الداخلية. وبعد دقائق طويلة من تنظيف المراحيض، وصلت إلى المرحاض الأخير، عملت وحدها بعد مغادرة الأخرى من دقائق. فركت البلاط، ثم الجدران، ثم الحافة. ثم جمعت الماء في الدلو وأفرغته في البالوعة. بعدها أغلقت الباب خلفها.
وفي الممر، أمام الباب بالضبط، كان واقفاً. لم يكن يمشي ولا يمر، بل كان واقفاً هناك كما يقف من ينتظر شيئاً يعرف أنه سيأتي، وعلى وجهه كانت الابتسامة ذاتها التي رأتها في غرفة الطعام، توقفت إيلا عند العتبة وأمسكت حافة الباب بأصابعها حتى ابيضّت مفاصلها من الضغط، وقفت وهو لم يقل شيئاً ولم يتحرك، بل استمر في النظر إليها كما ينظر المرء إلى شيء يريد أن يقتنصه. ثم انحرفت عن الباب وخرجت من جانبه لا من أمامه، ومشت في الممر بخطوات أسرع مما أرادت، لكنها لم تركض، لأنه لم يتبعها، بل استدار بجسده قليلاً وتابعها بعينيه حتى انعطفت عند نهاية الممر واختفت.
في الطابق السفلي كانت رئيسة الخدم واقفة عند السلم تنظر إلى الخادمات اللواتي ينزلن واحدة واحدة، ونظرت إلى إيلا حين نزلت، ثم قالت لهن جميعاً أن يكملن ثم يذهبن. أعادت إيلا الدلو إلى مكانه، وأخذت معطفها من الحبل المعلق في الممر الخلفي، وخرجت من الباب الجانبي إلى الخارج حيث بدأ الليل يهبط، ذلك الوقت الذي يتساوى فيه الضوء والعتمة وتظهر فيه الأشياء بلا ظل، ومشت في الحديقة الخارجية التي تفصل بين مبنى الخدم وباب القصر الخلفي، حيث الأشجار القصيرة والشجيرات الكثيفة والطريق الحجري الضيق، والأرض ما زالت رطبة من مطر الأمس والحصى يتحرك تحت قدميها مع كل خطوة.
وسمعت خطوات خلفها.
لم تكن خطوات عابرة. كانت تتبع خطواتها على الحصى نفسه. لم تستدر بل أسرعت في مشيها، وهي تسمع الخطوات خلفها تزيد سرعتها كلما زادت هي في سرعتها، وارتفع نبضها حتى أحست به في حلقها وفي أذنيها، وأخذت عيناها تتحركان على الجانبين تبحثان عن أحد، حارس أو خادمة أو أي شخص، فلم تجد أحداً، لأن الحديقة كانت خالية، والأصوات التي كانت تصل من الساحة الخارجية حيث تُبنى الحفلة صارت أبعد وخفت. واستدارت بنصف وجهها، خطوة واحدة فقط، ورأته قريباً، قريباً جداً، أقرب مما ينبغي أن يكون، وملامحه لم تعد تحمل تلك الابتسامة كما كانت، بل صارت شيئاً آخر يثبت في مكانه. ومدت يدها إلى الحائط الحجري للمبنى الجانبي وتلمست به ومشت بمحاذاته، والرجل يقترب خطوة ثم خطوة، والمسافة بينهما لم تكن ثلاثة أذرع ولا ذراعين. وفتحت فمها لتصرخ، لكن صوتها عاد إلى حلقها ولم يستجب. وقدمها اليسرى وقعت على شيء ناعم كثيف، غصن من نبات زاحف نبت على جانب الطريق وامتد إلى الحجر، فانزلقت قدمها، وحاولت أن تستند إلى الحائط لكن يدها كانت مبللة من بقايا الماء فانزلقت أيضاً، وسقطت على جانبها على الأرض الرطبة، وارتطمت كفها اليمنى بالحصى وانثنت ركبتها اليسرى تحت ثوبها، ولامس وجهها الأرض لوهلة، وتفرق شعرها على الحصى، ثم رفعت رأسها ونظرت إلى الأمام، إلى الرجل الذي توقف ولم يقترب أكثر لكنه لم يتراجع، بل وقف ينظر إليها وهي على الأرض.
صرخت: « ماذا تريد مني... بحق البقر!.»
توقف فورًا، بعد سماع كلماتها ضحك: « صحيح، امكِ بقرة؟.»
شعرت بقلبها يكاد يقف، أستجمعت شجاعتها وهمست بصوت يكاد يسمع: « امك هي البقرة اللعينة، التي لم تربي ابنها الشهواني!.»
تغيّر وجهه. ملامحه تجمدت لحظة ثم عادت، لكن بشكل آخر...
ارتفعت حاجباه، ثم انخفضا. وزمجر. صوت خرج من صدره لا من حلقه، كصوت حيوان أُوخز في مكان لا يتوقعه أحد. تقدم خطوتين وانحنى، ثم مدّ يده وأمسك شعرها.
من الجذور. من أعلى الرأس. ضغط ثم سحب.
«ستعرفيني جيدًا.»
صرخت إيلا صرخة كاملة. دفعت بيدها نحو ذراعه. حاولت أن تفك أصابعه. أمسكت معصمه. شدّت. ضغطت بأظافرها.
«اتركني!» صوتها ارتفع. «اتركني يا حقير! أنا لا أعرفك!»
«ستعرفينني.»
«اتركني!»
«لا... سأنال منكِ»
«أنا لا أعرفك! أقسم لا أعرفك! ماذا تريد مني؟»
«تريدين أن تعرفي؟»
«اتركني!»
سحبها من شعرها أكثر. رأسها ارتفع عن الأرض قليلاً. ثم عاد. أمسك بشعرها بكلتا يديه الآن. وركبتها على الأرض. والرجل ينظر إليها من فوقها.
«صرخي.»
«اتركني!»
«صرخي أكثر. لا أحد هنا. الجميع في الحفلة. حتى الحرس... يابنة الكلب كيف تجرؤين تشتمين أمي؟.»
«ستقتلع فروة رأسي! اتركني!»
أحسّت بشيء يسيل على فروة رأسها لكنها لم تتوقف. دفعت بيدها مرة أخرى. أمسكت يده. حاولت أن تفتح أصابعه ولم تستطع.
وفي تلك اللحظة، شيء آخر.
ليس الرجل. ليس الحديقة. ليس الصوت البعيد من الساحة.
شيء في رأسها.
تذكرت قبل سنوات طويلة في الضهيرة. في يوم صيف. وكانت طفلة لا تعرف كم كان عمرها. ست سنوات. سبع. لا أكثر. وكان هناك من أقرباؤها رجل. من أقارب أبيها. لم تكن تعرف اسمه جيداً. كانت تعرف أنه من العائلة. جاء في ذلك اليوم مع بقية العائلة. ودخلت معه إلى الحمامات. لماذا؟ لم تكن تعرف لماذا. كانت طفلة. ربما طلب منها أن تحمل شيئاً. ربما كان عليه أن يُريها شيئاً. لم تكن تتذكر التفاصيل الأولى. لكنها كانت تتذكر ما بعد.
أمسكها من ياقة ثوبها. من الخلف. ورفعها قليلاً عن الأرض. كانت تصرخ وتقول: «اتركني! اتركني!» ولم يتركها. في ذلك اليوم. في الحمامات. مع البخار يتصاعد من الأرض. والماء يقطر من الجدران. ورائحة الصابون.
لم تكن تتذكر ماذا حدث بعد ذلك. لم تكن تتذكر كيف خرجت. لكنها تتذكر الصراخ. وفي الحديقة الآن، لم تكن تدفع الرجل فقط. كانت تدفع يد ذلك القريب. كانت تدفع ذلك اليوم. كانت تدفع الحمامات. كانت تدفع ياقة ثوبها الطفولي. تدفع البخار. تدفع الماء الذي يقطر من الجدران. تدفع كل شيء ولم تكن تعرف أنها تدفعه. لكنه كان يخرج منها. في الصراخ. في الدفع. في الأظافر التي حفرت في معصمه.
«اتركني!»
الرجل سمع الصرخة. لكنه لم يفهم. لم يكن هناك شيء ليفهمه. كان يرى فتاة تصرخ. فقط. ولذلك، سحبها أكثر. ثم رفع يده الأخرى وبدأ يضربها بأماكن متفرقة من جسدها؛ بطنها، رأسها، وجهها، حتى أصبح الدم يخرج منها وتفقد وعيها شيئًا فشيئًا.
وفي غرفة أم الملكة،
وقفت خادمتان على جانبيها تبدلان لها ثوبها. الفستان طويل أبيض وعليه بقع ملوّنة صغيرة كأنها رُسمت بيد طفلة، وعلى الأكتاف والحواف فرو ذهبي مائل إلى البياض، ناعم يلمع كلما تحركت. وحين وصلتا إلى الخاتم، أخذت إحداهما خاتماً أحمر بحواف مدببة برونزية ووضعته في إصبعها الأوسط، ثم ضبطته وخطت خطوة إلى الخلف.
وفي الوقت نفسه، كانت خادمة ثالثة واقفة خلفها، تحمل كتاباً بغلاف جلدي، وتقرأ بصوت منخفض حكايات كانتربري. صوتها منتظماً وتخرج الكلمات منه كما يخرج الماء من نافورة صغيرة لا تتعجل، وهي تنتقل من حكاية إلى حكاية، ومن فارس إلى راهب، ومن راهب إلى امرأة. أم الملكة لم تكن تستمع تماماً، لكنها لم تكن تقاطعها أيضاً. كانت ترفع يداً أو تنزلها، لتعاون الخادمتين، وتترك أذنيها للقارئة.
ولما انتهت القارئة من الجملة الأخيرة، رفعت رأسها من الكتاب. ثم أغلقت الغلاف. وأعادت الكتاب إلى كتفها. أم الملكة لم تعلق على ما سمعت. فقط مدت يدها إلى الخادمتين، وسحبتا لها طرف الفستان، ثم تركتاه، ثم انحنتا وابتعدا عنها.
مشت أم الملكة إلى النافذة الزجاجية التي تفتح على الشرفة البارزة، ووقفت عند العتبة. الشرفة تطل على الساحة الخارجية، من الأعلى، حيث الحشود كانت تتجمع. الناس يدخلون من البوابة الكبرى، واحداً واحداً ثم مجموعات. ليسوا نبلاء فقط بل تجار وحرفيون ونساء يحملن أطفالاً، وفتيان يحملون أحذية في أيديهم حتى لا تتسخ في الوحل. والكثير منهم يركضون. يركضون كأنهم خافوا أن يفوتهم شيء.
ضحكت أم الملكة. ضحكة خفيفة ساخرة ثم تمتمت وكأنها تكلم نفسها:
«لقد علموا بأن العشاء مجاني. ولهذا بدأوا يركضون بلهفة.»
خادمة من الحاشية واقفة في الطرف، صغيرة في العشرين، ملامحها ناعمة، وثوبها أزرق فاتح، وخطواتها كانت تتحرك دائماً في اتجاه الأم قبل أن يُطلب منها. تقدمت نصف خطوة، ورفعت يديها لتلمس طرف ثوبها، ثم قالت بصوت ناعم ومتملق:
«هؤلاء اليوم، وبفضلكِ يا مولاتي، سيأكلون طعاماً يستغرق من راتبهم سبعة أشهر لسداد فاتورة صحن واحد!»
أم الملكة لم تستدر إليها. بقيت تنظر إلى الحشد. ثم أومأت برأسها مرة واحدة وقالت:
«نعم. هذا صحيح.»
ثم استدارت، ومرت من الباب، والخادمة التي كانت تقف عند الحاشية تبعتها، وأخرى من الحاشية تبعتها أيضاً، وانحدرت الدرجات. أما الخادمة المتملقة، فبقيت في مكانها. لم تُطلبها أو تُناديها. فقط بقيت. وبقيت معها الخادمة القارئة، التي كانت ما زالت واقفة قرب النافذة، والكتاب على كتفها، وعيناها تتابعان جداراً لا شيء فيه.
بعد لحظة، استدارت المتملقة. نظرت إلى القارئة. وبرفعت حاجب واحد، قالت:
«هيه. إلى من تقرأين؟ ألا ترينها خرجت؟»
القارئة خرجت من انسجامها، كما يخرج المرء من ماء بارد، ورمشت مرتين، ثم نظرت إلى الباب، ثم إلى المتملقة، ثم إلى الكتاب في يدها، وقالت: «لم أراها»
بادرت المتملقة وهي تمد شفتيها قليلاً:
«لا بأس. المهم أنها انتهت. كنتِ تقرأين لنفسك على أي حال.»
القارئة أغلقَت الكتاب. وقالت بهدوء: «نعم. كنت أقرأه لنفسي وأستمع، رغم انه متعب.» المتملقة مشت خطوة، ثم استدارت نصف استدارة، وأطلقت زفيراً صغيراً، وقالت بصوت منخفض كأنها تتكلم مع نفسها لكن بقدر يسمعه من حولها:
«إنها كريهة. أتمنى لو أنني أخدم الملكة شخصياً. وليس أمها.»
همست لها القارئة: « حتى رائحتها مقرفة، ناهيكِ عن اسنانها المتسوسة، من يراها يظنها متسولة وليست ام ملكة!» وفقتها المتملقة الرأي وهي تهز رقبتها، حتى غادرن المكان معًا.
مشت أم الملكة في الممر الطويل، وثوبها الأبيض ببقع الألوان يجرّ خلفها على الحجر قليلاً، وطرف الفرو الذهبي الأبيض على كتفيها يرتجف مع كل خطوة، والخاتم الأحمر على إصبعها الأوسط يلمع تحت ضوء المشاعل المعلّقة على الجدران. وعند المنعطف، حيث يتقاطع الممر الرئيسي مع الممر الجانبي المؤدي إلى الجناح الشرقي، ظهر المستشار. رآها قبل أن تراه. توقف في مكانه حتى وصلت، ثم انحنى انحناءة كاملة، أطول من التي يؤديها لغيرها، ورفع رأسه بعد لحظة، وبدأ يتغزل بها بلهجة محترمة شديدة، من ذلك النوع الذي لا ينفع معه الاعتراض لأنه لا يقول شيئاً يستحق الاعتراض:
«مولاتي، هذه الإطلالة...» رفع يده قليلاً ثم أنزلها، كأنه يريد أن يشير إلى شيء ثم تراجع. «حين يراكِ الشعب الليلة، لا أعرف ماذا سأقول لهم. الفستان وحده يستحق أن يُفتح له الباب، والخاتم...» أشار بإصبعه الطويل نحو إصبعها الأوسط. «هذا الحجر الأحمر يشبه شيئاً أذكر أنه رأى في قصر الجنوب. لكنه لم يكن على يد سيدة مثلكِ.»
أم الملكة ابتسمت ابتسامة صغيرة ثم قالت وهي تبدأ في المشي بجانبه:
«التاج يتطلب هذا. يجب علينا أن نضحي لأجله.»
مشيا معاً في الممر. خطواتهما متوافقة رغم أن خطوتها أقصر من خطوته، وهو كان يضبط نفسه بجانبها بلا أن ينتبه. ثم استدارت نحوه، وهي تتساءل عن شيء كانت تفكر فيه منذ قليل: «المستشار. لدي طلب صغير.»
«أنا في الخدمة، مولاتي.»
«سمعت أن الشعب يسمونني... أم الملكة.»
«نعم، مولاتي. هذا اللقب المعتاد.»
«أنا سئمت من هذا اللقب.» قالتها بلا انفعال. فقط صوت هادئ يشتكي من شيء صغير. «حين يقولون أم الملكة، أشعر أنني عجوز.»
المستشار رفع حاجباً واحداً، ثم أعاده. «فماذا تريدين أن يُقال؟»
«أريد لقباً آخر.»
«مثل ماذا؟»
«مثل...» توقفت لحظة، ثم أطلقته: «الملكة الأم.»
المستشار صمت خطوة كاملة. ثم أومأ برأسه ببطء. «الملكة الأم. هذا لقب يليق بكم، مولاتي.»
«لكنه لم يُستخدم من قبل.»
«لأن أحداً لم يفكر فيه.»
«هل تحتاج موافقة؟»
«تحتاج الملكة نفسها أن توافق. الابن لا يمنح أمه لقباً في الحكم دون أن يكون الأمر بين يديه. لكنني...» أشار بيده إلى الممر نحو الجناح الشرقي. «سأقدم لها الطلب. إذا وافقت، يصبح اللقب رسمياً من اليوم.»
«هل توافق؟»
«أنا لا أوافق على شيء في القصر. أنا أقدم. والقرار قرارها.»
«حسناً.» ثم استدارت نحو الممر الآخر. «يجب أن أذهب لأراها. لم أرها منذ البارحة.»
«هي في غرفتها، مولاتي.»
«هل تجهزت؟»
«بالتأكيد. تجهز نفسها الآن.»
«هل قالت شيئاً عن الليلة؟»
المستشار توقف. نظر إليها. ثم قال بصوت أخفض قليلاً، مختاراً كلماته: «هناك شيء ضروري، مولاتي. هناك وفد ينتظرها في الساحة. سفراء من الشمال، وتجار من الميناء الشرقي. يجب أن تسلمين وتلقين التحية عليهم. لو لم تظهرين، سيأخذ الناس هذا على أنه انسحاب. ولو ظهرتِ متأخرة، سيأخذونه على أنه ضعف.»
«الملكة الأم لا تكفي وحدها... حسنًا سأذهب، لاتنسى ان تتفقدها.»
«بالطبع، مولاتي.»
غادرته. مشت نحو باب غرفة أوريليا. لم تقترب كثيراً. وقفت على مسافة خطوات. ونظرت إلى الباب. عن كثب. كما تنظر امرأة إلى شيء تعرف أنها قد لا تستطيع أن تفتحه الآن، لكنها أيضاً تعرف أنها لن تذهب إلى مكان آخر. ثم استدارت. ومشت. في الاتجاه المعاكس. نحو الساحة. حيث الحشد ما زال يتوافد. وحيث سيظهر الجميع قريباً.
وفي الغرفة،
أوريليا تجلس على الأريكة، لا جالسة تماماً ولا مستلقية، نصفها العلوي غارق في الوسائد وساقاها تتدليان حتى تلامس أطراف أصابعها الأرضية الباردة. شعرها المنسدل غطّى وجهها، وضوء الشمس تسلل من النافذة العالية ليلعب على خيوط ذهب باهت. تسحب الهواء بصعوبة، صدرها يرتفع ويهبط ببطء، كأن كل نفس يمر عبر حنجرة ضيقة. على شفتيها مسحوق أسود، وفي فمها شيء منه تجمع عند الشفة السفلى، وعلى الجانب من فمها، على الوسادة، بقعة سوداء. وفي معصمها شق مفتوح تقطر منه قطرة بطيئة تختار لحظتها.
وعلى الطاولة الصغيرة بجانب الأريكة، كأس زجاجي. لم يبقَ فيه شيء. قاعه فيه بقايا سوداء لزجة، تتجمع في زاويته. الكأس الذي جلبوه لها قبل قليل. الذي شربته. وهي تتذكر. تتذكر اليد التي مدتها. تتذكر الصوت الذي قال لها: اشربي. تتذكر المرارة التي لم تكن مرارة. طعم آخر. طعم أعمق. شيء يثقل اللسان. وهي تشرب. ثم تشرب. ثم تشرب.
ثم يعتصر جسدها.
الألم يبدأ من معدتها. يصعد إلى صدرها. ثم إلى حلقها. حرارة، ثم برودة، ثم رجفة في أصابعها. تحاول أن ترفع يدها، فتسقط. تحاول أن ترفع رأسها، فيسقط على الوسادة. تحاول أن تنادي، فلا يخرج صوت. أو يخرج صوت لا يشبه صوتها. ينقلب جسدها على جانبها، ويستفرغ شيئاً أسود على الوسادة، على الأريكة، على الأرض. ثم يعود جسدها إلى مكانه، وثوبها الأبيض — أو ما تبقى منه — يلتصق بجلدها. عيناها تتحركان في الغرفة، تبحثان عن شيء. عن الباب. عن اليد التي مدّت الكأس. عن الصوت الذي قال اشربي. لا أحد. لا شيء. الغرفة فارغة إلا من ضوء الشمس الذي يلعب على شعرها، وعلى المسحوق الأسود الذي تجمع على شفتيها، وعلى البقعة التي تسيل ببطء على جانب وجهها.
صدرها يرتفع مرة، ثم يهبط، ثم يرتفع. كل نفس أقل من الذي قبله. أصابعها تنقبض على الوسادة، ثم ترتخي، ثم تنقبض، ثم ترتخي. رأسها ينحدر قليلاً على الوسادة. عيناها تتحركان أبطأ. تتحركان أبطأ. ثم تتوقفان عند النافذة. عند الشمس.
وفي اللحظة التي لم يبقَ فيها في صدرها إلا هواء قليل، انفتح الباب.
دخلت امرأة تحمل صينية نحاسية عليها إبريق وكوبان. لم تكن تريد شيئاً. كانت تأتي كل صباح. لكن هذا الصباح، توقفت عند منتصف الغرفة، ومالت برأسها، وحين وقعت عينها على الكأس على الطاولة، وعلى البقعة على الوسادة، على اليد الممدودة والشق المفتوح، ارتجفت الصينية في يديها. صرخت حتى انقطع صوتها في منتصفه، ثم أطلقت ما تبقّى منه في كلمة واحدة، جاءت أقرب إلى النحيب منها إلى الكلام:
«المجد... مات.»
لم تكد الكلمة تخرج من فم المرأة حتى انكسر زجاج النافذة التي بجانبها، دفعة واحدة، كأن أحداً ضربها بحجر من الخارج. تطاير الزجاج إلى الداخل، ووقع على الأرض، وعلى الوسائد، وعلى وجه أوريليا الذي لم يتحرك. فزعت المرأة، وأسقطت الصينية من يديها. الإبريق انكسر. الماء انتشر على الحجر. أرادت أن تستدير، أن تصرخ مرة أخرى، لكن يداً سبقتها. يد من الخارج، طويلة، قوية، امتدت من بين شقوق النافذة المكسورة، وأمسكت بها من عند رقبتها. سحبتها بقوة. رأسها ارتطم بإطار النافذة. ثم سقطت. ثم كسرت رقبتها. كل هذا في لحظة واحدة، لا تكاد تُرى. الرجل دخل من النافذة بجسده الطويل، وقدماه على الزجاج المكسور بلا أن يبدو عليه الألم. ثم لم ينظر إليها مرة أخرى.
استدار إلى الأريكة.
أوريليا لم تكن قد ماتت بعد. كانت تغمض عينيها ببطء، وتفتحهما. تغمض، وتفتح. كأنها في نعاس لا تقاومه. رأته. رفعت يدها. بجهد. ببطء. أصابعها ترتجف، وتتحرك نحو الأعلى قليلاً. كأنها تطلب مساعدة. كأنها تطلب أن يمسك يدها. كأنها لا تعرف ماذا يحدث، لكنها تعرف أن هذا الرجل يقف أمامها، وأن يدها ممدودة، وأنها لا تستطيع أن ترفعها أكثر.
ووقف هو. ينظر إليها. لم يمدّ يده. لم يتحرك. فقط نظر. ثم، من النافذة المكسورة، دخلت امرأة أخرى. صعدت بصعوبة، وتعلقت بحافة الإطار، وانزلقت قدمها على الزجاج فجرحت ساقها. جرح طويل، من الركبة إلى الكاحل. لكنها لم تتوقف. أنزلت رجليها إلى الداخل، ثم وقفت. ثم نظرت إلى الرجل. أخرجت من ثوبها أوراقاً. دفعت بها نحوه، ويدها ترتجف: «هيا. افعلها!»
الرجل أخذ الأوراق. نظر إليها. ثم نظر إلى أوريليا. تقدم خطوة. ثم خطوة أخرى. ثم انحنى. مدّ يده. كانت ترتجف. قطرات العرق تتجمع على جبهته، ثم تنزل على خده، ثم تسقط على الأوراق. أمسك يد أوريليا. اليد التي ما زالت ممدودة في الهواء. اليد التي طلبت مساعدة. أخذ إصبعها. ضغطه. بصم. على الورقة الأولى. ثم الثانية. ثم الثالثة. ثم أعاد اليد إلى مكانها. على الأريكة. ثم استقام.
المرأة الأخرى كانت ما زالت واقفة عند النافذة. ساقها تنزف. الدم يقطر على الأرض. نظرت إلى الرجل. ثم إلى أوريليا وقالت: «أسرع. هذا ليس مهم الآن!»
الرجل لم يجب. انحنى مرة أخرى. أمسك أوريليا من تحت ذراعيها. والمرأة أمسكتها من قدميها. ثم سحباها.
أوريليا تحركت. ليس كثيراً. لكنها تحركت. عيناها اتسعتا. أدركت. أو لم تُدرك. شيء في داخلها كان ما زال يصارع. فتحت فمها. حاولت أن تقول شيئاً. كلمات قليلة. متحشرجة. صوت خرج من حنجرة لا تعمل. لا يشبه صوتها. لا يشبه أصوات الأحياء. يشبه صوت الأموات. لكنهم لم يتوقفوا. سحبوها إلى النافذة. من الأريكة إلى الأرض. من الأرض إلى الحافة. من الحافة إلى الخارج. ثم إلى الحديقة. الحديقة التي تفصل بين مبنى الخدم والقصر. الحديقة الكثيفة بالأشجار. البعيدة قليلاً عن القصر.
مشوا بها. يبتعدون أكثر. الأشجار تلتف حولهم. الأوراق اليابسة تحت أقدامهم. أوريليا ما زالت تقرص بهم. بلكاد. بأصابع لا تسمع. بأصابع لا تريد أن تتوقف.
ثم توقفوا. في الباحة الكثيفة. حيث الأشجار أطول، والأوراق أكثف. أنزلوها. على الأرض. ثم وقفت المرأة. نظرت إليها. نظرت إلى الرجل. ثم انهارت. لم تستطع أن تتحمل. انهارت على الأرض. بكت وهمست: « كفى! اصمتي أيها اللعينة!!» ثم أمسكت شعرها بكلتا يديها. ثم رفعت رأس أوريليا. ورطمت به جذع الشجرة لمرة واحدة.
سمع صوت شيء يتدفق. اشبه بانفجار صغير. صغير جداً. لكنه سمع. وخرج شيء دافئ. ثم توقف كل شيء. أوريليا لم تتحرك. لم تتنفس. لم تفتح عيناً. توقفت عن النبض.
الرجل كان ينظر. يده على رأسه. منصدم. عيناه تتحركان بين أوريليا والمرأة. ثم تقدم وأمسك المرأة من رقبتها. بكلتا يديه. دفعها إلى الجذع. استند إليها. وضغط. الدماء بدأت تقطر من رأس أوريليا على الأرض، تتجمع في الحفرة الصغيرة بين الجذور.
المرأة بلكاد تتكلم. تريد أن تتكلم. صوتها مقطوع. صوتها خارج من بين أصابعه.
«كيف تفعلين هذا؟» صرخ. «كيف؟»
لم تجب. فقط نظرت إليه.
«ورطتينا!» رفع صوته. «ورطتينا بشيء لا نستطيع أن نتحمله!»
لم تجب. فقط ازدادت دموعها على وجنتيها.
ثم أبعد يديه. بصعوبة. وقف خطوة إلى الخلف. حاول أن يكتم غضبه. صدره يرتفع ويهبط. يده على فمه. ثم أنزلها. نظر إليها. ثم نظر إلى أوريليا. ثم إلى دمائها.
وأخرجت هي دمعة. دمعة واحدة. من عينها اليسرى. وقالت:
«لم أكن أنوي فعل هذا.»
صفعها. على وجهها. صفعة كاملة. رأسها مال إلى الجانب. لكنها لم تسقط. لم تصرخ.
«اصمتي!» صرخ. «ماذا عن السم؟ هل أيضاً لم تنوين له؟»
أشاحت بوجهها عن الجثة. نظرت إلى الشجرة. إلى الأوراق اليابسة. إلى الدم الذي ما زال ينزل من رأس أوريليا. وقالت:
«نعم. نويت.!» ثم استدارت إليه. «أنت أيضاً نويت. وساعدتني. لا تنسَ هذا !!!.»
لم يجب. فقط نظر إليها. نظرة طويلة. نظرة رجل يعرف أنها قالت شيئاً لا يمكن أن يُنسى. ثم استدار إلى المكان. التفت. وتأكد. لا أحد. لا حراس. لا خادمات. لا أصوات إلا من الحفلة البعيدة. ثم عاد إلى الأرض. ثم بدأ ينبش بيديه. بلا أداة. بشكل جنوني. مسرع. التراب يرتفع بين أصابعه. الأوراق اليابسة تتطاير. الحفرة تكبر. يده تنزف. لا يتوقف. المرأة واقفة. تنظر. ثم جلست على الأرض. ثم أخذت تبكي. تشهق. شهقة تلو شهقة. لكنها لم تتوقف. ثم نهضت. ثم جلست. ثم نهضت.
الحفرة صارت كبيرة. ثم توقف. ووقف هو. ووقفت هي. وتقدما إلى أوريليا. ونظرا إليها.
شعرها مغطى عينيها. مختلط بالدماء. عيناها. لم تعد مغمضة. كانتا مفتوحتين. بشكل منصدم. لا تنظر إلى شيء. لا تعرف شيئاً. وعينا الرجل والمرأة على وجهها. نظرا. ثم تذكرا. لا شيء محدد. لا ذكرى معينة. لكن شيئاً قديماً. شيئاً غامضاً. شيئاً لا يسمّى. نظرة طويلة.
ثم سحلاها. ثم دفعاها إلى الحفرة. ثم بدأا يدفنانها. التراب المختلط بالأوراق. يغطيها. الوجه أولاً. ثم الشعر. ثم الصدر. ثم اليد الممدودة. ثم لم يبقَ منها شيء. التراب استوى. والأوراق اليابسة تحركت فوقه قليلاً. ثم توقفت. والمرأة تشهق. والبكاء يخرج منها.
حينما انتهيا، أمسكها من ذراعها فورًا ثم غادرا ولم ينظرا إلى الخلف ابدًا،
الى تلك الميتة...