NOVELFLEX

ما يعرفه الحجر

الأنتحال والحرير · بقلم ألكسندرا روبيلغ

أعزائي القرّاء، لمتابعة آخر الأخبار لحساب الكاتبة الشخصي عبر الأنستغرام: iok_koi2

قراءة ممتعة 🌸

____________________________

انحنى لها ثم ابتسم. لم يكن في الابتسامة شيء من المجاملة التي اعتادتها وجوه القاعة كلها. كانت ابتسامة رجل يعرف أنه نظر إلى شيء وظل ينظر إليه حتى نظر إليه. رفع رأسه ببطء، وكأنه يمنح نفسه وقتاً إضافياً ليؤكد ما رآه.

حينها فقط انفجرت القاعة.

«تحيا الملكة!»

الأصوات انطلقت من كل الزوايا، من الحناجر المتعبة ومن الرطبة، من النساء اللواتي وقفن بثيابهن الطويلة، ومن الرجال الذين رفعوا كؤوسهم عالياً بلا أن يشربوا. بعضهم صفق، وبعضهم أطلق صوتاً كأنه زغرودة مكتومة، وبعضهم اكتفى بأن يهزّ رأسه كأن ما يراه يستحيل أن يُرى مرتين في العمر. الحراس على الأبواب لم يتحركوا، لكن عيونهم تحركت.

أم الملكة جلست في مكانها. لم تقف مع القوم، لأنها لا تقف لكل شيء. لكنها حركت شفتيها مع الهمس السائر في القاعة، بصوت خافت لا يُسمع إلا من كان في كتفها:

«تحيا الملكة.»

ثم رفعت نظرها. لم تنظر إلى الشاب. نظرت إلى ابنتها. إلى الفستان الأسود. إلى الأكمام الذهبية. إلى الطريقة التي تقف بها. شيء في عينيها لم يتغير، لكنه لم يكن راضياً تماماً. كان يزن. كان يحسب.

أوريليا لم تسمع الحشد. أو سمعته ولم تعره. كانت تنظر إلى عينيه. كانتا زيتونيتين كما وصفهما من في القاعة، لكن اللون لم يكن ما يلفت. ما يلفت كان الهدوء. هدوء رجل لا يخاف أن يُرى.

مدّ يده إليها ولم تكن يداً متشنجة، ولا يداً مرتبكة. كف مفتوح، وأصابع طويلة، ورسغ قوي. أوريليا نظرت إلى الكف لحظة، ثم وضعت يدها فيه. لم تكن يدها صغيرة، لكنها اختفت في كفه. حرارة أصابعه ارتفعت في كفها، أو ربما كان البرد في كفها هو الذي أوحى بذلك. لم تظهر شيئاً على وجهها.

مشيا بين الصفوف. لم يكن هناك ممر محدد، لكن الحشد انفتح لهما كما ينفتح الماء لسفينة. لا أحد تجاوز حدّه. لا أحد مدّ يده ليلمس فستانها، ولا أحد جرؤ أن يقترب أكثر من خطوتين. الأصوات خفت ثم انطفأت. ما تبقى كان وقع خطواتها، وربما وقع خطواته، وربما شيء ثالث لا اسم له.

في نهاية القاعة، كرسيان خشبيان عاليان، مزيّنان بالقماش الفاتح وبعض الحشو الأحمر، موضوعان بجانب بعضهما بمسافة ضيقة. جلس هو أولاً، ثم انتظر. لم يجلس حتى جلست. ثم استوى في كرسيه، ووضع يديه على ركبتيه، وترك عينيه على وجوه القوم. لم يكن قلِقاً. لم يكن مبتهجاً. كان هناك. فقط.

حين استوت أوريليا في كرسيها، شعرت بأن الفستان يتراكم حولها على المقعد. سحبته بيد واحدة من تحتها. لم ينتبه أحد. صارت كتفاها إلى جوار كتفيه. لم تلتفت إليه. لكنها أحسّت بحرارة ذراعه على مسافة أقل من عرض كف. لم تتحرك.

ثم تقدم القس.

رجل مسنّ، قصير قليلاً، ظهره منحنٍ من ثقل سنوات الجلوس في الكنيسة، وثوبه الأسود قصير الأكمام يكشف معصميه النحيلين. حمل بين يديه كتاباً صغيراً بحجم الكف، مغلقاً بشريط جلدي رقيق، ومعه صحن فضي صغير موضوع عليه خاتمان. أحدهما رقيق، ذهبي، بحجر أسود صغير. والآخر أعرض قليلاً، فضي، بلا حجر. وضعهما أمام الشاب أولاً. ثم نظر إلى أوريليا.

«مولاتي، الخاتم الذي اخترتِه.»

أوريليا مدت يدها. أخذت الخاتم الذهبي. نظرت إليه. قلّبته بين أصابعها. ثم أمسكت به بكفها وضمّت أصابعها.

القس فتح الكتاب. لم يكن بحاجة إلى أن يقرأ. عرف الكلمات كما يعرف شكل أصابعه. لكنه فتحه احتراماً للطقس. رفع صوته بالقدر الذي يجعله يُسمع في الصفوف الأولى:

«باسم الآب، والابن، والروح القدس. الإله الواحد. آمين.»

رسم إشارة الصليب على صدره. ثم نظر إلى الشاب:

«أنت. باسمك الذي تُعرف به، وباسم أبيك وأمك، أمام الرب وهؤلاء الشهود، هل تقبل أن تخطب هذه المرأة، وتَعِدَ أمام الله أن تحفظ عهدها، وتقف معها في الرخاء والضيق، ما دام في العمر بقية؟»

الشاب لم يتسرع. نظر إلى القس أولاً، ثم إلى أوريليا. لم يطل. ثم قال بصوت لم يتغير فيه شيء: «أقبل.»

القس أومأ. استدار إلى أوريليا. تغيّرت نبرته قليلاً. صارت أدنى. صارت أكثر حذراً:

«وأنتِ، مولاتي، باسمك الذي تُعرفين به، وباسم أبيك الملك، وأمك السيدة، أمام الرب وهؤلاء الشهود، هل تقبلين أن تخطب هذا الرجل، وتَعِدي أمام الله أن تحفظي عهده، وتقفي معه في الرخاء والضيق، ما دام في العمر بقية؟»

أوريليا لم تنظر إلى القس. نظرت إلى الشاب. نظرت إلى عينيه الزيتونيتين اللتين لم تتحركا منذ أن جلست. شيء في صدرها ضغط، ثم انفرج. لم تسمّه. لم ترد أن تسمّيه.

«أقبل.»

القس رفع يده اليمنى. رسم إشارة الصليب في الهواء فوق رأسيهما:

«اللهم بارك هذين الاثنين كما باركت آباءهما وأمهاتهما. اجعل بينهما مودة ورحمة. واحفظهما من كل شر. باسم الآب، والابن، والروح القدس. آمين.»

ثم أنزل يده. رفع الصحن الفضي الصغير. الشاب مد يده أولاً، فأخذ الخاتم الفضي ووضعه في إصبعها الأيسر، الإصبع الذي بجانب الخنصر. لم يضغط. لم يتركه يفوت. ضبطه مرة، ثم رفع يده.

أوريليا أخرجت الخاتم الذهبي من كفها. نظرت إلى يده. يده ممدودة على ركبتها، كفّه إلى الأعلى. وضعت الخاتم في إصبعه. لم تكن تعرف قياس إصبعه. كان واسعاً قليلاً. لم تقل. لم يقل.

القس أغلق الصحن. ثم رفعه فوق رأسه:

«باركهما الرب. باركهما الرب. ما جمع الرب لا يفرقه إنسان.»

انحنى القس. وانحنى معه كل من في القاعة. انحنت أم الملكة، لكن قدراً يكفي ليُرى. ثم رفعت رأسها قبل الجميع، ونظرت إلى ابنتها. لم تبتسم. لم تعبس. فقط نظرت. ثم عادت إلى كرسيها، وأعادت ترتيب ثوبها على كتفيها، ووضعت كفيها في حجرها، كأنها انتهت من واجب وتبقى عليها أن تراقب ما بعده.

في تلك اللحظة، انفتح باب القاعة. لم ينفتح كما تُفتح أبواب القاعات الكبرى، بهدوء ووقار وبيد حارس يسحب مصراعيه ببطء. انفتح بعنف، دفعة واحدة، فارتطم بالحائط وأحدث صوتاً جعل رؤوس الصفوف الأمامية تستدير، ثم انتقل الصوت إلى الصفوف الخلفية كموجة. واستدار الحاضرون. كلهم. واحداً واحداً، كأن يداً خفية أدارت أعناقهم.

ووقفت على العتبة.

شابة. في العشرين، أو أقل بقليل. ثوبها بني باهت، ومنديلها انزلق عن رأسها إلى كتفيها فكشف عن شعر داكن متطاير، يبدو كأنها ركضت تحت المطر، أو ركضت على الأقل من بعيد. تنفّسها مرتفع، وصدرها يعلو ويهبط بلا انتظام، وكفّاها مشدودتان إلى جانبيها. عيناها تُشعّان. لا حزن. غضب. غضبٌ خالص خالٍ من أي شيء آخر.

صمتت القاعة. لم يتكلم أحد. حتى الأكواب توقفت في الهواء.

ثم تقدمت خطوة. ثم خطوة أخرى. ثم خطوة ثالثة، حتى صارت أمام الكرسيين، تنظر إلى الشاب. لم تنظر إلى أوريليا. ولا إلى القس. ولا إلى الحاضرين. إليه هو.

«يا خائن...»

صوتها ارتجف في البداية، كأنها لم تستطع استجماع كل الكلمة. ثم أعادت:

«كيف تجرؤ على خيانتي؟»

وفي لحظة واحدة، تحول الصمت إلى ضجيج. الهمس في الصفوف الخلفية، ثم في الوسط، ثم في المقدمة. رؤوس تلتفت إلى بعضها. رجل يدفع بذراعه صاحبه ليتأكد أنه سمع ما سمع. امرأة تضع كفها على فمها. حارس يتحرك خطوة إلى الأمام، ثم يتراجع.

أوريليا استدارت بوجهها نحو الشاب. عيناها تتسعان. تبحثان عن شيء في وجهه. عن نفيه. عن ردة فعل. الشاب بدأ يحرك رقبته ببطء. يميلها يميناً. ثم شمالاً. كأن حجراً في فقرته استعصى عليه.

الشابة تقدمت أكثر. صار بينها وبينه خطوة واحدة. دمعة نزلت على وجنتها. لم تمسحها. تركتها تنزل، وعيناها ثابتتان عليه:

«لهذا السبب جعلتني حاملاً...؟ حتى تذهب وتتزوج؟»

في هذه اللحظة، انفجرت القاعة كاملة. صرخات من الحاضرين. بعضهم وقف. بعضهم جذب امرأته إلى الخلف. الكونتيسة نهضت من كرسيها، ثم وقفت مترددة، ثم جلست مرة أخرى. الكونت حرك كرسيه إلى الخلف قليلاً كأنه يريد أن يرى ما سيحدث دون أن يكون في وسطه.

الشاب نهض من كرسيه. لم يمسك بذراعي الكرسي. رفعهما معاً، ثم وقف، ونظر إلى الشابة نظرة لم تُرَ منه قبل ذلك. لا انفعال. لا خوف. لا ذنب. شيء بين الاستغراب والغضب: «ماذا تقولين؟»

«أقول ما سمعته.»

«أنا لا أعرفكِ.»

«لا تعرفني؟» ضحكت. ضحكة واحدة قصيرة. «قبل شهرين، في بيت عمك في الشمال. أنكرت أنك تعرفني أيضاً. ثم في الطريق، على الحدود، حين كنت تعدني أنك ستعود... تعرفني جيداً.»

«أنتِ مجنونة. أنا لا أعرفكِ.»

«أنا مجنونة؟» تقدمت أخرى. «أنا مجنونة لأنني أحببتك؟»

القس تقدم نحوها بخطوتين، بين الكرسيين وبينها. رفع كفيه إلى الهواء، كمن يحاول أن يحتوي الهواء نفسه:

«ماذا تهذين به يا ابنتي؟»

استدارت إليه. نظرت إليه كأنها تراه للمرة الأولى:

« انا لا أهذي. انا أقول الحقيقة.»

«أي حقيقة؟»

«أن هذا الرجل —» أشارت بإصبعها الممتد إلى الشاب، والإصبع يرتجف. «— أخذ مني ما لم يأخذه من أحد، ووعدني بما لم يوفِ به، ثم جاء ليخطب ملكة ليست من مقامه.»

في الطرف، أم الملكة نهضت. لم تنهض كباقي الحاضرين. نهضت كما تنهض من كرسيّها في نهاية مجلس. استدارت نحو والدة الشاب. الكونتيسة. ونبرتها لم تكن مرتفعة، لكنها كانت حادة كطرف سكين:

«ماذا يحدث؟»

الكونتيسة فتحت فمها. ثم أغلقته. ثم فتحته مرة أخرى. لم يخرج منها شيء. تحركت أصابعها على حجرها. ثم على فستانها. ثم على كتفها. ثم همست:

«سامحيني... لا أعرف ماذا يحدث.»

«لا تعرفين؟»

«أنا... اكيد هذه البنت كاذبة. اكيد...»

الأم لم تجب. فقط نظرت إليها. نظرة واحدة طويلة. ثم استدارت. ورجعت إلى كرسيها. لم تجلس بالطريقة الأولى. جلست وأصابعها على ذراع الكرسي، وكتفاها مشدودان.

في وسط القاعة، الجدال ارتفع. الشابة تقدمت خطوة أخرى حتى صارت أمام صدر الشاب. الشاب تراجع نصف خطوة. لم يكن خوفاً. لكن التراجع نفسه كان كافياً.

«لماذا تنكر؟» همست، وصوتها ارتفع لأول مرة. «لماذا تنكر وقد تركت فيّ أثراً لا يمكن أن يُنكر؟»

«أنتِ لا تعرفين عن ماذا تتكلمين.»

«أعرف أكثر مما تظن.»

«من أين أتيتِ؟»

«من حيث تركتني.»

«أنا لم أترك أحداً.»

«أنا لا أطلب منك شيئاً. لا مالاً. ولا اسماً. ولا حتى أن تعترف. لكنني لن أسمح لك أن تُقسم أمام الله على قلب امرأة أخرى.»

الشاب رفع يده. لا ليضرب. فقط ليبعد الهواء بينه وبينها. لكن الحركة كانت كافية لتزيد الضجيج. رجل في الصف الثاني نهض وصرخ شيئاً. امرأة أمسكت بذراع زوجها وسحبته. القس رفع صوته لكن بدون أن يهتم له أحد.

وفي تلك اللحظة، نهضت أوريليا.

لم تكن نهضة سريعة. رفعت نفسها ببطء، مستندة إلى ذراع الكرسي. وقفت. الفستان الأسود تمدد حولها. الأكمام الذهبية سكنت. نظرت إلى الأمام. ثم صرخت:

«كفى!»

الصوت ملأ القاعة. ليس لأنه أعلى صوت. لكن لأن أحداً لم يتوقعه. توقف الكلام. توقف الهمس. حتى الذين نهضوا جلسوا.

تقدمت خطوة. ثم خطوة. حتى وقفت بين الشاب والشابة. لم تنظر إلى الشابة. نظرت إليه. إلى عينيه الزيتونيتين اللتين نظرت إليهما قبل قليل. لكن هذه المرة، لم تجد فيهما الهدوء الذي أسرها. شيء تغير. أو ربما كانت هي التي تغيرت.

«لن أسمح بالزواج من خائن.»

صمت. القاعة كلها مصغية.

«هذه المؤسسة مقدسة.» رفعت ذقنها قليلاً. «لا يدخلها رجل إلا إذا كان مستعداً أن يحملها. والمؤسسات، مثل الملوك، لا تحتمل من يحملها بنصف قلب.»

الشابة فتحت فمها لتقول شيئاً، لكن أوريليا رفعت يدها قليلاً. لم تكن يداً آمرة. كانت يداً متعبة، محاولة أن توقف اللحظة عن التقدم.

«لا أريد أن أعرف من أنتِ. لا أريد أن أعرف إن كنت صادقة أم لا.»

«لكنني—»

«قلت لا أريد أن أعرف.»

استدارت إلى الشاب. لأول مرة، نظرت إليه نظرة كاملة. من وجهه إلى يده. إلى إصبعه. إلى الخاتم الذهبي. مدّت يدها إليه. اليد التي وضعت فيها الخاتم قبل قليل. رفعتها إلى أصبعها الأيسر.

وأخرجت الخاتم الذهبي.

لم يكن الخاتم ضيقاً حتى يقاوم. ولا كان واسعاً حتى ينزلق. فقط بقي لحظة في مفصل إصبعها، كأنه يتردد. ثم سقط. في كفها.

نظرت إليه. لا إلى الشاب. إلى الخاتم.

ثم مدت يدها. ورمته نحوه وقالت: « اشكرني لأنّي لم اعاقبك على خيانتك، والآن خذها واذهبوا.»

الخاتم ارتفع في الهواء لحظة. تلمع حافته الذهبية تحت ضوء القاعة. ثم وقع على الأرض. لم يصل إلى الشاب. وقع بينهما. تدحرج قليلاً. ثم توقف.

استدارت. لم تنظر إلى أمها. ولا إلى القس. ولا إلى الشابة. ولا إلى الحاضرين. مشت. خطواتها منتظمة. الفستان يجر خلفها. الأكمام الذهبية تلمع كلما حركتها. الناس انفتحوا لها. لا أحد مدّ يده. لا أحد نطق. حتى الحرس على الباب لم يحرك أحدهم سيفه ثم خرجت.

في القاعة، عادت الأصوات. أولاً همساً. ثم كلاماً. ثم صراخاً. الكونتيسة وقفت واستدارت نحو ابنها. الكونت حرك كرسيه أكثر إلى الخلف. القس انحنى ليلتقط الخاتم من الأرض. الشابة وقفت في مكانها، تنظر إلى الباب الذي خرجت منه أوريليا، ودمعة ثانية تنزل على وجنتها، ثم ثالثة، ثم توقفت.

أم الملكة نهضت فورًا وبدأت بالصراخ وتوبيخ عائلة الفتى ثم غادرت هي الأخرى بعدما همست: « اخرجوا من هنا ولا تعودوا ابدًا!.»

بينما في الممرات،

مشت أوريليا في الممرات لا تعرف أين تضع قدمها بالضبط، الفستان يجر خلفها على الحجر، وهي تمسكه بيد واحدة عند خصرها حتى لا تعثر، وباليد الأخرى تمسح وجنتيها، لكن الدموع تسبق يدها، تتجمع عند خط فمها ثم تنزل. لم تكن تبكي بصوت. كان بكاءً صامتاً، من ذلك النوع الذي يأتي بعد أن يصرخ المرء في داخله فيتعب صوته فلا يبقى منه شيء. مشت بخطوات سريعة، غير منتظمة، تسير كأنها تهرب من شيء في القاعة، أو من نفسها، أو من اللحظة ذاتها.

خلفها، في الطرف الآخر من الممر، ارتفع صوت أمها: «أوريليا!»

لم تستدر. لم تتوقف. خطواتها زادت سرعة، والفستان يجر أكثر، والأكمام الذهبية تتحرك بلا انتظام.

«أوريليا، انتظري!»

الصوت أقرب. لكن أوريليا دفعت باب غرفتها. دخلت. أغلقت الباب خلفها. وأدارت المزلاج.

خارج الباب، توقفت الأم. وقفت لحظة. ثم رفعت يدها وطرقت. مرة. ثم مرة أخرى.

«افتحي.»

لا جواب.«أوريليا، افتحي الباب.»

ثم، من الداخل، جاء الصوت. ليس صوتاً مرتفعاً. صوتاً مشقوقاً، من حنجرة تعبة، لكنه خرج كصرخة:

«اذهبي! لا أريد أحداً!»

صمت الأم. أنزلت يدها عن الباب ببطء. ثم أخذت نفساً طويلاً. ثم أطلقته. زفير هادئ، رصين، كما تفعل النساء اللواتي اعتدن أن يبتلع المرء كرامته قبل دموعه. مسحت دمعة تجمعت في زاوية عينها بطرف إصبعها، ثم نظرت إلى كفها لحظة كأنها تفاجأت أنها هناك.

وفي ذلك الوقت بالضبط، عاد إليها شيء. ليس ذكرى كاملة. ذكرى مقتطعة. قبل سنوات طويلة، ثلاثين سنة، أو أكثر. غرفة في بيت أبيها. ثوب أبيض، وخواتم، وصوت قسّ لا تعرف اسمه. ويد أبيها وهي تدفعها إلى الأمام. لم تكن قد رأت الرجل إلا مرتين. وفي المرتين لم تتكلم معه إلا بكلمتين. لم ترفض. لم تقبل. لكنها لم تُسأل. وكلما مرّت سنة من سنواتها معه، تساءلت إن كانت هي التي قتلت نفسها، أم أن القتل جاء من مكان آخر. زوجها رجل طيب. لا يصرخ. لا يضرب. لا يشرب. لا يخون. لكنه لا يعرف شيئاً عنها. ولا هي تعرف عنه. يعيشان في بيت واحد، في غرفتين، بينهما ممر طويل. وحياتها كلها صارت ممراً طويلاً بين غرفتين لا تلتقيان.

لم تشأ لأورَيليا ذلك. لم تشأ. وفي كل مرة كانت ترى ابنتها ترفض رجلاً، تشعر بشيء يشبه الفخر، لكنها لا تقوله. وفي كل مرة كانت ترى ابنتها تقبل شيئاً، تشعر بشيء يشبه الغصة، ولا تقوله أيضاً.

صحت من تفكيرها. طرقت الباب مرة أخيرة، لا لتفتح. فقط لتعرف أن يديها ما زالتا هناك. ثم سمعت المزلاج يُدار من الداخل. الباب انفتح بمقدار كفّ. لم يفتح أكثر.

دخلت.

أوريليا جلست على حافة السرير. الفستان نفسه، لكنه الآن مكرمش عند كتفيها، والأكمام الذهبية انسدلت على الفراش. شعرها الطويل انحلّ بالكامل عن الترتيب الذي صنعته الخادمتان قبل ساعات. وجنتاها جافتان. لم يبقَ أثر للدموع. أو ربما مسحتها. لكن في نظرتها شيء لم يجف بعد. شيء جامد. شيء تتظاهر به.

الأم مشت إلى السرير. جلست بجانبها. لم تكن المسافة بينهما كبيرة، لكنها كانت كافية. مدت يدها. أخذت يد ابنتها. كانت يد أوريليا باردة. أو ربما كانت يد الأم ساخنة، ولم تعرف الفرق.

«هناك رجال أفضل منه بكثير،» قالت الأم. صوتها هادئ، من ذلك النوع الذي يخاف أن يكسر شيئاً. «صدقيني. هو من ينتظركِ.»

أوريليا سحبت يدها. ليس بعنف. فقط سحبتها. أعادتها إلى حجرها، ووضعت عليها الأخرى. همست: «هذه ليست أول مرة.»

الأم توقفت. ثم نظرت إليها. أوريليا رفعت رأسها، ونظرت إلى أمها. في عينيها لم يكن غضب. شيء آخر. شيء أعمق. شيء كان ينتظر أن يُقال منذ سنوات.

«قبل أشهر،» تابعت أوريليا، وصوتها ارتفع قليلاً. «جاء رجل. تعرفينه. اسمه ما زلت أذكره. أنا أحببته. كنت أحببته فعلاً. ولم يكن كذاباً. ولم يكن خائناً. ولم يكن لا يعرفني. كان يعرفني. يعرف اسمي. يعرف أي غرفة أفضّل. يعرف كيف يضحكني.»

صمتت لحظة. «وأنتِ رفضتِه.»

«لم أرفض—»

«رفضتِه.»

«أنا لم أرفضه. أنا قلت—»

«قلتِ إنه لا يليق. قلتِ إن اسمه ليس من الأسماء التي تُذكر في القاعات. قلتِ إن أباه ليس نبيلاً. قلتِ إنه...»

«كفى.»

«قلتِ إنه لا يستحق أن يكون بجانبي.»

الأم أدارت وجهها. نظرت إلى النافذة. لم تكن هناك نافذة مفتوحة. لكنها نظرت كما لو أنها ترى شيئاً خارجها. ثم عادت.

«قلتِ إنه لا يليق. لكنكِ لم تقولي إنه لا يستحق.»

«هذا ما قلته.»

«لا.»

«قلتِ إنكِ تفهمين. ثم فعلتِ عكس ما فهمتِه.»

الأم لم ترد. لحظة. ثم:

«أنا لم أفعل ذلك لأبعدكِ عنه. أنا فعلت ذلك...»

«ماذا؟»

«لأنني عرفت ما الذي يحدث للنساء اللواتي يتزوجن من رجال لا يشبهن مجتمعهن. رأيت ذلك.»

«رأيتِه أين؟»

«في نفسي.»

أوريليا صمتت. لم تنظر إلى أمها. نظرت إلى الأرض. إلى الخاتم الذهبي الذي رُمي في القاعة قبل قليل. لم يكن في يدها. لكنها شعرت به.

« لم تتزوجين شخص عادي، لقد تزوجتِ ملكًا جعلكِ ملكة!.» قالت أوريليا بصوت منخفض. انصدمت الام:«ماذا؟»

« هل كلامي خاطئًا؟ تزوجتِ لأجل مصلحتكِ...لو جعلتيني أتزوج من أحببته لما حدث هذا»

لم تستطيع أن ترد الأم، نهضت ووضعت يدها على خد ابنتها. كانت يدها دافئة هذه المرة. أو ربما كانت أوريليا بردت حتى صارت كل يد دافئة بالنسبة لها.

«ارتاحي الآن،» قالت.

ثم استدارت. مشت نحو الباب. لم تنظر إلى الوراء. في مشيتها شيء شامخ، شيء لم ينحنِ بعد. شيء لم يشأ أن ينكسر أمام ابنتها.

خرجت. أغلقت الباب خلفها. مشت في الممر خطوات قليلة. خطواتها كانت منتظمة، وحين وصلت إلى المنعطف، حيث لا غرف ولا أبواب، توقفت. وضعت ظهرها على الحائط. انزلقت قليلاً. ثم انهارت. بكت. بصوت. لكنها كتمته بكفها. أمسكت فمها بكلتا يديها كأنها تخاف أن يخرج الصوت من بين أصابعها. تذكرت نفسها. حبيبها القديم كان ينتظرها عند باب بيت أبيها كل صباح. كان ينتظرها ولم يعلم أنها خُطبت لغيره. وحينما علم، لم يقل شيئاً. لم يرسل رسالة. لم يأتِ ليعاتب. فقط اختفى. وبعد سنوات، سمعت أنه مات. مات وحده. في قرية بعيدة. من غير أن يعرف أحد أنه انتظرها.

في وسط البكاء، سمعت وقع خطوات. رفعت رأسها. خادمة. شابة. في يدها سلة قماش. رأت السيدة. توقفت.

«مولاتي... هل أنتِ بخير؟»

الأم مسحت دموعها بظهر يدها في حركة واحدة. لم تمسحها على مهل. فقط أزالتها، ثم استقامت. عدلت ثوبها. ثم نظرت إلى الخادمة. تمتمت:

«عودي لعملكِ.»

الخادمة انحنت. استدارت. مشت. لم تسأل. لم تنظر إلى الوراء. الأم بقيت في مكانها لحظة. ثم أخذت نفساً. ثم مشت في الاتجاه المعاكس، جمعت شتات نفسها ومسحت ما تبقى على وجنتيها بظهر كفها، ثم أخرجت منديلاً من جيب ثوبها ومررته على أنفها مرة واحدة، ثم طوت المنديل وأعادته إلى جيبها، ومشت.

الممرات كانت خالية في هذا الوقت، الخدم انسحبوا إلى الطوابق السفلية، والحرس على أبوابهم لا يرون إلا ما يمر أمامهم. خرجت من الباب الخلفي، عبرت الحديقة الصغيرة حيث الأشجار ما زالت مبللة من مطر الأمس، ووصلت إلى الساحة الخارجية. هناك، عند الطرف، حيث تتجمع الأدوات التي تُستعمل في المناسبات — أعمدة خشبية، ولفائف قماش، وكراسي مكدسة — كان رجل يراجع قائمة في يده. متوسط القامة، في الخمسين، لحيته قصيرة غير مهذبة، وثوبه رمادي عملي لا يشبه ثياب القاعة. منظم الأحداث. الرجل الذي يقرر متى تُرفع الأعمدة، ومتى تُنزل، ومتى تُفتح الأبواب، ومتى تُغلق.

رآها قبل أن تصل. لم يكن يتوقعها هنا. أنزل القائمة إلى جانبه، وانحنى انحناءة كاملة، أطول من التي يؤديها لأي أحد آخر. عندما رفع رأسه، كانت قد وصلت إلى أمامه.

«مولاتي.»

«أريدك أن تعدّ شيئاً.»

«أنا في الخدمة، مولاتي.»

« جهز لحفلة. الليلة. عند الغروب.»

الرجل رمش. مرة واحدة. ثم مرة أخرى. القائمة في يده اهتزت قليلاً، ثم استقرت.

«الليلة؟ بمناسبة ماذا؟.»

« نعم الليلة، سيعرفون وقتها ما المناسبة.»

«مولاتي... الليلة ضيقة. الخدم لم يستريحوا من حفلة الأمس. والمطبخ لم يعدّ شيئاً. ولم نتخلص حتى الآن من انهاء حفلة الخطوبة...»

«أعرف» قطعت كلامه، لم ترفع صوتها: « لايوجد حفلة للخطوبة طالما لم تنجح الخطوبة بينهم، فلا وجود لها .»

الرجل نظر إلى القائمة في يده. ثم إلى الساحة الفارغة. ثم إليها.

«ماذا تريدين، مولاتي؟ ومن ندعوا؟.»

«حفلة بسيطة. لكن لا تبدو بسيطة.»

«أفهم، لكن وإن أمطرت؟»

«لا لن تمطر.»

«كيف تعرفين؟»

«لأنني أطلب منك أن تعدّ. والسماء تسمع.»

أكملت مرة أخرى وهي تنظر إلى الساحة الفارغة. إلى الأعمدة. إلى الكراسي المكدسة. «قل إن الملكة تريد أن ترى الناس.»

«فقط هذا؟.»

« نعم، أتحتاج تبريرات أخرى؟.»

«بالطبع لا، أعتذر.»

لم تهتم لاعتذاره، استدارت ومشت نحو الباب الخلفي. الرجل بقي واقفاً ينظر إليها. ثم رفع يده إلى فمه، ونادى على أحد الخدم من الطرف الآخر للساحة. ولم يكن في صوته شيء من التردد الذي كان فيه قبل قليل. فقط ذلك الشيء الذي يصيب الرجال حين يفهمون أن ما يُطلب منهم أكبر من قدرهم، فيبدأون بالعمل قبل أن يفكروا.