كان هناك طفل يجري بأقصى سرعة في مكان تملؤه الظلال، والغبار فيه كثير، والكآبة تظهر في كل ركن منه.
كانت رئتا الفتى تحترقان من الجهد الذي يبذله. لقد كان خائفًا، وأراد الوصول إلى مكان يشعر فيه بالأمان.
لمح أمامه غرفة بابها مفتوح، على عكس كل الغرف الأخرى الأقرب إليه، التي كانت أبوابها مغلقة.
كانت هناك غرف أخرى أبوابها مفتوحة، ولكن بالطبع سيختار الأقرب إليه، لذا دخل إليها، ومن دون أن يفكر في التقاط أنفاسه أغلق الباب ودفعه بجسده الذي لم يستطع التوقف عن الارتعاش، وبكامل قوته التي كانت قليلة.
ثم حدث بالفعل ما كان يخشاه؛ كان شخص ما يطرق الباب بأقصى قوة كأنها محاولة لكسره. شعر الصبي بأن كل ضربة تُحدث صدى في عظامه، وسمعت أذناه واحدًا من أقبح الأصوات التي سمعها، وكان يبغضه جدًا: صوت رجل بالغ غاضب ينادي بصوت عالٍ من خلف الباب:
"افتح أيها اللعين! أعلم أنك خلف هذا الباب. سأطعمك للكلاب إن لم تفتح، أقسم إني سأقتلك إن لم تفتح حالًا."
بعدها ازدادت القوة المبذولة في كل ضربة لفتح الباب، والصبي يدفع هو أيضًا ويمتص قوة الضربات.
كان العرق يملأ وجهه، وقلبه يخفق أسرع من محرك سيارة يكاد ينفجر، وعقله في حالة سوداوية من الوهم تشبه حالة غزال يطارده أسد؛ لم تخطر بباله أي فكرة سوى الجري من أجل النجاة. ومن شدة الرعب اقشعر جسده كله، وتحولت بضع شعرات من شعر رأسه إلى اللون الأبيض.
كانت القوة التي تضرب الباب تزداد مع الوقت، وعند إحدى الضربات سمع صوت تشقق الباب، ثم توالت بضع ضربات أخرى.
كان الفاصل الزمني بين الضربات يزيد مع كل ضربة.
وفجأة جاءت ضربة أقوى من كل الضربات الأخرى التي شعر بها من خلال الباب طوال الضربات السابقة. كان الفتى يشعر وكأن قلبه ينزف، لكن هذه الضربة جعلت الكوابيس التي كان يخشاها طوال حياته تظهر له في تلك اللحظة.
لقد تبول في سرواله حينها، واهتز كيانه، وضعفت إرادته في إغلاق الباب، وأصبحت رغبته في الحياة شبه معدومة.
لكن الغريب أنه لم تعقبها ضربات أخرى لفترة، غير أن الخوف المسيطر على الفتى لم يقل. ما زال جسده متشبثًا بالباب يحاول منع أي شيء من الدخول.
منعه خوفه حتى من التدقيق فيما بداخل الغرفة معه. لقد كانت هناك أصوات في كل زوايا الغرفة المظلمة، وكانت هناك أشياء تتحرك، كثير من هذه الأشياء. كانت الجرذان تملأ الغرفة، والأحداث التي كانت تحدث لم تكن لتجعلها ساكنة؛ كانت تحركاتها فوضوية، وصوتها كان سيمفونية تثير الرعب والاشمئزاز. بعضها ذهب بالفعل ناحية الفتى، ودخلت إحداها في ملابسه.
وقتها لم يملك الاختيار ليفعل شيئًا لهذه الفئران التي كانت تتحرك على جسده وفي أكثر المناطق حساسية عند الشخص، وتحدث الجروح في كل مكان؛ وقد عضّته إحداها بالفعل، لكن الفتى ما زال لم يفعل شيئًا.
"فقط ادفع الباب، ما خلف الباب أسوأ." هذا كل ما كان عقله يأمره به.
الهدوء الذي استمر بعد آخر ضربة استمر على عكس المتوقع، وكانت قد مرت ساعة والصبي ما زال يسند الباب، وما زال الخوف مسيطرًا عليه.
أخيرا قد لاحظ الفئران و ما يحدث داخل الغرفة، وحاول بيد وساق فقط أن يبعدها عنه وهو في حالة من الهيجان بعد أن أحس بكل ما فعلته الفئران به، ولكنه رغم ذلك... لا يزال يحاول الحفاظ على الباب مغلقًا.
الفأر الذي دخل تحت ملابسه لم يستطع الخروج؛ لقد كان تائهًا ولم يجد طريقًا للعودة إلى جحره، وأثناء بحثه عن طريق العودة كان يخلّف جراحًا على جسد الفتى. ولكن فجأة، أثناء ثورانه ومحاولته للعودة التي كانت تخلّف جروحًا أعمق، كانت سماء المكان الغريب الذي هو فيه تنهار عليه ويضيق المكان. حاولت غرائزه النجاة، فجعلته يذهب إلى مكان أوسع لينجو، واستطاع بالفعل الانزلاق، ولكن حدث هذا مرة أخرى، ومعتمدًا على جميع حواسه لينجو استطاع الإفلات مرة أخرى، وتكرر هذا الأمر بضع مرات أخرى.
تركت الرحلة التي قام بها الفأر على جسد الفتى جروحًا أكثر، لكنه في النهاية لم يستطع الإفلات في إحدى المرات؛ لقد علق تحت ضغط شيء ما، وكان الضغط من جميع الاتجاهات. شعر بالألم يزداد عليه ومحاولاته للنجاة لم تتوقف، ولكن الفتى استطاع القبض عليه أخيرًا محيطًا به بملابسه، ثم ضغط بقبضته بكل قوة ليقتل الفأر، فصدر صوت الفأر الذي كان يواجه الموت، وتبعه صوت باقي الفئران.
كانت يد الفتى تزيد الضغط على الفأر وتطحن جسده، وبعدها بقليل انفجرت الدماء من كل جسده؛ لقد سُحق تمامًا... انتهت حياته.
لم يستطع الفتى تنظيف جثة الفأر ودمائه من تحت ملابسه لأنه ما زال متشبثًا بالباب خائفًا، رغم أنه قد مرت ساعات على آخر ضربة للباب.
خلالها كان الفتى لا يزال يعاني من بعض هجمات الفئران، ولم يشعر بالملل إطلاقًا. ظل واقفًا وهو يسند الباب لمدة نصف يوم ولكن بعدها خارت قواه وظهر عليه المرض؛ لقد كانت الغرفة باردة جدًا لدرجة تجعل العظام تهتز والجروح والفئران ، بالتأكيد لن يكون بخير بعد كل هذا.
عندما سقط جسده على الأرض ظل يحاول إبقاء الباب مغلقًا بجسده، واستمر الوقت بالمرور.
بعد بضع ساعات أخرى تدهورت حالته، وأخيرًا بدأت فكرة تغطي على الخوف الذي كان مسيطرًا؛ لقد كانت الرغبة في الحياة.
"أنا... أنا أريد أن أعيش."