NOVELFLEX

ولادة المقامر

روح باردة · بقلم محمد شاهين

"أنا لا أريد أن أنتهي هكذا، أنا لا أستحق ما يحدث."

تساقطت الدموع، وقام بسكِّ أسنانه.

لكنه ما زال في مكانه، لا يعرف ماذا يفعل.

كان وجهه مظلمًا، ويبدو عليه اليأس.

سمع صوتًا يهمس:

"هل تريد الحياة؟"

"ما هذا السؤال؟ بالتأكيد أريد... أريد بشدة." ردَّ الفتى وهو يظن أنه يُحدِّث نفسه.

"إذًا افتح الصندوق، ارمِ العملة. إذا رأيت الابتسامة، حينها يمكنك فتح الباب، وإذا رأيت الموت فستبقى داخل الغرفة."

"صندوق؟ أي... صندوق؟"

حاولت عينا الفتى الاستكشاف أكثر لهذه الغرفة التي لم يعرف عنها إلا أنها مظلمة، بلا مخارج غير الباب، ومليئة بالجرذان.

لمح لمعة.

تاركًا الباب بصعوبة، زاحفًا على الأرضية، مثل بعوضة تنجذب نحو النار.

وصل إلى حيث لاحظ البريق. لقد كانت زاويةً مليئةً بالأتربة والأوساخ. كان الشيء الذي يلمع مدفونًا هناك.

باستخدام يديه الشاحبتين، اللتين كان يحركهما بطريقة غير طبيعية، ولكن بشيء من العجلة أيضًا، قام بالحفر حتى ظهر الشيء اللامع كاملًا. لقد كان مكعبًا بلوريًا بحجم قبضة اليد.

كان للمكعب هالة غريبة، كأنه ليس جزءًا من هذا العالم.

أمسك الفتى به وقرَّبه إلى وجهه ليتفحَّصه.

عندما رآه عن قرب ونظر إليه من جميع الجوانب، تجعَّد حاجباه، وانحنت شفتاه إلى الأسفل.

"هذا ليس صندوقًا، لا يوجد مكان يمكنني من خلاله فتحه."

تحدَّث صوت في عقله يتظاهر أنه هو، والفتي يصدقه :

"الإرادة مفتاح "

رفع الفتى المكعب عاليًا وضربه بالأرض.

بووم

اهتاجت الفئران وعلت أصواتها.

فكر الفتى: "العالم... هذا العالم اللعين."

نظر إلى المكعب بعد ضربته، لم يكن هناك أي خدش عليه، لذا ضربه مرة أخرى بقوة أكبر وإرادة أقوى.

بوووم.

"حياتي لم ترَ أي لحظة سعادة في هذا العالم الذي يريدني أن أموت، الذي يريدني بائسًا."

ما زال المكعب لم يُخدش خدشًا واحدًا، لكن الفتى لم يتوقف. بدأ يضربه بلا توقف، وعلامات الإصرار تبدو على وجهه. بووم، بوم، بوم.

"أنا لا شيء في هذا العالم يستحق أن يُفعل به هكذا."

بوم، بوم، بوم. ازداد هيجان الفئران.

"أنا لا أهتم إن كان كل ما يحدث في هذا العالم من أجل غاية أم مجرد عبث، أنا فقط... فقط أريد أن أعيش."

احمرَّت عيناه وتجمعت فيهما الدموع.

"أنا أريد أن أعيش سعيدًا."

كأن المكعب يستمع إلى رغباته؛ فعند إحدى الضربات تفتت إلى غبار أحاط بالفتى، واستمر عدة ثوانٍ في الانتشار، ثم لم يبقَ منه شيء.

شعر جسد الفتى بالانتعاش بعدها.

وبين يده والأرضية المتضررة اختفى المكعب، لكن ظهر شيء آخر أقل حجمًا.

كانت هناك عملة سوداء لها هالة مرعبة. حاول الفتى تفحُّصها تحت الضوء الخافت الهارب من الفتحات الموجودة في الباب.

كان منقوشًا على جانبي العملة رسومات غريبة. في نظر الفتى، كان أحد الجانبين يشبه وحشًا مرعبًا أشبه بالكوابيس، له سبعة أذرع، وعلى وجهه ابتسامة مرعبة تهز كيان الشخص.

وعلى الجانب الآخر مخلوق يشبه الأول، وبنفس الابتسامة، لكن رأسه مقطوع، وأيديه تحمله بالمقلوب، مما أظهر الابتسامة كعبوس.

حاول الفتى التركيز بعد أن نسي نفسه لبضع ثوانٍ. تذكر ما كان يجب أن يفعله لينجو؛ كان عليه أن يخرج من هذه الغرفة القذرة.

"لكن ما خلف الباب؟"

اقشعر جسده عند التفكير بالأمر، لكنه الآن لديه العملة. نظر إليها مجددًا.

"هذه العملة ليست عادية."

"ارمِ العملة."

"نعم، سوف أرمي العملة. إن ظهر الوجه المبتسم سوف أخرج، وإن ظهر الرأس المقطوع (الموت) سوف أبقى... وأرميها مرة أخرى."

تنفَّس، أغمض عينيه، وحاول أن يهدأ، ثم وضع العملة على طرف ظفر إبهامه وقذفها.

طارت العملة وهي تتقلب في الهواء بين وجهيها، كأن القدر يُقرأ، وكأنها تكتب الواقع أثناء دورانها. تصعد وتنزل للأبد... لكن ليس فعلًا، ففي النهاية انتهت جولتها في الهواء وعادت إلى يد الفتى.

لقد كانت تُظهر شيئًا غير سار.

كان جانب الموت هو المختار.

حزن الفتى، فقد كان يتوق لترك هذا المكان البائس الذي شعر وكأنه أصبح سجنًا له.

كان على وشك أن يعيد رمي العملة مرة أخرى، لكن عندها دخل إلى أذنه صوت أشبه بصوت نهاية العالم.

لقد كان الباب؛ أحدهم كان يحاول فتحه.

اقشعر جسده مرة أخرى، وشحب وجهه أكثر مما كان عليه، وانتفض جسده لا إراديًا ليسند الباب مرة أخرى، ليتأكد أنه لن يُفتح.

مثل المرة السابقة، استمرت محاولات فتح الباب لعدة دقائق، لكنه لم يُفتح هذه المرة أيضًا.

الهلع الذي أُصيب به الفتى لا يمكن وصفه. بقي في حالته هذه لساعات، مستندًا بظهره إلى الباب، لا يفعل شيئًا، فقط يتأمل العملة التي يحملها بيده.

قرر أن يرميها مرة أخرى، لكن بعض الفئران هاجمته، فلم يستطع رميها.

قضى وقتًا طويلًا في إبعاد الفئران، ونتجت عن ذلك جروح جديدة.

بعدها لم يحاول رمي العملة مرة أخرى. شعر أنه لو حاول مجددًا سيحدث شيء لا يريده. فقط أمضى الساعات، والظلام يملأ وجهه.

عند لحظة ما، أصبح البقاء واعيًا من أصعب الأشياء. كانت الرائحة لا تُطاق، والجو شديد البرودة.

"أنا... أنا فقط..."

"ألا تعتقد أن الوقت مناسب لرمي العملة؟" تحدث الصوت.

كان الأمل مغريًا في هذه الحالة، ولم يكن هناك خيارات. كان شبه ميت، لذا رمى العملة.

صعدت ونزلت وهي تدور في الهواء، وفي النهاية عندما استقرت على يد الفتى، كشفت عن الابتسامة.

عندها انتعش الصبي، وخفَّ شحوبه، واختفت حالته البائسة. لم تعد النجاة مستحيلة.

الشيء الأهم الآن بالنسبة له كان الخروج من الغرفة. قام على قدميه، وأمسك قفل الباب. اضطربت دقات قلبه، لكنه استمر وفتحه، ثم سحب الباب. وأخيرًا فُتح الباب، وتكشف ما خلفه.

كان نفس الممر الكئيب الذي كان يجري فيه. راقب الفتى محيطه بحذر ليتأكد أنه بأمان، وعندما تأكد أنه لا أحد هناك، خطا أخيرًا خطوته الأولى خارج الغرفة.

كانت أرضية الممر دبقة، تميل إلى اللون الأحمر الغامق. كان هناك جثة، لكن الفتى لم يلاحظها.

فقط مشى فوق الدماء، محاولًا الابتعاد عن هذا المكان قدر المستطاع.