كيرا في نفسه: لا تخبرني أنه سمّم السكين!!!
اتسعت عينا كيرا، بينما أخذت الرؤية أمامه تزداد ضبابية. حاول التركيز على خصمه، لكن ملامح لوسيان بدأت تتداخل أمام عينيه، حتى أصبح من الصعب عليه تحديد المسافة الفاصلة بينهما بدقة.
تراجع خطوة إلى الخلف، ثم رفع يده إلى وجهه، محاولًا التأكد من أن المشكلة لم تكن مجرد خدعة بصرية.
كيرا في نفسه: اللعنة... إذن، هذا ما كان يخطط له منذ البداية!
في الجهة المقابلة، وقف لوسيان بهدوء، يدير السكين بين أصابعه وكأنه يلعب بأداة عادية لا أكثر.
لوسيان: أوه؟ لقد أدركت الأمر أخيرًا؟
لم يجبه كيرا.
لوسيان: كنت أظنك ستحتاج إلى بعض الوقت الإضافي حتى تفهم ما حدث. لكن يبدو أنك لست غبيًا تمامًا.
رفع لوسيان السكين إلى مستوى عينيه، ثم أمال رأسه قليلًا.
لوسيان: أخبرني، كيف يبدو الأمر؟ هل تشعر بأن الأرض تتحرك تحت قدميك؟ أم أن وجهك بدأ يبدو غريبًا؟
ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم أضاف بنبرة خالية من الاهتمام:
لوسيان: لا تقلق، لن يستمر الأمر طويلًا.
شد كيرا قبضتيه.
كيرا: أيها الوغد... ماذا وضعت على سكينك؟!
لوسيان: سؤال جيد.
توقف للحظة، ثم نظر إلى النصل.
لوسيان: لكن ألن يكون من الأفضل أن تكتشف ذلك بنفسك؟
في اللحظة التالية، اندفع كيرا نحوه!
لم يعد بإمكانه إهدار الوقت في الحديث. إذا كان السم يؤثر في جسده فعلًا، فإن كل ثانية تمر قد تقلل فرصه في الفوز.
انخفض مركز ثقله، وانطلق بخطوات سريعة نحو خصمه، محاولًا إنهاء القتال قبل أن يتفاقم تأثير السم.
لكن لوسيان لم يتحرك لمواجهته مباشرة.
انتظر حتى اقترب كيرا، ثم مال بجسده إلى الجانب، متفاديًا القبضة التي اندفعت نحو وجهه بفارق ضئيل.
وفي الوقت نفسه، تحركت يده المسلحة بالسكين في قوس سريع نحو جانب كيرا.
سوييييش!
تراجع كيرا بجسده على الفور، وشعر ببرودة النصل تمر بمحاذاة ملابسه.
لم يتوقف عند ذلك، بل استدار على قدمه، موجّهًا ركلة قوية نحو بطن لوسيان.
غير أن الأخير قفز إلى الخلف، تاركًا الركلة تمر أمامه دون أن تصيبه.
هبط لوسيان على قدميه بخفة، ثم رفع السكين مجددًا.
لوسيان: رائع! كنت أظنك ستصبح عاجزًا عن الحركة بهذه السرعة.
نظر إلى وجه كيرا، ثم ضحك بخفة.
لوسيان: لكن يبدو أنني بالغت في تقدير تأثير السم عليك.
كيرا في نفسه: اللعنة! حتى لو تجاهلت تأثير السم في الوقت الحالي، فلا يمكنني الاستمرار بهذه الطريقة!
حاول كيرا تثبيت نظره على جسد خصمه بدلًا من التركيز على ملامحه المشوشة.
كان عليه أن يغيّر أسلوب قتاله.
لم يعد بإمكانه الاعتماد على الرؤية وحدها لتقدير كل حركة، كما أن الاقتراب المتهور من شخص يحمل سكينًا مسمومًا سيكون أشبه بالانتحار.
لذلك، بدأ يتحرك ببطء حول لوسيان، محافظًا على مسافة مناسبة، ومراقبًا كتفيه وذراعيه بدلًا من عينيه.
لاحظ لوسيان التغيير، فمال رأسه قليلًا.
لوسيان: أوه؟ هل بدأت تفكر أخيرًا؟
كيرا: اصمت.
لوسيان: ما هذا الرد البارد؟ قبل قليل كنت تتحدث عن تحطيم فمي. أين ذهبت تلك الثقة؟
كيرا: لا تخلط بين ثقتي بنفسي ورغبتي في الاستماع إلى هراء شخص مثلك.
للمرة الأولى منذ بداية القتال، لم يرد لوسيان مباشرة.
ظل يحدق في كيرا لثوانٍ، ثم ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه.
لوسيان: فهمت.
خفض يده قليلًا، وأرخى كتفيه.
لوسيان: أنت تحاول كسب الوقت، أليس كذلك؟
لم يتغير تعبير كيرا.
لوسيان: تريد أن تعرف مقدار تأثير السم عليك، وأن تنتظر حتى أرتكب خطأً يمنحك فرصة للهجوم.
توقف لوسيان عن الابتسام للحظة.
لوسيان: لكن هناك مشكلة صغيرة في خطتك.
رفع السكين أمامه.
لوسيان: أنا أيضًا لا أنوي منحك أي فرصة.
فجأة، اندفع لوسيان إلى الأمام!
كانت حركته أسرع من ذي قبل، حتى إن بعض المشاهدين لم يتمكنوا من متابعة انطلاقته بوضوح.
وصل إلى كيرا في لحظات، ثم وجّه طعنة مباشرة نحو كتفه.
أمال كيرا جسده إلى الجانب، فمر النصل بجواره، لكنه لم يستطع استغلال الفرصة للهجوم المضاد.
فقد كانت يد لوسيان الأخرى تتحرك بالفعل!
ظهرت السكين الثانية في قبضته، وانطلقت نحو الجانب الآخر من جسد كيرا.
كيرا في نفسه: مجددًا؟!
تراجع كيرا بسرعة، محاولًا الإفلات من الهجوم المزدوج.
لكن قدمه لم تتحرك بالسرعة التي أرادها.
شعر بثقل غريب في ساقيه، وكأن عضلاته أصبحت أقل استجابة لأوامره.
تعثرت خطواته للحظة.
وكانت تلك اللحظة كافية.
اقترب لوسيان، ثم وجّه ركلة قوية نحو صدره.
بااااام!!!
اصطدمت قدمه بجسد كيرا، فاندفع الأخير إلى الخلف عدة أمتار قبل أن يتمكن من استعادة توازنه.
توقف كيرا بصعوبة، وانحنى قليلًا، محاولًا التقاط أنفاسه.
كيرا في نفسه: تبًا... جسدي!
رفع رأسه ببطء.
كان التشوش يزداد، وأصبح من الصعب عليه الحفاظ على تركيزه. ومع ذلك، لم يسمح لنفسه بالسقوط، وظل واقفًا في مواجهة خصمه.
في الجهة الأخرى، أنزل لوسيان ساقه، ثم نظر إليه دون أي تعبير واضح.
لوسيان: هل بدأت تشعر به الآن؟
لم يجبه كيرا.
لوسيان: لقد أخبرتك منذ البداية. حياتك أصبحت في خطر منذ اللحظة التي قررت فيها مواجهتي.
أشار بالسكين نحو كيرا.
لوسيان: لقد أصبتك مرة واحدة فقط، ومع ذلك، انظر إلى حالتك الآن.
اتسعت ابتسامته قليلًا.
لوسيان: ماذا ستفعل عندما أعيد الكرة؟
في مدرجات الجمهور...
ساد الهدوء بين عدد من المشاهدين الذين كانوا يتابعون المواجهة باهتمام.
أحد المشاهدين: مهلًا... هل هذا الفتى على وشك الخسارة؟
مشاهد آخر: من المستحيل أن يستمر طويلًا إذا كان السم يؤثر في جسده بهذه السرعة!
مشاهد ثالث: ذلك الرجل خطير فعلًا. لم يحتج إلى توجيه سوى ضربة واحدة بالسكين حتى قلب مجريات القتال بالكامل!
لكن لم يكن الجميع مقتنعين بأن المواجهة قد حُسمت.
ففي أحد المقاعد، كان فهد يراقب كيرا بصمت، دون أن يبعد عينيه عنه.
لم يُظهر وجهه أي انفعال واضح، لكنه كان يتابع أدق تفاصيل القتال.
فهد في نفسه: هكذا إذن... لقد وقع في فخه.
ظل يراقب لوسيان للحظات، ثم أعاد نظره إلى كيرا.
فهد في نفسه: لكن هل انتهى الأمر فعلًا؟
في الشرفة الخاصة بالزعماء الأربعة...
كان سليم يتابع المواجهة بملامح متجهمة.
الزعيم سليم: تبا! هذا ليس جيدًا على الإطلاق.
نظر إلى كيرا، ثم إلى لوسيان.
الزعيم سليم: إذا استمر تأثير السم بهذه السرعة، فلن يتمكن لوكا من مواصلة القتال طويلًا.
أما عمر، فكان يراقب المشهد بصمت، وقد اختفت الابتسامة من وجهه.
الزعيم عمر: يبدو أن هذا القتال لن يستمر طويلًا.
لم يرد ماغنوس، بل ظل يراقب لوسيان باهتمام.
في حين اكتفى ألاريك بمتابعة المواجهة دون أن يُظهر أي رد فعل واضح.
ساحة البطولة — القتال الثالث
رفع كيرا رأسه مجددًا، ثم مسح الدم الذي سال من الجرح الصغير على وجهه.
كانت يداه مشدودتين، وعضلات جسده متوترة، لكنه بدأ يدرك أن الاستمرار في القتال بالطريقة نفسها لن يقوده إلى أي نتيجة جيدة.
كيرا في نفسه: لا يمكنني السماح له بإصابتي مرة أخرى... يجب أن أجد طريقة لتجاوز سكاكينه.
رفع عينيه نحو لوسيان، محاولًا تجاهل التشوش الذي يزداد أمامه.
كيرا في نفسه: إن بقيت في موقف الدفاع، فسأخسر عاجلًا أم آجلًا. وإذا هاجمته بلا تفكير، فسأمنحه فرصة أخرى لاستخدام سكاكينه.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم أعاد تثبيت قدميه على الأرض.
كيرا في نفسه: إذن، عليّ أن أجبره على القتال بالطريقة التي أريدها أنا!
في الجهة المقابلة، لاحظ لوسيان أن كيرا اتخذ وضعية مختلفة.
لوسيان: أوه؟ هل وجدت حلًا سحريًا لمشكلتك؟
لم يجبه كيرا.
لوسيان: لا بأس. أرني ما لديك.
ثم انحنى قليلًا إلى الأمام، ورفع السكينين أمامه.
لوسيان: هيا، تعال إليّ!
انطلقت الإشارة التالية من حركة جسديهما.
اندفع كيرا نحو لوسيان مرة أخرى!
لكن هذه المرة، لم يتجه مباشرة إلى وجهه أو صدره، بل غيّر مساره فجأة، متحركًا نحو الجانب الذي يحمل فيه لوسيان سكينه اليمنى.
رفع لوسيان حاجبه قليلًا، ثم تحرك لاعتراضه.
وفي اللحظة التي اقترب فيها كيرا من مدى سكاكينه، انخفض بجسده فجأة!
مر النصل الأول فوق رأسه، بينما تحركت قبضته في الاتجاه المعاكس، مستهدفةً بطن لوسيان.
لكن لوسيان كان مستعدًا.
تراجع نصف خطوة، ثم وجّه ركبته نحو كيرا، مجبرًا إياه على تغيير اتجاه هجومه.
تراجع كيرا، إلا أنه لم يبتعد كثيرًا.
بل استدار بسرعة، محاولًا استغلال اللحظة التي احتاج فيها لوسيان إلى إعادة توازنه.
انطلقت قبضته نحو وجه خصمه!
باااام!
أصابته الضربة!
تراجع رأس لوسيان إلى الخلف، واضطر إلى التراجع خطوتين حتى لا يفقد توازنه.
ساد الصمت في الساحة لثانية واحدة.
ثم ارتفعت أصوات الجمهور.
أحد المشاهدين: لقد أصابه!
مشاهد آخر: كيف تمكن من تجاوز سكاكينه؟!
لكن كيرا لم يبتسم.
فقد كان يعلم أن ضربة واحدة لن تكون كافية لإنهاء القتال، خصوصًا في حالته الحالية.
أما لوسيان، فقد أعاد رأسه إلى وضعه الطبيعي ببطء، ثم مسح طرف فمه بظهر يده.
نظر إلى الدم الذي ظهر على أصابعه، وظل صامتًا للحظات.
بعد ذلك، رفع عينيه نحو كيرا.
وللمرة الأولى منذ بداية المواجهة، اختفت ملامح اللامبالاة تمامًا من وجهه.
لوسيان: ...لقد أصبتني.
ظل كيرا واقفًا في مكانه، يراقبه بحذر.
ثم أخذ لوسيان يضحك بصوت منخفض.
لوسيان: هاها... هاهاها...
ارتفع صوته تدريجيًا، حتى أصبح ضحكه مسموعًا في أرجاء الساحة.
لوسيان: رائع! هذا رائع حقًا!
فتح ذراعيه قليلًا، ثم نظر إلى كيرا بعينين اتسعتا على نحو غريب.
لوسيان: كنت أتساءل متى ستتمكن من فعل شيء كهذا!
شد قبضته حول السكينين، بينما اتسعت ابتسامته بصورة مقلقة.
لوسيان: حسنًا يا فتى... لقد بدأت تجعلني أشعر بالحماس!
توقف عن الضحك فجأة.
ثم انخفض جسده قليلًا، واتخذ وضعية استعداد أكثر جدية.
لوسيان: لننتهِ من هذا.
وفي اللحظة التالية، انطلق لوسيان نحو كيرا بسرعة مرعبة!
كيرا في نفسه: اللعنة... إنه أسرع من قبل!
حاول كيرا التحرك لتفادي الهجوم، لكن الرؤية أمامه ازدادت تشوشًا فجأة.
اختلطت صورة لوسيان أمام عينيه، ولم يعد قادرًا على تحديد اتجاهه بدقة.
ومع ذلك، لم يتوقف عن الحركة.
فقد أدرك أنه إن استسلم لهذا الشعور الآن، فلن يحصل على فرصة أخرى.
كيرا في نفسه: لن أخسر هنا... ليس أمام هذا الوغد!
تقلّصت المسافة بين المقاتلين بسرعة، بينما اندفع لوسيان نحو كيرا، ممسكًا بسكين في كلتا يديه.
لوسيان: انتهى الأمر يا فتى!!!
وجّه طعنة سريعة نحو صدر كيرا، ثم غيّر اتجاه النصل في اللحظة الأخيرة، مستهدفًا كتفه. تراجع كيرا بجسده، فمرّ النصل بمحاذاته، لكن لوسيان لم يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه، إذ تبع هجومه بسلسلة من الطعنات المتتالية، مستهدفًا صدره وبطنه وعنقه.
كان كيرا يتراجع باستمرار، محاولًا تفادي كل ضربة على حدة، لكن تأثير السم بدأ يجعل تحركاته أثقل، كما ازدادت الرؤية أمام عينيه اضطرابًا حتى أصبحت صورة خصمه بالكاد واضحة.
كيرا في نفسه: اللعنة... لم أعد أستطيع رؤية تحركاته بوضوح!
اندفع لوسيان مجددًا، موجّهًا سكينه نحو وجه كيرا.
مال كيرا برأسه إلى الجانب، فمرّ النصل أمام عينه مباشرة، ثم حاول توجيه لكمة مضادة، لكن لوسيان كان قد ابتعد بالفعل.
لوسيان: هاهاها! ما الأمر؟! أين ذهبت سرعتك؟!
أدار السكين بين أصابعه، ثم اندفع إلى الأمام مرة أخرى.
لوسيان: هل انتهى بك الأمر أخيرًا؟! لقد بدأت أشعر بالملل!
تراجع كيرا خطوتين، ثم توقف.
كان صدره يرتفع وينخفض بسرعة، وشعر بعرق بارد يسيل على جبينه. حاول التركيز على خصمه، لكن ملامح لوسيان كانت تتلاشى أمامه، وكأن ضبابًا كثيفًا قد غطّى عينيه.
كيرا في نفسه: إذا استمررت في محاولة الاعتماد على بصري، فسأخسر بالتأكيد...
توقفت أفكاره للحظة.
ثم تذكّر شيئًا.
كيرا في نفسه: انتظر... لماذا أصرّ على الاعتماد على عينيّ وحدهما؟!
رفع رأسه قليلًا، وأخذ نفسًا عميقًا.
كيرا في نفسه: ما دام السم يؤثر في رؤيتي، فسأستخدم حاسة أخرى!
وفجأة، أغمض كيرا عينيه تمامًا.
ساد الصمت للحظة في أرجاء الساحة.
أحد المشاهدين: هاه؟! ماذا يفعل هذا الأحمق؟!
مشاهد آخر: هل استسلم أخيرًا؟!
حتى سليم لم يستطع إخفاء دهشته.
الزعيم سليم: ما الذي يفعله لوكا؟! هل فقد عقله؟!
أما لوسيان، فتوقف للحظة قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة ساخرة.
لوسيان: أوه؟! هل قررت أن تسهّل عليّ المهمة؟!
رفع إحدى السكاكين، ثم بدأ يتقدم نحو كيرا ببطء.
لوسيان: لا تقلق، سأحرص على إنهاء الأمر بسرعة!
لكن كيرا لم يرد.
ظل واقفًا في مكانه، وعيناه مغمضتان، بينما أخذت أنفاسه تهدأ تدريجيًا.
لم يعد يحاول رؤية خصمه.
بل بدأ يصغي.
صوت الجمهور...
حركة أقدام المقاتلين فوق أرضية الساحة...
احتكاك ملابس لوسيان بجسده كلما تحرك...
أخذ كيرا يركّز على الأصوات المحيطة به، محاولًا فصلها بعضها عن بعض.
في البداية، لم يكن الأمر سهلًا.
كانت صيحات الجمهور تتداخل مع أصوات الحركة، كما أن الضوضاء الصادرة عن الساحة جعلت تحديد مصدر كل صوت أمرًا صعبًا.
لكنه لم يستسلم.
كيرا في نفسه: اهدأ... لا تفكر في أي شيء آخر. استمع فقط.
أخذ نفسًا بطيئًا.
ثم أخرجه بهدوء.
وبالتدريج، بدأت الأصوات تتضح في ذهنه.
لم يعد يسمع مجرد ضجيج عشوائي، بل بدأ يميّز التفاصيل الصغيرة التي لم يكن ينتبه إليها من قبل.
وقع قدم لوسيان اليمنى على الأرض.
ثم اليسرى.
احتكاك حذائه بالأرضية عندما غيّر اتجاهه.
صوت خافت يصدر عن النصل عندما حرّك معصمه.
حتى أنفاسه، التي كانت تبدو هادئة في البداية، أصبحت واضحة لكيرا كلما اقترب منه.
كيرا في نفسه: وجدتك...
كان فهد يتابع كيرا باهتمام، وقد لاحظ أنه لم يعد يحاول تتبّع حركات لوسيان بعينيه.
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه.
فهد: يبدو أنه قد فهم الأمر أخيرًا.
توقف لوسيان على بعد خطوات قليلة من كيرا، ثم أمال رأسه باستغراب.
لوسيان: ما زلت واقفًا؟! حسنًا، لا بأس.
انخفض جسده قليلًا، وثبّت قدميه على الأرض.
لوسيان: لنرَ كم ستصمد إذن!
انطلق لوسيان بأقصى سرعته!
اندفع إلى الأمام، موجّهًا طعنة نحو بطن كيرا، لكن الأخير حرّك قدمه إلى الخلف في اللحظة المناسبة، فتجاوز النصل جسده دون أن يلمسه.
اتسعت عينا لوسيان قليلًا.
لوسيان في نفسه: ماذا؟!
لم يمنحه كيرا وقتًا للتفكير.
فبمجرد أن شعر بحركة لوسيان التالية، أمال جسده إلى الجانب، متفاديًا السكين الثانية التي اندفعت نحو عنقه.
مرّ النصل بمحاذاة بشرته، بينما ظل كيرا مغمض العينين تمامًا.
أحد المشاهدين: مستحيل!!!
مشاهد آخر: لقد تفادى الهجومين دون أن ينظر إليه!
لم يتوقف لوسيان.
استدار بسرعة، ثم وجّه ركلة جانبية نحو رأس كيرا، مستغلًا اللحظة التي اعتقد فيها أن خصمه لن يتمكن من قراءة هجومه التالي.
لكن كيرا انحنى إلى الأسفل، فمرّت قدم لوسيان فوق رأسه.
وفي اللحظة نفسها، سمع كيرا احتكاك قدم خصمه بالأرض عندما حاول استعادة توازنه.
كيرا في نفسه: الآن!
اندفع كيرا إلى الأمام، ووجّه لكمة قوية نحو بطن لوسيان.
بااااااام!!!
انحنى جسد لوسيان إلى الأمام، وانطلقت أنفاسه بقوة من فمه، بينما تراجع عدة خطوات وهو يمسك بطنه.
لوسيان: كـ... كيف؟!
رفع رأسه، وقد اختفت ابتسامته تمامًا.
لوسيان: كيف تمكنت من تفادي هجماتي؟! أنت لا تستطيع حتى رؤيتي!
لم يجبه كيرا.
بل ظل واقفًا أمامه، وعيناه مغمضتان، مستمعًا إلى كل حركة تصدر عنه.
لوسيان: اللعنة عليك!!!
اندفع نحوه مجددًا، لكن هذه المرة غيّر إيقاع خطواته، محاولًا إرباك خصمه ومنعه من توقّع اتجاه هجومه.
تحرك إلى اليمين، ثم اندفع فجأة إلى اليسار، ورفع سكينه استعدادًا لتوجيه طعنة سريعة.
لكن كيرا لم يعتمد على توقع اتجاهه.
لقد سمع كل شيء.
وقع القدم التي استند إليها لوسيان.
صوت احتكاك حذائه بالأرض عندما غيّر اتجاهه.
والحركة الخفيفة التي أحدثها معصمه قبل اندفاع السكين.
كيرا في نفسه: أستطيع سماعك بوضوح...
تحرك كيرا إلى الجانب قبل وصول الهجوم، تاركًا النصل يمر أمامه.
ثم تقدّم خطوة واحدة، وأمسك بمعصم لوسيان المسلّح بالسكين، وضغط عليه بقوة قبل أن يوجّه ضربة سريعة إلى مرفقه.
لوسيان: آآآه!
ارتخت أصابع لوسيان، وسقطت السكين من يده.
طنـــــن!
ارتطم النصل بأرضية الساحة وانزلق بعيدًا.
حاول لوسيان استخدام يده الأخرى، فاندفع بالسكين الثانية نحو صدر كيرا، لكن الأخير أدار جسده، وتفادى الطعنة بفارق ضئيل.
ثم وجّه ركلة قوية إلى ساق لوسيان، أفقدته توازنه.
ترنّح لوسيان إلى الجانب، وحاول تثبيت قدميه، لكن كيرا لم يمنحه الفرصة.
استدار على قدمه، ثم وجّه لكمة قوية نحو وجه خصمه!
بااااااام!!!
اصطدمت القبضة بوجه لوسيان، فاندفع جسده إلى الخلف وسقط على الأرض.
تدحرج قليلًا قبل أن يتوقف، بينما انزلقت السكين الثانية من يده.
حاول النهوض، لكنه لم يتمكن من ذلك في محاولته الأولى.
لوسيان: تبًا...!
وضع إحدى يديه على الأرض، محاولًا دفع جسده إلى الأعلى، لكن كيرا كان قد وصل إليه بالفعل.
وقف أمامه، ثم وجّه ركلة قوية إلى جانبه، دافعًا إياه إلى الاستلقاء مجددًا.
بووووم!
ارتطم جسد لوسيان بالأرض، وانحبس صوته في حلقه للحظة.
حاول التحرك، لكن الألم والإرهاق جعلاه عاجزًا عن استعادة وقفته.
أما كيرا، فظل واقفًا أمامه، يلتقط أنفاسه بصعوبة.
كانت عيناه لا تزالان مغمضتين.
كيرا في نفسه: انتهى الأمر...
رفع كيرا رأسه قليلًا، ثم فتح عينيه ببطء.
كانت رؤيته لا تزال مشوشة، لكنه لم يعد بحاجة إليها لتحديد مكان خصمه.
كيرا: آه، لقد وعدتك بتحطيم فمك أليس كذلك؟
لوسيان و هو يتنفس بصعوبة: لا....لا تفعل أرج.....
بوووووووم!!
وجه كيرا لكمة مباشرة إلى فم لوسيان محطما إياه ما أدى إلى فقدانه الوعي.
ساد الصمت في الساحة لثوانٍ معدودة.
ثم دوّى صوت المعلّق:
المعلّق: ل... لقد انتهى القتال!!!
توقف للحظة، وكأنه لم يستوعب ما حدث للتو، قبل أن يرفع صوته معلنًا النتيجة.
المعلّق: الفائز في القتال الثالث... المجهول، لوكا!!!
انفجرت الساحة بالصيحات والتعليقات المتداخلة.
أحد المشاهدين: مستحيل! لقد فاز رغم السم!
مشاهد آخر: بل إنه هزم لوسيان فروست بعد أن أغمض عينيه!
مشاهد ثالث: من يكون هذا الرجل بحق الجحيم؟!
أما كيرا، فلم يهتم بالضجيج المحيط به.
ألقى نظرة أخيرة على لوسيان، ثم استدار مبتعدًا عن خصمه، محاولًا الحفاظ على توازنه رغم تأثير السم الذي لا يزال يسري في جسده.
في الشرفة الخاصة بالزعماء الأربعة...
كان سليم يحدق في الساحة بعينين متسعتين، وكأنه لم يصدق النتيجة التي سمعها للتو.
الزعيم سليم: هاه؟!
ظل صامتًا للحظات، ثم أشار إلى كيرا بذهول.
الزعيم سليم: ل... لوكا فاز؟! لقد هزم لوسيان فروست فعلًا؟!
لم يستطع إخفاء صدمته، فقد كان يتوقع أن تكون المواجهة قصيرة، لكن ليس بهذه النتيجة.
الزعيم عمر: يبدو أن هذا الفتى أكثر إثارة للاهتمام مما توقعت.
أما ماغنوس، فظل يراقب كيرا بصمت، دون أن يُظهر ما يدور في ذهنه.
في المقابل، أطلق ألاريك تنهيدة مستاءة، ثم تمتم بصوت منخفض، بالكاد يُسمع:
الزعيم ألاريك: تسك! تجربة فاشلة أخرى.