فتحت ميار باب البيت بقوة، دخلت بخطى متوترة، تصعد الدرج بسرعة، وقلبها يغلي بأسئلة لا تريد لها جوابًا… وهناك، عند أعلى الدرج، وجدته… تيم، جالس على العتبة، غارق في التفكير، يحمل ملفًا بيده، وكأن العالم لا يعنيه… نظرت إليه بعيون امتلأت خذلانًا، وقالت بصوت مرتجف:
ـ لماذا لم تخبرني؟
رفع عينيه نحوها باستغراب، لكنه لم يحتج وقتًا ليفهم. تنهد، ونهض واقفًا أمامها، وقال:
ـ لأنني كنت أعلم أنك لن تقبلي…
صرخت، والدموع في عينيها:
ـ رغم أنك تعلم أنني لن أقبل، قبلت أن تكون محاميه؟! دافعت عنه؟! هل نسيت أنه قتل عائلتي، تيم؟! أمي… أبي! هل هذا لا يعني لك شيئًا؟!
اقترب منها خطوة، وصوته هادئ لكنه حازم:
ـ ميار، أنا لم أدافع عنه لأنه أخي، بل لأنني تأكدت من براءته. التهمة التي حوكم بها لم يكن هو فاعلها…
ـ لا تهمني الحقائق الآن! ما يهمني أنك اخترت أن تقف بجانبه، وأنا هنا… أنا التي فقدت عائلتها بسببه…
صمت، لم يجد ردًا يشفيها، ولا كلمة تُقنعها… اقتربت منه أكثر، والدموع تُبلل وجهها:
ـ تيم، إن كان الأمر بيني وبينه… فاختر.
نظر إليها مجروحًا، كأن كلماتها تمزقه من الداخل… فقالت بنبرة نهائية، وهي تبتعد:
ـ إما أنا… أو أخوك.
ثم صعدت الدرج بخطوات ثقيلة، تاركةً تيم واقفًا هناك… وحده، بين صدى قرار لم يكن يومًا مستعدًا لاتخاذه.
في الأعلى، كانت لميس واقفة عند زاوية الدرج، وقد سمعت كل شيء… كل كلمة خرجت من فم ميار، وكل ذرة ألم تسربت من صوت ابنها. وما إن رأت ميار تصعد بخطى مجروحة، حتى تقدّمت نحو تيم، الذي ظل واقفًا بلا حراك، كأن جزءًا منه انكسر ولم يعد قابلًا للجبر.
وضعت يدها بلطف على كتفه… لم يتكلم، فقط أدار وجهه نحوها، ونظر في عينيها للحظة، ثم انهار بصمت على كتفها. ولأول مرة منذ سنوات، سمح لنفسه أن يكون ضعيفًا بين يديها. انهمرت دموعه بهدوء، بينما كانت لميس تربّت عليه بحنان الأم القديم، الدافئ.
وفي داخلها، ارتسمت ابتسامة خفية… ابتسامة انتصارها الصامت
في صباح اليوم التالي، كان سيفار يقود سيارته عبر أحد شوارع “ثتريت”، شاردًا في أفكار متداخلة، حتى لفتت انتباهه فتاة تمشي على الرصيف المقابل… أوقف السيارة فجأة، واتسعت عيناه بدهشة.
نعم، إنها الفتاة نفسها التي اصطدم بها عند باب المحكمة… لكنها الآن بدت مختلفة تمامًا.
كانت تسير بخطى هادئة وواثقة، وكأن الأرض تحفظ وقع قدميها عن ظهر قلب. ترتدي بنطال جينز داكن، وفوقه جاكيت جلدية سوداء غير لامعة. حذاؤها الرياضي أبيض، مرن، وقديم قليلًا… لكنه نظيف. شعرها الطويل مرفوع إلى الأعلى بربطة بيضاء بسيطة، تنسدل منها خصلات قليلة تلامس عنقها بخفة وتخفف من حدّة ملامحها. كانت تضع نظارات طبية بإطار رفيع، تمنحها ذلك المزيج النادر بين الذكاء والهدوء. عيناها واسعتان، فيهما دهشة الطفولة، لكن في العمق شيء آخر… شيء لا يُروى بسهولة.
على معصمها الأيسر ساعة رقمية صغيرة، وعلى كتفها حقيبة ظهر قماشية باهتة اللون… كأنها تتعمد ألا تترك خلفها أثرًا، ومع ذلك، أينما مرت، تترك انطباعًا لا يُنسى.
كانت تضع سماعات أذن بيضاء، وتتحرك بخفة في الزاوية، تراقب شابًا مريبًا يهمس لرجل يبدو عليه التوتر، يناوله شيئًا صغيرًا…
حدق سيفار بانتباه… وفجأة، لمح الشاب نظرتها، وتجمدت اللحظة.
أخرج الشاب سلاحًا صغيرًا, في جزء من الثانية، نزعت سماعتها، التفتت حوله وأخذت السلاح بلمسة واحدة، وركلته بعيدًا. أسقطته أرضًا، وقيدت يديه بسرعة مذهلة. ثم أخرجت من جيب سترتها بطاقة تعريف ورفعتها أمامه:
ــ جهاز مكافحة الجريمة المنظمة – وحدة التدخل السري.
قيدت يديه باحتراف، وضغطت على الزر في سماعتها:
ــ الوحدة 6-14، تم توقيف الهدف. أرسلوا الدعم فورًا.
جلس سيفار في سيارته مذهولًا، وعيناه لا تفارقها. فتاة غامضة، قوية، تعرف ما تفعل… وجميلة بنوع من الجمال الخطر، الذي لا يبقى في مكان واحد.
ابتسم ببطء، وقال للسائق:
ــ تابع السير يا عمر… هذه المدينة تخبئ مفاجآت أكثر مما توقعت…
وصل سيفار إلى مبنى الأرشيف القضائي المركزي التابع لوزارة العدل، لكنه لم يتجه إلى المدخل الرئيسي، بل انزلق بهدوء نحو الباب الخلفي، حيث لا كاميرات، ولا موظفين فضوليين. الهواء هناك كان ثقيلًا برائحة الأوراق القديمة والغبار، ومزيج من الصمت المشوب بالريبة.
انتظر قليلًا، إلى أن فُتح الباب من قبل رجل يرتدي زيّ الحراسة، لكن دون شارة رسمية. لم يتحدث، فقط مدّ له مفتاحًا صدئًا وورقة صغيرة مطوية، كُتب عليها رقم مكوّن من خمسة أرقام. نظر إليه سيفار دون سؤال، وقبل أن ينطق بشيء، أنزل الحارس قبعته إلى ما دون عينيه، وأدار ظهره ليرحل، كما لو أنه لا يريد أن يُعرف أنه كان هناك.
دخل سيفار وحده، وخطا داخل ممر طويل بارد، تتراص على جانبيه الخزائن المعدنية الرمادية، تعلوها طبقات من الصمت والسرية. كانت الإضاءة خافتة، تكاد تكون مقصودة، وكأنها تحجب ما لا يجب أن يُرى. تنقل بعينيه بين الأرقام حتى وصل إلى الخزانة المطابقة للرقم المدون في الورقة.
أدخل المفتاح ببطء، وبيدٍ مرتجفة، فتح القفل، ليجد أمامه صندوقًا أسود صغيرًا، خُطّ على غطائه بخط يدوي:
“ملف الجناية رقم 8471-أ / الجهة: ثِتريت / السنة: 2005”
فتح الصندوق، فظهرت أمامه مجموعة صور قاتمة لمسرح الجريمة: بقع دم على أرضية حجرية، مسدس يحتوي على رصاصتين، وملاحظات بخط اليد تشير إلى زوايا السقوط ومسار الطلقات.
توقفت عيناه على صورة معيّنة… امرأة مستلقية على الأرض، وإلى جانبها رجل. كانت أمه بالتبني “ثاليا”، وأبوه “سامر”…
أخذ نفسًا عميقًا، ثم سحب الصورة ووضعها في حقيبته الجلدية بعناية. تابع البحث حتى وصل إلى ورقة بيانات المتهم.
كان الاسم مختلفًا… ليس هو، وليس من ارتكب الجريمة.
الاسم: جورج.
تمعّن في ملامح الصورة، ثم مزّق الورقة ببطء… قصّها من المنتصف، ثم أعاد النصفين إلى داخل الصندوق، كأنّ شيئًا لم يكن.
أغلق الغطاء، أعاد المفتاح مكانه، وألقى نظرة أخيرة على رفوف الملفات الممتدة أمامه. كم من الأبرياء وُرّطوا؟ وكم من القتلة مشوا أحرارًا؟
خرج من الغرفة بخطوات ثابتة، السيارة كانت بانتظاره في الظل. فتح الباب الخلفي، دخل دون كلمة، ليغلقها السائق بهدوء، وتنطلق العجلات على الإسفلت كما لو لم يُطأ المكان يومًا.
في الجانب الآخر من المدينة، عاد تيم إلى البيت قبل أن يستيقظ أحد. خطواته كانت هادئة، مثقلة، كأنها تحمل أكثر من جسده… كأنها تجرّ خلفها كل ما مرّ به مؤخرًا. فتح الباب بهدوء، ليجد جده رائد جالسًا في الصالة يحتسي قهوته بصمت. دون كلمات، أشار له بالجلوس، وقال بنبرة دافئة، لكنها مثقلة بالتجارب:
ــ يا بني، الخلافات بين الأزواج لا تُفسد الودّ إن كانت القلوب صادقة… لا تُغلق الأبواب على من تحب، فربما الندم يأتي متأخرًا.
نظر تيم إلى وجه جده، ثم إلى فنجان القهوة بين يديه، وقال بصوت خافت:
ــ وماذا لو كانت النار مشتعلة في قلبين؟ كيف تطفئها؟
ساد الصمت بينهما لوهلة، كأن كل منهما يبحث عن إجابة لا يملكها.
بعد المحادثة، نهض تيم، واتجه نحو المطبخ. جهّز صينية فطور أنيقة، بها كوب عصير، وقهوة، وبعض الفطائر التي أعدها بنفسه. دخل بها إلى غرفة ميار بخطوات مترددة.
كانت لا تزال نائمة، لكن ما إن فتحت عينيها ورأته، حتى ابتسمت بعفوية، كأنها نسيت للحظة كل شيء
ـ صباح الخير… أنا سعيدة، سعيدة لأنك عدت… لأنك اخترتني.
جلس بجانبها بصمت، ثم قال بنبرة هادئة لكنها واضحة:
ـ لم أختر… فقط تقاسمت الأشياء بيننا. هو أخي، وأنتِ زوجتي. لا مكان للاختيار بينكما… فقط الألم.
تبدلت ملامح ميار، نظرت إلى الصينية ثم دفعتها جانبًا برفق، لم تلمس شيئًا. صمتت، ثم قالت:
ـ لا أستطيع أن أستمر وكأن شيئًا لم يحدث…
ـ وأنا لا أستطيع أن أنسى بأنه أخي.
ـ أخوك؟! تيم، إنه قاتل! قتل والديَّ… أتظن أن كلمة “أخي” تُبرر كل شيء؟
ـ لم أبرر، ولم أدافع عنه… ولكن لا أستطيع أن أتجاهل أنه أخي.
ـ لم تدافع عنه؟ أتمزح؟! ألم تكن محاميه البارحة؟ ألم تُخفِ عني أنك كنت السبب في خروجه من السجن؟!
ـ لم يرتكب الجريمة… أنا دافعت عنه لأنه بريء.
ـ أظنك لا تفهم ما أقصده…
ـ وهل أنتِ تفهمين ما أقصده أنا؟
ثم نهضت ميار من السرير، وقفت أمامه بثبات، تنظر إليه بعينين غارقتين في الحزن، ثم قالت بنبرة حاسمة لكنها خافتة:
ـ لنُطلّق، تيم…
سقطت الكلمة كصاعقة بينهما، لكنها لم تتحرك، ولم تغادر. حدّق تيم بها مذهولًا، نهض فجأة، وصوت الكرسي ينزلق على الأرضية، وقال بصوت مبحوح غاضب:
ـ الطلاق؟… سهل هكذا بالنسبة لكِ؟
ـ ليس سهلاً… لكنه أوضح من العيش وسط كذبة، من أن أشارك حياتي مع رجل يدافع عن قاتل والديّ.
ـ إنه أخي يا ميار…
ـ ولكنه قاتل في نظري… تيم، زواجنا كان شكليًا، تزوجتك لأحمي نفسي، لكنك الآن لم تعد تحميني…
ـ ألم تحبيني يا ميار؟
ـ الحب وحده لا يكفي… علينا أن ننهي الأمر، فمصالحنا باتت متضاربة.
انسحب تيم من الغرفة دون أن يضيف شيئًا، بينما ضمير ميار كان يئنّ بسبب الكلمات القاسية التي تفوّهت بها.
في مكان آخر، داخل إحدى العيادات الطبية في المدينة، جلس رجل في أواخر الأربعين من عمره أمام الطبيبة يارا، واضعًا قبعته بجانبه. كانت ملامحه هادئة، لكن في عينيه ظلٌّ لشيء أعمق… شيء لم يُحكَ بعد.
قالت يارا بصوت دافئ:
ـ يبدو أنك أفضل حالًا اليوم، سيد سنان… أرى الهدوء في نبرة صوتك.
ـ الهدوء؟ (ابتسم بسخرية خفيفة) ربما لأنني فعلتها.
ـ فعلت ماذا، تحديدًا؟
ـ قتلت الحقيقة… أو ربما أعطيتها ما تستحق.
ـ هذا كلام كبير… الحقيقة ليست شخصًا. هل تود أن تشرح أكثر؟
ـ كانت الحقيقة طفلًا ضعيفًا في داخلي… يبكي منذ عشرين عامًا. صرخت عليه كثيرًا، تجاهلته كثيرًا… لكن بالأمس فقط، صمت إلى الأبد.
ـ هل يمكنني تفسير صمتك على أنه رضا؟ أم نوع من الانتقام؟
ـ ربما كلاهما… أو لا شيء منهما. لم أعد أثق بالتفسيرات. أنتِ تحاولين فهمي بعين العلم، وأنا أحاول النجاة بعين التجربة.
ـ والنجاة ثمنها دائمًا باهظ. ما الذي فقدته لتصل إلى هنا؟
ـ ضميري… أو ما تبقّى منه.
ـ وهل ما زلت تبحث عنه؟ أم جئت لتدفنه هنا؟
ـ لو كنت أنوي دفنه… لما جئت.