NOVELFLEX

أمي التي لا أعرفها

حين خانني نسبي · بقلم hiba tslgt

أغلق الجد الباب خلفه بهدوء، والدهشة لا تفارق عينيه، كأن الزمن عاد إلى الوراء. كانت تقف أمامه، منهكة، ملامحها تشي بما مرت به، لكنها كانت هي… ابنته التي اعتقد أنها تلاشت من هذا العالم…

أمسك بيدها المرتجفة، وأدخلها إلى الداخل كمن يمسك بحلم يخشى أن يتبخر. جلسا على الأريكة العتيقة التي ما زالت تحتفظ برائحة الماضي، ولم يتفوّه بكلمة للحظة. فقط كان يتأملها، كما لو أنه يحاول أن يثبت لنفسه أنها ليست وهمًا آخر من أوهام الحنين… ثم همس بصوت مبحوح:

ــ أين كنتِ؟ لماذا اختفيتِ كل هذه السنوات؟ أتدرين كم من الليالي بكيت فيها؟ كم مرة حلمت أن تطرقي هذا الباب؟

ظلّت صامتة، عيناها تمتلئان بالدموع، نظرتها تائهة، وكأنها تحاول أن تجمع شتات الكلمات في صدرها، لكنها تعجز… رفعت نظرها إليه، وابتسمت ابتسامة باهتة، لا تحمل فرحًا بل ألمًا دفينًا:

ــ هل… هل هما بخير؟ تيم… ياسر؟

رفع الجد يده ومسح دموعه ببطء، ثم نظر إلى ابنته نظرة تخترق السنين، وقال بنبرة حزينة:

ــ تيم فقط… هو من كبر بين أيدينا.

ارتجفت شفتاها، وهمست بصوت بالكاد يُسمع:

ــ ماذا تعني؟… أين ياسر؟

ــ لم نره منذ أن رحلتِ… اختفى من حياتنا كما اختفيتِ أنتِ…

ــ كيف اختفى؟ لا يمكن…

ــ هذا ما قاله تيم…

انحنت فجأة، وضمت والدها، وكأنها تعتذر عن كل شيء في لحظة واحدة. وبكى كلاهما، صامتَين، لكن الدموع كانت تخبر بقية القصة….

أمسك رائد الهاتف بيدين مرتجفتين من وقع اللحظة، وضغط على اسم “تيم” في سجل المكالمات، وما إن سمع صوت ابنه حتى قال بعجلة:

ــ تيم! أنا قادم إليك حالًا، هناك أمر لا يمكنني قوله على الهاتف…

لكن صوت تيم جاء سريعًا، قاطعًا:

ــ لا، لا تفعل. الطريق طويل ومتعب، وأنت لم تعد تحتمل مثل هذه المسافات. أرجوك، ابقَ حيث أنت. سأأتي أنا وميار عندما أتفرغ من العمل.

تردد رائد، ثم قال بنبرة خافتة لكنها مشبعة بالإصرار:

ــ لكن الأمر لا يُحتمل. يجب أن تعرف… أن ترى… شخص سيأتي معي.

ــ من؟ من الذي سيأتي معك؟

ــ مفاجأة…

في الصباح الباكر، كان رائد يربّت على كتف ابنته لميس وهما يتقدمان نحو القطار المتجه إلى مدينة “تثريت”. الحقائب الصغيرة كانت تحمل ذكريات، والقلوب تحمل ما هو أثقل منها.

جلسا قرب النافذة، ولم يتبادلا الكثير من الكلمات، فكلاهما يعرف أن ما ينتظرهما هناك… يتجاوز القدرة على التعبير.

وصل القطار إلى المدينة مع أولى نسمات النهار، وكان تيم واقفًا عند الرصيف، بوجهه الجاد وعينين تتفحصان المارة…

حين لمح رائد، اقترب منه بخطى ثابتة، صافحه ثم عانقه بخفة. لكن ما إن التفت تيم قليلاً حتى تجمّد… فقد وقفت هناك امرأة بملامح الزمن، بعينين يعرفهما رغم الغياب…

أمه.

تقدمت نحوه، ولم تنطق بكلمة. فقط فتحت ذراعيها واحتضنته، كأنها تحاول استرجاع الزمن الذي ضاع بينهما.

بقي تيم ساكنًا، جسده محتضن، لكن يديه لم تتحركا، وعيناه تنظران بعيدًا، وصدره يختنق بأسئلة لم تجد لها إجابة بعد…

همست لميس، بقلب أم لا بقلب امرأة:

ــ تيم… أنا آسفة…

لكنه لم يجب، فقط أومأ بخفة، كأنه يحاول ألا يكسر صمته، ولا يصدق هذا الاحتضان الذي ظن يومًا أنه لن يحدث أبدًا.

ثم تراجع بخطوة، وأشار نحو السيارة بهدوء:

ــ دعونا نذهب، الطريق طويل…

كانت ملامحه باردة، وابتسامته غائبة. فمهما حاول أن يكون كما كان، شيءٌ في داخله ما زال يرفض التصديق… يرفض الغفران بسهولة.

عندما وصلوا إلى بيت تيم، كانت ميار في استقبالهم، وجهها يفيض بالترحاب وابتسامتها تدفئ الأجواء.

بادرت بفتح الباب بلطف، واستقبلت رائد ولميس بحرارة، وسارعت إلى إعداد الشاي وتقديمه بنفسها، ثم جلست برفقتهم لتكسر حرج اللقاء الأول.

أشار تيم لها بعينيه بخفة، ثم قال بهدوء:

ــ ميار، تعالي معي للحظة…

دخلا إلى الغرفة المجاورة، وأغلق الباب خلفهما، فقال تيم بصوت خافت، كأنما يواجه نفسه أكثر مما يخاطبها:

ــ تلك المرأة… إنها أمي…

تفاجأت ميار، وهمست بدهشة:

ــ ألم تقل إنها هجرتك؟

أومأ تيم برأسه، وعيناه شاردتان، وكأن الذكرى أثقل من أن تُروى…

عاد الاثنان إلى غرفة الجلوس، حيث كانت نظرات رائد تتنقل بين تيم ولميس، تحمل مزيجًا من الشوق والخذلان…

ثم نهض الجد وقال بهدوء:

ــ نترككم قليلاً… أنتم بحاجة لبعض الوقت وحدكم…

أخذ ميار معه، تاركًا تيم وأمه وجهًا لوجه، في صمت تتكلم فيه العيون، ويهتز فيه جدار الغياب…

اجتاح الصمت الغرفة، صمتٌ ثقيل، كأن الهواء نفسه توقف عن الدوران.

جلس تيم على طرف الأريكة، نظراته مسمّرة على الأرض، بينما كانت لميس، والدته، تكتفي بتأمل ملامحه بصمتٍ مشوب بالندم.

رفع عينيه أخيرًا وسألها بصوت منخفض لكنه حاد:

ــ أين كنتِ؟

لم تجب. فعاد يسأل، ورفع صوته قليلًا، مترددًا بين الغضب والانكسار:

ــ أسألك… لمَ لا تجيبين؟!

مرت لحظة طويلة قبل أن تهمس بنبرة بالكاد تُسمع:

ــ كان عليّ الرحيل… كان عليّ التفكير…

ــ هل تعين ما تقولين الآن؟

ــ مرض والدك… المسؤوليات التي أصبحت على عاتقي… كلها تحولت إلى أعباء لا أستطيع تحمّلها…

ــ أبي مات…

ــ كيف؟ هل… تدهورت حالته بسبب المرض؟

نظر تيم إلى عينيها مطولًا، لكنه لم يلمح ولو شيئًا بسيطًا من الدهشة:

ــ هل كنتِ تعرفين؟

ــ بالطبع لا…

ــ هل رحلتِ من أجل راحتك؟ أتعلمين كم ليلة بكيتُ فيها حتى نمت؟ كم مرة طرقت باب غرفتك ولم أجدك؟… كنتُ أعدّ الأيام لأخبرك عن درجاتي، عن أول أصدقائي، عن أول مرة شعرتُ بالخوف… ولم تكوني هناك…

هل فكرتِ يومًا كيف كانت حياتي دون أم؟ دون حضن؟

كلما رأيتُ طفلًا يمسك يد والدته، كنتُ أشعر أنني مُشوَّه من الداخل… أنني ناقص…

والآن… تعودين… كأن شيئًا لم يكن… وكأنك لم تكسري في شيئًا ما زال ينزف حتى اللحظة…

قولي لي… بأي وجه جئتِ؟ هل تتوقعين أن أناديك “أمي” وكأنك لم تغيبي لسنوات؟

هل تنتظرين مني أن أفتح لكِ باب قلبي، بعد أن أُغلق في وجهك لسنين؟

عودي بذاكرتك فقط، واسأليني كيف كبرت من دونك… كيف نضجت جراحي وصارت صلابة… لكنها ليست شفاءً، بل حائطًا بيني وبينك…

ارتجفت شفتيها، ولم تجد ما تدافع به عن غيابها سوى الدموع…

استمر النقاش بينهما، كلمات تنهمر كالسكاكين، حادة، موجعة، متقطعة بين العتب والصراخ والصمت… حتى لم يعد لتيم طاقة على البقاء.

أخذ معطفه، واتجه نحو الباب بخطواتٍ غاضبة، فتحه بقوة، ثم خرج وأغلقه بعنفٍ ترك رجفة في الجدران…

لحقت به ميار، نزلت الدرج خلفه بسرعة، وعندما وصلت إليه، وضع رأسه على كتفها بانهيار خافت، بينما هي تربّت على ظهره بصمتٍ حنون، تحاول أن تحتوي كل هذا الانكسار…

وفي الأعلى، وقف رائد خلف باب الغرفة، يراقب بصمت، ثم اقترب من ابنته لميس، ووضع يده على كتفها، وعيناه ممتلئتان بالألم، وقال بنبرة خافتة مليئة بالعمر:

ــ كان يستحق الحقيقة… لا الغياب…

وبينما كانت ميار تحاول التخفيف عن تيم، اهتز هاتفه في جيبه.

نظر إلى الشاشة، ثم أخفى الهاتف في كفه حتى لا تلمح ميار اسم المتصل، وقال وهو يبتسم:

ــ من الشركة… يبدو أن هناك أمرًا طارئًا…

لم تشكّ ميار، فأومأت برأسها وابتسمت له كعادتها، بينما هو نهض على عجل، قبّل جبينها، وغادر المكان بخطواتٍ سريعة..

في أحد المكاتب الخلفية للشركة، جلس تيم أمام شاشة المراقبة، يحدّق في اللقطات المُرممة حديثًا.

رفع مستوى الصوت وكبّر الصورة… الفيديو أصبح أوضح، والزوايا التي كانت غامضة بدأت تكشف تفاصيلها شيئًا فشيئًا…

هناك… داخل المطعم نفسه الذي زاره سيفار تلك الليلة، ظهر توقيت مطابق تمامًا لعملية التهريب التي وُجهت له، بينما هو كان يتواجد في مكان مختلف تمامًا.

ثم انتقل إلى الفيديو الآخر… تلك الشخصية التي لطالما راوغت العدسات، أصبحت ملامحها أوضح قليلًا، لكنها لم تتكشّف بالكامل بعد.

همس تيم لنفسه:

ــ هذا هو… إنه هو… هذا يكفي.

أغلق الحاسوب، وأعطى الفيديو لمارت، ثم غادر المكان بصمت ثقيل.

في المساء، عاد إلى البيت، فتح الباب بهدوء، دون أن يسلّم أو يتلفّت.

توجّه مباشرة نحو غرفته، لا رغبة له في رؤية والدته… لا أسئلة، ولا إجابات، فقط صمت.

لكن ميار، كعادتها، كانت هناك. لحقت به وفتحت الباب بلطف.

قالت وهي تقف عند العتبة:

ــ تيم… أعلم أنك تحمل فوق قلبك جبلًا من الصراعات… لكني هنا، معك، لن أتركك تنكسر وحدك.

اقتربت منه، وضعت يدها على كتفه بلطف:

ــ إذا لم يكن في وسعي أن أداوي ما مضى، فعلى الأقل، دعني أكون الجزء الهادئ من يومك… الجزء الذي يربّت على قلبك، لا يزيده وجعًا.

رفع نظره إليها… لم يتكلم.

لكن شيئًا ما في صدره انكسر، شيء طريّ كان بحاجة فقط لأن يُفهَم…

وها هو، أمامها، يهدأ قليلاً، كأن كلامها أعاده للحياة…

هدأ الجو في المنزل قليلًا، ومع هدوء الخطوات، دقّ الباب برفق.

رفع تيم عينيه، وإذا بصوت الجد رائد يأتي من خلف الباب:

ــ تيم… أيمكنني الحديث معك؟

فتح تيم الباب، فأومأت له ميار بابتسامة صغيرة، وغادرت الغرفة بهدوء.

دخل رائد ببطء، جلس على حافة الكرسي، ونظر إلى حفيده مليًّا.

قال بصوته المبحوح، المليء بالحكمة والتعب:

ــ لا أحد يطلب منك أن تنسى، ولا أن تبرّر…

لكن، في بعض الأحيان، لا يكون القلب جاهزًا لسماع التفسيرات…

هي أمك، مهما فعلت… قد تكون غابت، تأخرت، رحلت دون وداع…

لكن من نحن لنمنع فرصةً ثانية؟

الصمت لا يعيد الزمن يا بني… لكنه يضيع ما تبقى منه.

إن لم تستطع أن تسامح الآن… فلا تقفل الباب للأبد…

ثم نهض وهو يربّت على كتفه:

ــ فقط… فكر.

وخرج دون أن ينتظر ردًا.

في الصباح التالي، استيقظت ميار لتجد ورقة صغيرة موضوعة على الطاولة، بخطّ يد تيم:

“إلى أكثر من يهدئ فوضاي…

ذهبت إلى العمل، لا تقلقي، سأعود قبل المساء.”

ابتسمت وهي تضع الورقة قرب قلبها، ثم نهضت وبدأت بإعداد الإفطار لها ولمن معها…

في الجهة الأخرى، كان تيم قد وصل إلى المحكمة.

دخل القاعة بثبات، يحمل في يده ملفًا صغيرًا وشريطًا مصوّرًا.

وقف أمام القاضي، بثقة المحامي لا بحيرة الرجل:

ــ سيدي القاضي… يشرفني أن أقدّم أمامكم اليوم دليلًا ماديًا جديدًا يُثبت براءة موكلي بشكل قاطع، أو على الأقل يُثير شكا معقولًا لا يمكن تجاهله.

هذا الشريط المصور، المأخوذ من كاميرات مطعم “الساعة الرملية”، يُظهر وجود موكلي في ذلك المكان بتاريخ وساعة تتطابقان تمامًا مع وقت تنفيذ عملية التهريب المزعومة…

صحيح أن ملامح الشخص في الفيديو ليست شديدة الوضوح، إلا أن الأدلة الداعمة — من توقيت التسجيل، وشهادات العاملين، وسجلات الدفع — تؤكد جميعها أن الشخص الظاهر في التسجيل هو موكلي.

وبالتالي، نلتمس من عدالتكم قبول هذا الشريط كدليل نفي، وطلب إجراء تحليل تقني لتعزيز الوضوح البيومتري للفيديو إن اقتضى الأمر، مع استدعاء الشهود عند الحاجة…

إن التمسك بتوجيه الاتهام في ظل وجود هذا الدليل، يفتقر إلى الإنصاف… وشكرًا سيدي القاضي.

تبادل القاضي وأعضاء المحكمة النظرات، وأعلن بعد بضع دقائق من المداولة:

ــ بعد الاطلاع على الأدلة المقدّمة، بما في ذلك التسجيل المصوّر، وبالنظر إلى غياب الدليل القاطع الذي يربط المتهم مباشرة بالجريمة، فإن المحكمة ترى أن الشك لا يزال قائمًا، واليقين مفقود…

وعليه… يقرر قاضي التحقيق حفظ الملف مؤقتًا، والإفراج عن المتهم، مع إسقاط المتابعة، ما لم تظهر قرائن جديدة…

وقف سيفار، مشدوهًا… التفت نحو تيم وسار نحوه بحماس، ثم ضمّه بقوة…

لكن تيم، رغم كل شيء، لم يردّ العناق.

عيناه بقيتا معلّقتين في الفراغ… وقلبه في مكان آخر.

ابتعد بخطوات صامتة، تاركًا القاعة، وكأن شيئًا لم يحدث.

غادر سيفار قاعة المحكمة بخطوات متثاقلة، يتبعه مساعده بصمت يشبه ظله.

وبينما كان يعبر باب الخروج، اصطدم بفتاة غريبة لم تحاول حتى الاعتذار.

نظراتها كانت حادة، وملابسها الرسمية توحي بأنها شرطية، لكنها لم تكن تحمل سلاحًا، ولا شارة، ولا أي دليل يؤكد هويتها.

نظر إليها لحظة، لكنها لم تمنحه أكثر من لمحة خاطفة قبل أن تتابع طريقها.

هزّ رأسه باندهاش خافت، ثم تابع السير نحو سيارته، ومنها إلى المنزل.

هناك، بين جدران الوحدة، جلس يحدّق في الهاتف…

تردّد، ثم ضغط على زر الاتصال باسمٍ لم يُمحَ بعد من ذاكرته: ميار.

على الطرف الآخر من المدينة، لمحت ميار الرقم، فتجمّدت أصابعها لوهلة، ثم أغلقت الخط فورًا، وكأنها تغلق بابًا موصدًا على ماضٍ لا تريده أن يعود…

بعد لحظات، وصلتها رسالة قصيرة:

“أرجوكِ، أحتاج أن أراكِ… الأمر مهم، لن أطلب شيئًا آخر بعدها…”

ترددت كثيرًا، لكنها في النهاية استسلمت لفضولها… وربما لشيء آخر أعمق.

التقيا في مكان بعيد عن الأعين، على طاولة صغيرة في ركن معزول من أحد المقاهي القديمة.

لم تتحدث، فقط جلست تنتظر ما سيقوله.

وكان سيفار أول من كسر الصمت:

ــ لم أكن أتوقع أن تحضري… شكرًا لك.

نظرت إليه ببرود:

ــ لا تطِل… ماذا تريد

خفض عينيه قليلاً وقال:

ـ أعلم أن وجودي أمامك الآن خطيئة، أعلم أنكِ أصبحتِ زوجة أخي، وأن الحديث إليك بهذا الشكل يُعد جريمة أخرى… لكن ما بداخلي أثقل من أن يُسكت. لن أطلب شيئًا، لا فرصة، ولا غفرانًا… فقط اصغي لي، لمرة واحدة، ثم امضِ كما تشائين…

عدل سيفار من جلسته، ثم بدأ الحديث:

ـ نعم، أحببتك، أحببتك قبل أن أفهم معنى الحب، قبل أن أتعلم كيف يحب رجل مكسور. أحببتك بصمت، حتى حين سمعت أنكِ أحببتِه هو، لا أنا… لكنه الآن زوجك، وسيبقى كذلك، وأنا؟ لا أملك سوى الانسحاب، أجرّ قلبي ورائي كما يجر السجين قيوده، وأصمت… لأن لا صوت يعلو فوق رابطة الدم والشرف. لكن ذلك لا يمحو الحقيقة، ولا يطفئ ما أشعر به… قد أبدو قاسيًا في نظرك، متقلّبًا، جافّ النظرات، لكن تلك القسوة كانت درعًا فقط. كل ما مررت به، كل ما فقدته، كل ما عشته، صاغني بهذه الطريقة. لستُ حجرًا، فقط كنت خائفًا أن ينهار ما بداخلي أمام أحد…

والآن، آن الأوان لأقول كل شيء… نعم، أنا قتلت والدك ووالدتك. لم أعد أهرب من ذلك. يمكنني أن أمثل أمام القاضي مرة، واثنتين، وعشرًا… ليأخذوا ما تبقى من حريتي. لكنني أرجوك، فقط أمهليني وقتًا… ليس لأجل نفسي، بل لأجل ما تبقى مني. دعيني أصلح شيئًا، أي شيء، قبل أن يُغلق الباب خلفي نهائيًا…

لكن قبل أن تصدري حكمك، دعيني أروي لكِ حكايتي الحقيقية، لا تلك التي تُروى عني…

كنت صغيرًا، ضعيفًا، ومكسورًا من الداخل. كنا، أنا وأخي وأمي، نذهب يوميًا لزيارة والدي في المستشفى، ربما أخبرك تيم بالسبب. وذات ليلة، لم تذهب معنا أمي. عندما وصلنا، لم نجده، فتفرقنا لنبحث عنه. وفي طريقي، لمحت أمي تدخل إلى غرفة ما، وفجأة، ارتفع الصوت من الداخل. ركضت وفتحت الباب، فوجدت أمي تحمل سكينًا… نعم، هي من طعنت أبي. أعطتني السكين بسرعة، وهربت حين لمحت شخصًا يدخل إلى الغرفة. أظنّه كان حبيبها… دخل تيم، ورآني وأنا أمسك بالسكين… كان من الممكن أن أُتّهم بجريمة لم أرتكبها، لكن أخي حماني دون أن يسأل، دون أن يتهمني… هربت، اختفت هويتي، وضاعت طفولتي. تبنّتني عائلة رائعة، منحتني دفئًا جديدًا… لكن والدك… والدك قتلهم أمام عينيّ. قُتل أبي مرتين، وأمي مرتين… بلا رحمة، بلا مبرر. كنت أظنه قاسيًا، لكن الحقيقة كانت أفظع. والدك كان ينفذ الأوامر، لم يكن وحده. كان هناك شخص آخر، مجهول، هو من بدأ هذا الخراب…

أرجوك… امنحيني بعض الوقت. أريد أن أعرف من قتل والدي حقًا. من دفع والدك للقتل. أريد أن أعرف الحقيقة، ولو مقابل ما تبقى من عمري. بعدها، أقسم لك، سأدخل السجن بقدميّ، دون دفاع، دون كلمة، دون اسم… فقط، دعيني أرمم صوتي، لأعترف لك بصدق، لأول مرة، من أنا.

ـ تيم لا يعرف حقيقة أمه…

ـ تيم يحب أمه كثيرًا… لا أظنه سيتقبل الأمر بسهولة. من الأفضل ألا يعرف… دعيه يظن أنني أنا من ارتكبت الجريمة…

ـ هو لا يظن أنك الفاعل… وهناك شيء آخر.

ـ ما هو؟

ـ أمك… لدينا في البيت…

 ـ لميس…

ـ نعم.

ـ لماذا أتت؟ ألم يكفها ما ارتكبته؟

ـ عادت لتُصلح علاقتها بكما…

ـ إنها تمثّل… في هذه الحالة، يجب أن أخبر تيم عنها…

ـ دع الأمر الآن، وفكر فيما ستفعله… فأنا لا أنسى…

ـ حسنًا… تيم لا يجيب على رسائلي… فقط أردت أن أشكره…

ـ على ماذا؟

ـ لأنه، قبل أن يكون محاميّ… هو من أنقذني…

كأن الكلمات صدمتها، شهقة صامتة ارتسمت في عينيها، ثم نهضت فجأة، دفعت الكرسي دون أن تبالي بصوته المرتفع. نظرت إليه للحظة، ثم استدارت وغادرت المقهى مسرعة…