NOVELFLEX

بين أخٍ فقدته وأخٍ لا أعرفه

حين خانني نسبي · بقلم hiba tslgt

لم يعد الهواء في هذه المدينة كما كان… لم يكن صباحًا عاديًا، ولا حتى شبيهًا بالأمس.

في الجهة الأخرى من النافذة، كانت المدينة تمارس حياتها كأن شيئًا لم يحدث، بينما في الداخل الزمن متجمّد منذ تلك اللحظة…

منذ أن سقطت ميار بين ذراعيه، مبتسمة رغم الألم، صار كل ما حوله خافتًا، مشوشًا، وكأن حياته فقدت ترتيبها الأبجدي.

وُضعت القهوة على مكتب تيم، لكنه لم يلمسها.

رنّ هاتفه فجأة. لم يكن الرقم معروفًا، لكنه رد بسرعة، وكأنه كان ينتظر هذا الاتصال منذ زمن:

ـ لماذا أردتم قتلي؟

ـ كنا نريد ذلك فعلًا… لكن لا بأس، في المرة القادمة.

ـ من أنت؟

ـ حين تخترق الرصاصة جسدك، ستعرف من أكون.

أُغلق الخط دون أن تُضاف كلمة واحدة.

عندها رمى تيم الهاتف أرضًا، وبعثر ما على مكتبه، وكأنه يفرغ الكلمات على هيئة فوضى.

دخلت ميار في تلك اللحظة، فتفاجأت بما رأت، وسألت بقلق:

ـ ما بك؟

ـ لا شيء… تعالي، اجلسي. آسف على الفوضى، لم أكن أريدك أن تريني بهذه الحالة.

ـ تيم، هل أنت بخير؟ منذ الحادثة، وأنت غريب الأطوار. أخبرني، ما الذي يحدث؟

ـ أنا بخير، ميار. لا تشغلي بالك بي، واهتمي بصحتك.

ـ لا أستطيع أن أهتم بصحتي وأنا أراك بهذا التشتت… تفكر كثيرًا. هل هناك شيء لا أعرفه؟

أمسك تيم يدها ونظر في عينيها قائلًا:

ـ الشيء الوحيد الذي يحدث دون علمك هو الحب الذي يزرع بداخلي كلما نظرت إلى عينيك العسليتين.

ـ تحاول التهرب مجددًا…

ترك يدها ونهض يجمع الملفات المبعثرة على الأرض وهو يقول:

ـ ميار، هل أتيتِ لاستجوابي أم لرؤيتي؟

ـ لرؤيتك طبعًا… لكن حالتك الآن تقلقني.

ـ قلت لكِ، أنا بخير. لا داعي لكل هذه الأسئلة.

رن هاتف تيم مجددًا. انحنى ليأخذه عن الأرض، وهذه المرة كان المتصل معروفًا… مارت، مساعد سيفار.

ـ ماذا هناك؟

ـ سيفار يودّ رؤيتك.

ـ سبق أن قلت إن قضيته لا تستحق أن تكون من بين ملفاتي. عملي نزيه، ولا أقبل الدفاع إلا عمّن أراهم أبرياء.

ـ الأمر لا يتعلق بسيفار فقط… بل بـ “ياسر”.

اتسعت عينا تيم، لكنه كتم رد فعله وسأل بنبرة حادة:

ـ من ياسر؟

ـ أنت تعرفه أكثر مني.

ـ هل تمزح معي؟

ـ بالطبع لا، ولكن إن أردت معرفة الحقيقة، عليك بلقاء سيفار. حُدِّد لك موعد الزيارة عند الساعة الخامسة مساءً.

أغلق تيم الخط، ممسكًا الهاتف بقوة، لتسأله ميار:

ـ ماذا حدث؟

ـ علي أن أرى سيفار.

ـ لماذا؟ ألم تقل إنك لن تكون محاميه؟

ـ لا زلت على قراري، لكن الأمر هذه المرة… يخصني.

عانقها تيم، ثم غادر بسرعة دون أن يمنحها فرصة لإبداء رأيها.

ما إن غادرت المكتب، حتى اتصلت بالدكتورة يارا.

ـ مرحبًا يارا، كيف حالك؟

ـ بخير، وأنتِ؟

ـ بخير… كنت أعاني من بعض النغزات، لكن اليوم أشعر بتحسن.

ـ سيمرّ كل شيء، فقط عليكِ الالتزام بالأدوية في وقتها.

ـ حاضر… هل لديكِ وقت هذا المساء؟

ـ نعم، لكن… صوتك غريب.

ـ نلتقي وسأخبرك.

ـ حسنًا.

أغلقت ميار الخط، واستقلت سيارة أجرة مسرعة، بينما كان تيم يدخل غرفة الزيارات المحمية.

رأى سيفار من وراء الحاجز الزجاجي، وجلس أمامه قائلًا:

ـ كيف تعرف ياسر؟

أشار له سيفار أن يرفع الهاتف المثبّت على الجدار الزجاجي، لأنه عازل للصوت.

أمسكه تيم مجددًا وسأل بنفس النبرة:

ـ كيف تعرفه؟

أجابه سيفار بهدوء:

ـ أعرفه جيدًا… أكثر منك.

ـ من أين لك به؟

ـ كان شابًا جيدًا… للأسف.

أمسك تيم الهاتف بقوة، وهمس بنبرة مرتجفة:

ـ مات…؟!!

ـ لو كان ميتًا، لما كنت أحدثك الآن.

ـ إن كانت لديك معلومات، فأخبرني بها. أمامنا فقط خمس عشرة دقيقة…

ـ أنا ياسر… أنا أخوك…

أسقط تيم الهاتف الداخلي من يده، وارتد صوته على الزجاج، ثم نظر إلى سيفار مطولًا… بعدها دفع الكرسي قليلًا ونهض وهو يمسك بطرفه.

خرج من غرفة الزيارة تتقاذفه الخطى، والهواء في الممر بدا أثقل من المعتاد، كأن الجدران تضغط صدره. لم يلتفت لأحد، لم ينظر إلى السجّان، حتى ضوء الشمس المنكسر من النافذة بدا غريبًا، كأن العالم تغيّر في خمس عشرة دقيقة فقط. توقّف أمام باب الخروج، وضع يده على الحائط ليتوازن، تنفّس بعمق… لكن الهواء لم يكن كافيًا. خلفه، كان السجّان يراقبه بصمت، بخبرة العارف أن هذا الشاب لم يخرج كما دخل…

توقف تيم للحظة وهمس لنفسه:

ـ مستحيل… لا يمكن أن يكون سيفار وياسر الشخص نفسه… ياسر لم يكن هكذا… هل حقًا تحملت كل ذلك العناء لأجل شخص نشأ في الداخل؟ هل ساعدتُ في هروب سجين الآن؟!

قبض تيم يده، وهمّ بأن يلكم الحائط، لكن “مارت” أمسكه وقال:

ـ لا شيء سيتغير إذا كسرت يدك بالحائط…

ـ إذًا متى أفرغ هذا الغضب بداخلي؟!

ـ لا وقت لدينا، علينا إخراج سيفار… سيمثل أمام قاضي التحقيق غدًا، في إطار التحقيق التفصيلي بتهم التهريب…

ـ ومن قال إنني سأساعده؟!

ـ أليس كافيًا أنه أخوك؟!

ـ أخي اسمه ياسر… لا أعرف شخصًا يُدعى سيفار…

ـ أنت لا تعرف ما مرّ به سيفار…

ـ وهو أيضًا لا يعرف ما مررتُ به أنا…

رحل تيم تاركًا مارت في ذهول… التقط هذا الأخير هاتفه واتصل برقم مجهول:

ـ سيدي، لم يوافق…

ـ ذهب الآن، لكنه سيعود غدًا…

ـ لم أفهم، سيدي…

أغلق سيفار الخط، ثم وضع صورة والده إلى جواره، وبدأ يتأمل السقف بابتسامة، كأنّه يرى جمالًا لا يُرى…

في ركن هادئ من أحد المقاهي، جلست ميار مع يارا يتبادلان الحديث بلا رسميات. كانت يارا تبتسم بدفء:

ـ ماذا حدث؟

ـ كل الأحداث تحدث دفعة واحدة… لدرجة أنني لا أعرف عن أيّها أتكلم…

ـ هل فعل تيم شيئًا؟

ـ من تيم؟ لم أعد أعرفه… تغيّر كثيرًا، أصبح دائم الشرود، حتى حين أتحدث لا يسمعني…

ـ ربما بسبب العمل، أعذريه…

ـ ليس العمل، هناك أشياء أخرى تشغله…

ـ تحدثي معه… اطرحي عليه تساؤلاتك…

ـ يصل إلى البيت متأخرًا، وفي الصباح يغادر باكرًا. إن لم أذهب للشركة، فلن أراه…

وفي الجهة الأخرى، كان تيم جالسًا في صمت ثقيل داخل البيت، يحدّق في النافذة المفتوحة، وعقله يردد مرارًا وتكرارًا الجملة التي قالها له سيفار… الصدى لا يزال يرنّ في رأسه، والشكوك تنمو بداخله كأغصان متشابكة. حمل كوب القهوة بين يديه، لكنه لم يشرب، فقد كان الغليان في صدره أشد حرارة من الكوب.

في تلك اللحظة، فُتح باب المنزل بهدوء، ودخلت ميار بخطى خفيفة، لمحت وجه تيم المتوتر، ثم جلست بجانبه وقالت برقة:

ـ ماذا قال لك سيفار؟

ـ قال… إنه أخي.

تجمدت ملامح ميار، واتسعت عيناها بصدمة لم تستطع إخفاءها.

ـ ألم يكن اسم أخيك ياسر؟ كيف…؟

ـ لا يزال اسمه ياسر في نظري، لكن كل شيء يدل على أنه هو… النسب، التوقيت، الملامح… كل التفاصيل تقودني لطريق واحد: أنه بالفعل أخي ياسر…

ـ لكن الشخصية التي كنت تحدثني عنها لا تشبه شخصية سيفار أبدًا…

ـ وهذا ما يجعلني أتردد…

ـ وماذا تنوي أن تفعل الآن؟

ـ لا أعلم… لم أعد أعرف في ماذا علي أن أفكر…

أمالت ميار رأسها على كتفه برفق وقالت:

ـ لا بأس… اتبع قلبك، لكن لا تنسَ أن “سيفار” الآن ليس “ياسر”…

في الصباح، أمسك تيم بهاتفه واتصل مباشرة بـ”مارت”، بعد تفكير أنهك نفسه:

ـ ماذا لدينا؟

ـ كاميرات المراقبة التقطت بعض المشاهد التي قد تفيدنا كأدلة، لكن هناك مشكلة…

ـ ما هي؟

ـ جودة المشاهد ضعيفة، فقد صُوّرت في ظروف رؤية شبه معدومة…

ـ أرسلوا الفيديو إلى مختص في المعالجة البصرية…

ـ أرسلناه، تيم…

ـ إذًا، ما المشكلة؟

ـ المشكلة أن تحسين الجودة سيستغرق يومين… بينما سيفار سيمثل أمام القاضي اليوم…

ـ ما عليّ الآن هو تأجيل الجلسة…

ـ بالضبط…

أخذ تيم ورقة من على الطاولة، وكتب لميار ملاحظة صغيرة:

“لديّ عمل هذا الصباح، لن أتأخر… لا تنسي تناول أدويتك في الوقت.”

أخذ معطفه، وقبّل ميار على جبينها ثم خرج بهدوء… استقل السيارة وأخذ نفسًا عميقًا، بينما كان المقعد الجانبي فارغًا كقلبه في تلك اللحظة. الطريق إلى المحكمة بدا له أطول من المعتاد، وكأن الزمن يتباطأ تحت وطأة ما يحمله من توتر.

وصل أخيرًا، نزل من السيارة بثبات مدروس، ودخل من الباب الرئيسي للمحكمة بخطوات واثقة رغم العاصفة التي تعصف بداخله. على باب القاعة، لمح “مارت” واقفًا كعادته، بملامحه المتجهمة. وحين اقترب تيم، تبادلا نظرات قصيرة، ثم تبعه بصمت حتى دخلا قاعة الجلسة.

في الداخل، ساد الهدوء، وترددت همسات متناثرة بين الحضور. دقائق بعدها، وقف القاضي واستأنف الجلسة بنبرة رسمية، معلنًا استئنافها. أُعطيت الكلمة لتيم، فوقف أمام هيئة المحكمة وقال بنبرة هادئة:

ـ سيدي القاضي، نطلب تأجيل جلسة التحقيق 48 ساعة فقط، لأن الأدلة المصورة، التي تُعد جوهرية في هذه القضية، لم تُفحص بعد فنيًا، ولا يمكننا تقديم دفاع موضوعي دون الاطلاع عليها بوضوح. إن الاستعجال في الاستماع للمتهم في هذه المرحلة يُعد مساسًا بحقه في محاكمة عادلة.

ساد صمتٌ للحظة، ثم نظر القاضي إلى الأوراق أمامه، قبل أن يرفع رأسه ويقول:

ـ تم قبول طلب التأجيل… تُؤجل الجلسة إلى إشعار لاحق.

تنفس تيم براحة خفيفة، شكر هيئة المحكمة، ثم جلس، وما زال شيء من التوتر يلازمه. وبينما هو يغادر القاعة، التفت بعفوية نحو المقاعد الخلفية، فرأى سيفار واقفًا هناك، يُتابعه بصمت.

تلاقت نظراتهما للحظات قصيرة، لكنها كانت كافية لحمل الكثير… سيفار أومأ له بهدوء، كإشارة شكر أو رضا غير منطوق. أما تيم، فخرج من قاعة الجلسة دون أن ينطق بكلمة أخرى.

في هذه القرية التي نسجت فصول الحب من النظرة الأولى، واحتضنت صداقة خالدة بين خليل وتيم… في هذه الأرض التي شهدت الشهامة تنبض في كل زاوية، نعود من جديد، لا لاسترجاع الذكريات فقط، بل لنكشف أسرارًا جديدة، وأحداثًا مشوقة تحمل بين طياتها طعنات خيانة، ومشاهد من الفقد، وتداعيات قرارات لم تكن يومًا في محلها…

وفي لحظة هادئة على أطراف المساء، يُطرق باب البيت القديم الذي لطالما خبّأ بين جدرانه الحكايات. يفتحه الجد رائد بعينين أنهكهما الانتظار… ليجد أمامه وجهًا من الماضي، وجهًا لم يره منذ سنوات… ابنته.

وقفت بصمت، ودموعها تشق الطريق من عينيها. لم تقوَ على الكلام، في حين سقط الجد على ركبتيه وبكى بحرقة، يحتضنها كما لو أنه يحتضن العمر الذي ضاع، وهو يردد بصوت مرتجف:

ــ عدتِ… عدتِ يا ابنتي…

لتُفتح أبواب الماضي من جديد، ومعها تنطلق شرارة الفصل القادم…