في الجهة الأخرى من المدينة، وبين طرقاتها المتعرجة، كانت سيارة سيفار تشق الطريق بصمت. كان مستغرقًا في أفكاره، حتى لمح تيم جالسًا وحده على مقعد حجري بجانب الرصيف، رأسه منحنٍ، وكأن ثقل العالم فوق كتفيه.
أشار سيفار لسائقه “عمر” أن يتوقف. نزل من السيارة بهدوء، وتوجه نحوه، وجلس بجانبه دون أن ينطق بكلمة. فقط نظر إليه، كأن عينيه تسألانه بدل لسانه.
قال تيم أخيرًا، بصوت متعب:
ـ منذ أن ظهرت في حياتي، وكل شيء ينقلب رأسًا على عقب… ليس فقط ميار، بل أنا أيضًا. لم أعد أعرف من أكون أمامك…
ـ هل بينك وبين ميار خلاف؟
ـ لو كان شجارًا عابرًا، لما وجدتني هنا أحاول الفرار من كل شيء…
ـ أود أن أخبرك بشيء… شيء ربما سيغير الكثير.
ـ إن كان كفيلًا بأن يزيد الجراح، فلا تخبرني… لا أريد المزيد من التصدعات.
ـ أنا أعرف من حاول اغتيالك في ذلك اليوم.
ـ من؟
ـ سنان.
ـ من سنان؟
بدأ سيفار يسرد كل ما يعرفه، بتفاصيل دقيقة، عن ذلك الرجل الغامض، عن الخطط التي حيكت، عن الاسم الذي بقي يتردد في الظلال منذ سنوات…
وفي ختام حديثه، استدار نحو تيم وقال ببطء:
ـ لا تثق في أمي.
ثم نهض دون أن ينتظر ردًا، واتجه نحو سيارته، وغادر.
بعد ساعات، وفي مبنى شاهق يضم إحدى الشركات الكبرى، كان سيفار يتلقى تقريرًا من رجل أربعيني أنيق، يحمل ملامح المحققين المحنّكين. كان اسمه حسام، محقّق سابق، كلّفه سيفار بإعادة فتح القضية القديمة.
جلس حسام على الكرسي الجلدي المائل أمام المكتب، ووضع ملفًا عتيقًا أمامه. مرر أنامله على حوافه كمن يوقظ ذاكرة نائمة، ثم رفع عينيه ببطء نحو سيفار، وقال بصوت هادئ مشدود:
ـ إنها ليلة هادئة… في ظاهرها فقط.
فتح الصفحة الأولى دون أن ينظر فيها، وكأنه يحفظها عن ظهر قلب:
ـ الحادية عشرة مساءً، الثالث من مايو… المنزل في أطراف “ثِتريت”، منزل والديك. كنت في الرابعة عشرة، صغيرًا بما يكفي لتُصدم… وكبيرًا بما يكفي لتفهم.
أغلق الملف للحظة، وأسند ظهره للخلف، وتابع بصوت أشبه بالهمس:
ـ في المحضر، كُتب أنك لم تنطق بكلمة واحدة. لا صراخ، لا دفاع، لا توجيه اتهام… فقط صمت. وهذا الصمت، يا سيفار… كان أول لغز.
أعاد الملف أمامه، وأخرج صورة قديمة — جثة مغطاة ببطانية باهتة، ودم يتسلل أسفل البلاط.
ـ المتهم الرسمي؟ جورج. الرجل الذي قال حرفيًا: “أنا من فعلها”. الشرطة؟ تنفّست الصعداء. القضية أُغلقت خلال ثلاثة أيام فقط.
رفع نظره وثبّته في عيني سيفار:
ـ لكن ما لم يُكتب في المحضر… هو ما يجب أن يُقال الآن.
أخرج ورقة أخرى أكثر حداثة، تحمل شعار السجن المركزي، وعليها ختم أحمر:
ـ جورج، الرجل الذي حمل جريمتك — كما يبدو — قُتل بعد شهرٍ واحدٍ فقط من دخوله السجن. لا نزاع بينه وبين السجناء، لا سوابق عنف… قُتل بصمت، بنفس الطريقة التي سُجنت بها الحقيقة.
وضع الورقة على الطاولة، ثم انحنى للأمام قليلًا:
ـ نحن لا نبحث عن قاتلَي والديك فقط، بل عن من أمر بقتل جورج… لأنه ببساطة، من قتل جورج، قتل الحقيقة.
نهض حسام من مكانه، التقط قلمه، وأعاد إغلاق الملف بإحكام:
ـ وجهتنا الآن ليست الجريمة الأولى، بل الجريمة الثانية. فقط من قتل جورج… يعرف من قتل والديك.
ثم استدار ببطء، تاركًا خلفه غرفة مليئة بالأسئلة.
ظل سيفار جالسًا على الكرسي دون حراك، وعيناه معلقتان على الورقة الأخيرة التي تركها حسام، كأنها تحمل أكثر من كلمات… أكثر من دماء… ربما تحمل اسمه، محوه، أو خلاصه.
بعد صمت ثقيل، نهض أخيرًا، مشدود الأعصاب، لكنه حاسم، وقال بصوت منخفض:
ـ إذًا، من قتل جورج… هو من يعرف من قتل والديّ.
تنهد حسام، ثم فتح الملف مجددًا وأخرج منه مجموعة صور ووثائق قديمة، وبدأ بسرد التفاصيل:
ـ جورج لم يُقتل في زنزانته العادية، بل نُقل فجأة إلى زنزانة سرّية داخل السجن، مغلقة عن أعين الجميع. هذا النقل لم يُسجّل في أي تقرير رسمي، ولا يوجد دليل واضح عمّن أمر به.
ـ وماذا عن الزنزانة التي نُقل إليها؟ هل هناك شهود؟
ـ هذه هي المفاجأة… الزنزانة رقم 19 في الجناح “د” لم تكن مجرد غرفة حبس، بل مسرحًا لجريمة جديدة.
أخرج حسام صورة للزنزانة، ثم عرض على الشاشة لقطات من كاميرات المراقبة تمكّنوا من الحصول عليها بعد استئذان خاص:
ـ هنا، في هذه اللحظات القليلة قبل مقتله، يظهر شخص غامض يدخل الزنزانة ويخرج بعدها بدقائق.
ـ هل تعرف من هو؟
ـ لا، لكن كل ما نملكه هو رمز غريب على ملابس هذا الشخص. رمز غير مسجّل في أرشيف السجن، لكنه يُشبه ختمًا قديمًا معروفًا لدى بعض العائلات الغامضة.
ـ إذًا، علينا أن نعرف من هو هذا الرجل… لأنه مفتاح كل شيء.
بدأ الاثنان في تجميع القطع: أوراق، صور، شهادات، رسائل مشفّرة…
في الجانب الآخر، كانت ميار قد أخذت موعد جلسة الطلاق ليوم الغد. أرسلت الخبر لـتيم عبر رسالة قصيرة، كلماتها متقطعة بين الألم والقرار الحاسم. كانت تدرك أن هذه الخطوة نهاية مرحلة، وبداية لشيء جديد، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من الخوف… والندم.
حين قرأ تيم الرسالة، حلّ الصمت بينهما. كل منهما غارق في أفكاره، بينما الغد يقترب محمّلًا بأجوبة لا يعرف من منهما سيخوضها أولًا.
في صباح اليوم التالي، استعد كل من تيم وميار للقاء الأول في قاعة المحكمة، حيث موعد جلسة الطلاق. وصلا في التوقيت ذاته تقريبًا، والتقت نظراتهما للحظة صامتة، مشحونة، وكأن الكلمات توقّفت مؤقتًا.
دخلا القاعة، جلست ميار بجانب محاميها، بينما اختار تيم أن يجلس وحده، محاطًا بصمت ينتظر نطقه.
بعد قليل، دخل رائد ولميس، جده ووالدته، واستقرا في المقاعد المخصصة للحضور، يراقبان المشهد بقلوب مثقلة.
فجأة، دخل سيفار القاعة وجلس في الخلف. لم يلفت انتباه أحد، حتى رائد ولميس لم يتعرفا عليه. كان حضوره كظل خفي يتربص بالمصير.
بدأ القاضي الجلسة بصوت واضح، قائلاً:
ـ نفتح الجلسة بتاريخ 8 يوليو 2025، للنظر في ملف الطلاق بالتراضي رقم 12345/2025، بين السيد تيم والسيدة ميار.
أشير في محضر الجلسة أن الزواج بين الطرفين لم يُثمر عن أبناء، وقد عبّر الطرفان عن رغبتهما في إنهاء العلاقة الزوجية بالاتفاق، دون أي دعاوى متبادلة أو نزاعات مادية معلنة.
نؤكد أن الهدف من هذه الجلسة هو التثبت من الإرادة الحرة للطرفين، والتأكد من أن لا إكراه أو ضغط يقع على أي منهما.
الآن، نمنح الكلمة لمحامية الطرف المدعية، السيدة رنا الحسين. فلتتفضلي.
وقفت المحامية، وبصوت هادئ ومحترم أدلت قائلة:
ـ شكرًا سيدي القاضي،
أؤكد أن موكلتي، السيدة ميار، قد اتخذت قرار الطلاق بإرادتها الحرة، وبعد تفكير عميق في مصلحة الطرفين.
ورغم أن الزواج لم يدم طويلاً، فإن الطرفين توصّلا إلى قناعة مشتركة بأن الاستمرار في العلاقة لم يعد ممكنًا، بسبب غياب التفاهم العاطفي والعملي.
وقد تم الاتفاق بين الطرفين على الطلاق دون أي مطالب مالية أو نزاعات، ولا توجد التزامات متعلقة بالأطفال أو النفقة، بحكم عدم وجود أولاد في العلاقة.
نطلب من عدالتكم المصادقة على طلب الطلاق بالتراضي، وإصدار الحكم وفقًا لما تم الاتفاق عليه، لما فيه راحتهما وسلامتهما النفسية.
وبعد أن أنهت المحامية حديثها، وجّه القاضي الكلمة إلى تيم:
ـ والآن، نمنح الكلمة للسيد تيم، الذي مثّل نفسه كمحامٍ، للتعبير عن موقفه.
وقف تيم، وبصوت متماسك يحمل في نبراته الكثير من العاطفة، قال:
ـ حضرة القاضي،
أنا لا أتحدث هنا كمحامٍ فقط، بل كرجل يحمل أملاً في هذا الزواج الذي لم يمضِ عليه سوى أشهر قليلة.
قد تكون المدة قصيرة، وربما واجهنا تحديات وصعوبات، لكن هذا لا يعني أن نرمي كل شيء خلف ظهورنا ونُنهي ما بدأناه بهذه السهولة.
هي ليست فقط زوجتي من الناحية القانونية، بل الإنسانة التي اخترتها لتشاركني حياتي، والتي تمنيت أن أبني معها مستقبلاً.
أنا أرفض أن يكون الطلاق نهاية قصتنا، بهذه السرعة.
عدم وجود أطفال بيننا لا يعني أن لا فرصة لنا، بل هو ما يمنحنا مساحة لإعادة البناء، للحوار، والتفاهم.
أنا مستعد لتحمل مسؤولياتي، وإعطاء هذه العلاقة فرصة جديدة، فرصة للفهم والصبر، والعمل على تجاوز خلافاتنا.
لذا، أطلب من عدالتكم منحنا فرصة للصلح، قبل أن يصدر القرار النهائي.
شكراً لكم.
بعد مشاورات قصيرة، أدلى القاضي أخيرًا بكلمته:
ـ بعد الاستماع إلى ما قدمه الطرفان، خاصة طلب السيد تيم بمنح العلاقة فرصة أخرى، وبعد التأكد من أن الزواج لم يدم إلا فترة قصيرة…
أقرر منح الطرفين مهلة للصلح، يعيدان خلالها النظر في العلاقة، ويحاولان تجاوز الخلافات.
خلال هذه الفترة، يُطلب من الطرفين التحلي بالصبر والجدية في التواصل، ويمكنهما الاستعانة بالوساطة أو الاستشارات الأسرية إن رغبا.
يتم تأجيل إصدار الحكم النهائي بالطلاق إلى نهاية المهلة.
آمل أن تستغلا هذه الفرصة لما فيه مصلحتكما.
خرج تيم من قاعة المحكمة بسرعة، وكأن هواءها لم يعد يُحتمل، يهرب من ثقل اللحظة التي لم يستطع احتواءها. كان وجهه صلبًا، وعيناه تحملان مزيجًا من القلق والغضب، غير مدرك أن القدر يخبئ له مفاجأة أليمة.
لم يكد يخطو خطوات قليلة خارج المبنى، حتى اخترق صمت المكان صوت إطلاق نار.
الرصاصة الأولى أصابت صدره بقوة، كأنها تقتلع شيئًا من أعماقه. لم يسقط فورًا، بل قاوم، تبعتها رصاصة ثانية استقرت في ساقه، فسقط متعثرًا، عجزًا لا استسلامًا.
من بعيد، رأى سيفار المشهد يتفجّر أمامه، ركض بخطى متسارعة نحو تيم. في اللحظة التي همّ فيها بإخراج مسدسه، أوقفه مساعده مارت بإحكام، مذكّره أن هذا مكان عام، وأي تصرف متهور قد يُفاقم الوضع.
وسط صرخات الحضور ووجوه المذعورين، انكب سيفار على تيم محاولًا إيقاف النزيف، حافظ على وعيه قدر الإمكان. كانت أنفاس تيم تتقطع، ويداه ترتجفان… حياته معلّقة بخيط رفيع.
وفي غمرة الفوضى، لمح سيفار سنان، جالسًا داخل سيارته على الطرف المقابل من الطريق، يبتسم له… ثم يغادر ببطء، كأنه يُوقّع على جريمة أخرى.