NOVELFLEX

حين عاد الغائب ورحل الحاضر

حين خانني نسبي · بقلم Hiba Tslgt

قبل ساعات من الجلسة، كان سيفار غارقًا في تحقيق خاص، داخل مكتب صغير تابع للأرشيف الجنائي، رفقة حسام، المحقّق المتقاعد.

الغرفة تعبق برائحة الورق القديم، والملفات المصفرة التي تحمل ماضيًا غامضًا لم يُفكَّ بعد.

فتح حسام الملف الموسوم بعنوان: “مجزرة عائلة ثاليا وسامر”، وقال بصوت خافت وهو يحدق في الصور:

ـ الحادثة وقعت الساعة الحادية عشرة ليلاً، كاميرات الحي لم تكن تعمل.

الجيران سمعوا طلقات نارية، تلاها صمت مفاجئ.

حين وصلت الشرطة، وجدوك جالسًا أمام الجثتين، والسكين في يدك.

كنت في الرابعة عشرة من عمرك، ولم تنطق بأي كلمة.

أغلق الملف، وتنهد بعمق. جلس سيفار في كرسيه، يميل للأمام، وعيناه لا تزيغان عن الصور. قال بصوت متحشرج:

ـ كنت مصدومًا… لم أكن أعرف حتى كيف وصلت إلى هناك…

كنت فقط أريد حماية والدي من سيف.

ردّ حسام وهو يخرج وثيقة أخرى:

ـ المتهم جورج، الرجل الذي حُمِّل الجريمة…

سُجن بعد شهر فقط، ثم وُجد مقتولًا داخل زنزانته.

لم يحقق أحد بجدية في مقتله، وأُغلق الملف على أنه “شجار داخلي”.

رفع سيفار رأسه، وكانت نبرة الغضب الصامت تشوب صوته:

ـ من أرسله؟ ومن قتل والدي بالتبني؟ وما علاقتهم بأهلي الحقيقيين؟

فتح حسام ملفًا آخر يحمل ختمًا “سريًا”، وقال:

ـ قبل أيام من الحادثة، تلقى والدك بالتبني، سامر، رسالة تهديد. لم يُبلّغ الشرطة، لكنه أخبر صديقًا مقرّبًا. الرسالة كانت غريبة، تتحدث عن استعادة طفل.

شهق سيفار وقال:

ـ الطفل… أنا؟

أومأ حسام برأسه:

ـ ربما… هناك من أرادك، وأراد أن يسكت من تبنّوك. ماضيك الحقيقي يحمل أسرارًا، وسامر وثاليا دفعا الثمن.

صمت سيفار لحظة، ثم سأل بنبرة متوترة:

ـ هل لدينا خيط جديد؟

فتح حسام صورة لرجل في منتصف الأربعينات، عيونه حادة وملامحه مشوشة قليلاً:

ـ هذا الشخص كان يتردد على الحي قبل أيام من الجريمة. في سجل المكالمات لا يظهر اسمه، لكنه ظهر في أكثر من مسرح جريمة لاحقًا… بما في ذلك محاولة اغتيال تيم.

تسمر سيفار مكانه، وتذكر يوم إطلاق النار على تيم، ثم همس:

ـ سنان؟

ردّ حسام:

ـ كيف عرفت؟ نعم… نسيت أنه يعرف لميس، أمك…

صُدم سيفار، لم يستوعب تمامًا، لكن قلبه بدأ يشعر أن الشبكة تتسع، وأن الحقيقة التي ظل يهرب منها طوال حياته بدأت تظهر في أبشع صورها…

وقبل أن يغادر المكتب متجهًا إلى المحكمة لمواكبة جلسة تيم وميار، قال له حسام:

ـ احذر، الحقيقة أقسى مما تتخيل… وعائلتك ليست كما تبدو.

لمحت ميار ولميس وجدهما تيم ممددًا على الأرض، وجهه متشنج من الألم، والدماء تتسرب ببطء من جرح عميق في صدره. هرعت ميار إلى جانبه، وعيونها تفيض بالدموع، وارتعشت يدها وهي تحاول بلمسات خفيفة أن تفحص الجرح، كأنها تحاول سحب الألم من جسده بلمسة حنان.

همست وهي تحاول كتم دموعها:

ـ تيم، اصمد… أنت قوي… لا تستسلم…

لكنها لم تستطع، فانهمرت على خديها قطرات ساخنة، تعبيرًا عن الخوف الذي يعتصر قلبها.

في تلك اللحظة، أمسكت لميس بهاتفها بسرعة، واتصلت بصوت مضطرب لكنه حازم:

ـ لم نتفق على هذا! قلتَ لي بأنك ستقتله بعد أن أرحل!

ردّ صوت غامض على الطرف الآخر، صامتًا لكنه ثقيل النبرة:

ـ الوقت ليس مهمًا الآن… الموت قادم لا محالة. تأكدي من موته، وبعدها اخرجي من هناك فورًا.

أغلقت لميس الهاتف، وأخذت تنظر حولها بحذر، حين شعرت بشيء خلفها. استدارت ببطء، ولم تستطع أن تتعرف عليه، لكن الابتسامة التي علت وجهه كانت خالية من أي ودّ.

همس سيفار، وهو يمسك بذراعها بقوة غير متوقعة:

ـ لماذا عدتِ؟

تلفّتت لميس متفاجئة، وقالت بصوت مرتجف:

ـ من أنت؟

ابتسم ببرود، وقال:

ـ أنا ذلك الطفل الذي كاد أن يُتّهم بقتل أبيه…

تجمّدت لميس في مكانها، وشعرت بصدمة تعصف بها، ثم قالت بنبرة باردة وحادة، لا تخلو من الاتهام:

ـ أنتَ من قتلتَ أباك، لأنك كنتَ جبانًا.

كانت كلماتهما كالنار الباردة التي تحرق الروح. وبعد لحظة من الصمت، لعبت لميس دور الأم الخائفة، واهتدت على الفور إلى تعبير الخوف والقلق، متظاهرة بالضعف والرغبة في حماية ابنها.

في تلك الأثناء، نُقل تيم إلى المستشفى، وارتفعت أنيناته بين أجهزة التنفس وصوت الآلات الطبية، بينما ميار تقف بجانبه، غير قادرة على فك عقدة الخوف التي تشدّ قلبها.

وسط كل هذا، رنّ هاتف لميس مرة أخرى. رفعته بهدوء وقالت بصوت مسيطر:

ـ هو ما زال حيًا… لكن ثمة أمر آخر… اكتشفت أنه ليس هو مدير الشركة… ألا تذكر؟ قلتَ لي إن اسمه تيم، وقلتَ إنه قد يغير اسمه… ياسر… ابني الآخر هو سيفار، وليس تيم.

سمعت على الطرف الآخر صوتًا يقضي على أي شكّ في نواياه:

ـ أكملي ما بدأتِ… لا يهم من هو، بقدر ما يهم أنه يجب أن يموت.

أغلقت الخط ووقفت وحدها، عالقةً بين الولاء والخيانة، بين الحب والانتقام. غاصت في دوامة مشاعر معقدة، لكنها عرفت أن عليها اتخاذ قرار لن يكون له رجعة.

بعد انتهاء العملية، خرج الطبيب من غرفة العمليات وهو يحمل أخبارًا مفعمة بالأمل:

ـ العملية نجحت، والحمد لله استطعنا إنقاذه. لكن للأسف، يُسمح لشخص واحد فقط بزيارته الآن.

قفزت لميس بحماس وقالت:

ـ أنا سأدخل…

تقدّم الجد بسرعة وقال بحزم:

ـ لا، ميار هي من يجب أن تدخل، هي الأقرب إليه في هذه اللحظة.

نظرت ميار إلى لميس بابتسامة متفهمة، وقالت بهدوء:

ـ لا بأس… أنتِ الأجدر الآن.

دخلت لميس غرفة الإنعاش بخطوات مترددة، لكنها مشبعة بالعزم، فيما بقيت ميار في الخارج، متماسكة رغم قلقها.

فجأة، ظهر سيفار يحمل أكواب قهوة وهو يقترب من الباب، فسأل الجد بقلق:

ـ أين لميس؟

ردّ الجد مبتسمًا:

ـ لقد دخلت لزيارة تيم.

لكن في تلك اللحظة، سقط كوب القهوة من يد سيفار فجأة، وتناثر السائل على الأرض. توقفت حركته لثوانٍ، ثم اندفع بسرعة نحو غرفة الإنعاش، والذهول يعلو وجهه.

لحقت به ميار بسرعة، ومع وصولهما، وجدا جهاز الأكسجين مفصولًا. لم يتردد سيفار، فأعاد توصيل الجهاز بيدٍ ثابتة، ثم التفت إلى ميار قائلاً:

ـ ابقي بجانبه، نادي الطبيب حالًا!

ركض نحو الباب محاولًا اللحاق بلميس، فلاحظ أنها كانت تخرج مسرعة وتركب سيارة سوداء. قرأ رقم لوحتها بسرعة.

وقف سيفار هناك، والغضب يتصاعد في عينيه، والشك يملأ قلبه، متسائلًا عن السبب الحقيقي وراء هذا الهروب المفاجئ، وماذا تخفي هذه السيارة خلفها…

عاد سيفار إلى غرفة الإنعاش حيث كان تيم يرقد، فوجد ميار والجد جالسين بقلق. التفتت إليه ميار فور دخوله، وسألته بقلق:

ـ ما الذي حدث؟ لماذا خرجت راكضًا؟

وكان الجد يراقبه أيضًا بعينين متسائلتين.

تنهد سيفار، ونظر إلى سرير تيم لحظة قبل أن يقول بنبرة حاسمة:

ـ لميس… حاولت قتل تيم.

ساد صمت ثقيل، قبل أن ينهض الجد رائد من كرسيه ببطء، ويقترب من سيفار، ثم أمسك بياقة قميصه بعنف، يهزّه وهو يصرخ:

ـ أتدري ما تقول؟! أنت تتهم ابنتي بمحاولة قتل حفيدي! من تظن نفسك؟ من تكون أنت؟!

رفع سيفار يده بهدوء، وأمسك بكف الجد، ثم قال بصوت عميق ثابت:

ـ أنا حفيد من كان يضع الملح في القهوة…

تجمّد الجد في مكانه، وتراخت يده عن ياقة قميص سيفار، وحدّق إليه طويلاً بعينين دامعتين مرتعشتين، ثم همس بصوت متهدج:

ـ ياسر؟

أومأ سيفار برأسه، فاحتضنه الجد فجأة وهو يتمتم بصوت مكسور:

ـ للحظة، ظننت أنك لن تعود… أين كنت طوال هذه المدة؟ لقد أصبحت رجلاً لم أعد أعرفه…

ربّت سيفار على كتفه بلطف وقال:

ـ اجلس يا جدي… سأحكي لك كل شيء، لكن ليس الآن.

وخلال حديثهم، بدأ صوت من خلفهم يتكلم بلهجة مرحة مبحوحة:

ـ لو أنكم خفضتم أصواتكم قليلًا… أعتقد أنني أحتاج للراحة أكثر من قصص الحنين…

التفت الجميع، فوجدوا تيم قد فتح عينيه بصعوبة وهو يبتسم بخفة. كان وجهه شاحبًا، لكن نظرته مليئة بالحياة.

ركضت ميار نحوه، أمسكت بيده، وهمست بامتنان:

ـ الحمد لله على سلامتك… أخفتنا كثيرًا.

اقترب الجد ليأخذ بيد حفيده الأخرى، بينما جلس سيفار في ركن بعيد من الغرفة، يراقبهم بصمت… لا يزال يشعر بأنه خارج هذا الدفء.

لكن ميار نظرت إليه بطرف عينها، ثم التفتت تمامًا وقالت له بابتسامة خفيفة:

ـ ألن تقترب وتطمئن على أخيك؟

نظر تيم نحوها بدهشة، ثم أعاد بصره إلى سيفار، ومدّ يده بصمت، وكأنه يقول:

ـ تعال…

نهض سيفار ببطء، وتقدّم بخطوات مترددة نحو السرير، ثم صافح يد أخيه بحنان.

همس تيم:

ـ نحتاج فقط إلى الوقت… لإصلاح ما مضى.

في هذه اللحظة، نهض الجد من مكانه وقال بهدوء:

ـ سأذهب لمناداة الطبيب…

ووسط رهبة غرفة الإنعاش، وقف الجد عند الباب، ينظر إليهم بابتسامة عميقة، فيها رضا وحنين… لا يقول شيئًا، فقط يكتفي بالنظر، وكأن روحه امتلأت بالسلام. بعدها، وضع يده على صدره بلطف، وأسند نفسه إلى الحائط، ثم جلس بهدوء على الكرسي في الممر.

تمر لحظات قليلة، وتأتي الممرضة لتجده قد أسند رأسه إلى الخلف، مبتسمًا…

وقد رحل.