القوّة لا تكمُن في مجابهة الموت، لكنّها في مجابهة الحياة التي تُفرض عليك
_______________________
إسطنبول: الليلة التالية
تجمعت السُحب بكثافةٍ على السماء؛ المدينة جنحت إلى غفوةٍ مؤقتة..
في ذلك الوقتُ بالتحديد ارتفع الصخبُ في الطرق المتواريةِ عن الأنظار..
على رصيف طريق مظلمٍ محاطٍ بأشجار الغابة، وقف مجموعةٌ هائلة من الشباب..
وتعالى صراخهم بحماس، بينما كانت أعينُهم على الدراجتين الناريتين المتوقفتين عند خطِّ البداية على أُهبةِ الاستعداد..
تقدمت إحدى الفتيات، بيدها شارة البداية وماهي إلا ثوانٍ حتى أعلنت عن انطلاق السباق..
ارتفع هدير المحركات القوية و احتكاك العجلات على الطريق في
الوقت الذي ارتفع فيه الصراخُ والتشجيع من المتفرجين..
كانت الدراجتين تسيران في خطٍ متقارب، لكنَّ العيون على واحد.. كأنَّ النتيجة بالنسبة لهم محسومةٌ سلفًا..
أربعون ثانية..
كان صاحب الخوذة الزرقاء، قد تجاوز خطُّ النهاية!
بينما قطع الآخر الخطَّ بعده بفرق أجزاءٍ من الثانية!
تعالى الهُتاف ثانية، و ترجَّل الفائز ينزع خوذته ممررًا أنامله على شعره الكستنائي، وفي عينيه وميض الإثارة التي مازلت تسيطر على جسده!
رفع الخوذة عاليا يشارك الآخرين احتفالهم به..
وبعد وقتٍ وجيز تقدّم أحدُهم يرفعُ كأس الشراب عاليا هاتفًا:" نخبُ الفائز... أراس كوركماز"
كادَ أراس أن يستلم كأس الشراب، لولا تلك المفاجأة التي بثّت الذعر في أوصاله
حدّق بعيونٌ شاخصةٍ إلى سيارة جيب السوداء رُباعية الدفع التي توقفت فجأة قرب المضمار..
وما أكًد له سوء شكوكه، هتافُ إحدى الفتيات:" يا إلهي أليس هذا أتاكان كوركماز.. "
شقَّ أتاكان الحشود و بدون سابقِ إنذار سحب أراس من ذراعه نحو السيارة..
انتزع الآخر ذراعه بعنفٍ بينما يعلِّق بتذمر:" أترُك يدي يا أخي، أنا أجيد المشي وحيدًا.."
تجاهله أتاكان وأولى اهتمامه إلى المتجمهرين هناك معلنا بصوتِ مرتفع بينما يحمل هاتفَه أمامهم:" ستكون الشرطةُ هنا في غضونِ عشرِ دقائق.."
لم يكد ينهي جملته حتى هبّت الفوضى و انتشر الكلُّ مغادرين المكان على جناح السرعة..
آنذاك صوّب أتاكان نظرةً حادّةً نحو شقيقه الأصغر، و قطع المسافة إليه آخذا ياقته بعنفٍ؛ هاتفًا بحدّة:" لقد أصبحت في العشرين ولازلت تتصرفُ بصبيانية، إلى متى سأستمرُ باللحاق بك أيُّها الأحمق.. هل لديك فكرةٌ عن عواقب أفعالك حتّى!".
دفعه أراس عنه بينما يردد: " إن كنت تلاحقُني فهذه مشكلتك، أمّا أفعالي فأنا الوحيد الذي يتحملُ مسؤوليتها.. هل تفهم؟"
مسح أتاكان وجهه بنفاذ صبرٍ و تساءل:" مالذي ينقُصك لتخوض سباقًا غير قانوني يا أراس.. هل أنت بحاجة إلى المال؟"
ازدرد أراس ريقَه و تصنّع البرود قائلًا:" سأفعلُ ما يحلو لي ليس وكأنّك رجلٌ نزيه، و أنت تقوم بكلِّ أعمالك بسريّة ولم نعد نراك تدخُل القصر إلا في أوقات متأخرة.."
رمقَه أتاكان بنظرةٍ محذرة ولكنَّ أراس استمرّ يصيحُ بغيظ:" توقف عن لعب دور الرجل الصالح، وكُفَّ عن ملاحقتي في كلِّ مكان لقد ذقتُ ذرعًا منك.."
تشوشت الرؤيا أمام أتاكان وبدون سابق تخطيطٍ اندفع لاكما الآخر ؛استطرد زاجرًا:" اخرس ولا تحدِّث شقيقك الأكبر بهذه الطريقة.. مالذي تعرفُه عن ما أصارعُ لأجله أيُّها المراهق المتهور"
ساد صمتٌ ثقيل، لا تقطعه سوى زخّات المطر الذي بدأ يهطُل بهدوء، أمَّا أراس فراح يزيح الدم الذي تسرّب من أنفه..
نظر أتاكان نحو يده بسخطٍ و أردف متسائلًا:" هل أنت بخير؟ .. لم أقصد"
انحنى الآخرُ يتناولُ خوذته، و حدج أتاكان بنظرةٍ باردة
مواصلا:" أنت لست أبي، شئت أم أبيت.. لا يحقُ لك التدخُل بي"
____________________
تسللَ إليها صوتُ الأمطار التي ازدادت غزارةً من مكانٍ ما، مداعبا أذنها..
شعرت بملمس يدٍ ناعمةٍ تتحركُ على شعرها، فهمست بضعف:" أمي.."
لكنَّ برودة الأرض من تحتها ورائحة الصدأ المقرفة التي عبرت أنفَها أكّدت لها أنَّ تلك اللمسة الحانيةُ ليست من أمّها و ذلك الملمس الناعم تحت رأسها لم يكن سوى لفتاةٍ غريبة!
جلست كالمصعوقة تحدِّق إلى نفسِها ومررت عسليتيها إلى جمهرة الفتيات اللواتي كنَّ في ذلك المكانِ معها، ضوءُ المصباح في المكان شحيح أظهر لها وجوهًا بائسة صامتة تُحدِّقُ إلى الفراغ!
ثقُلَ لسانُها ولم تستطع أن تنبس بكلمة، بل أنّها عجزت عن التفكير في شيء حتّى..
ورفضت الاستفسار عن ما يدور حولها..
البيجامة عاجيةُ اللون التي كانت ماتزال على جسدها، أعادت لها بشكلٍ ما ذكرياتٍ أرادت التنصُل منها بدون جدوى!
انكمش قلبُها مسببا لها ألمًا رهيبا في صدرها، و تسرّبت مرارةٌ طافحة من حلقها نحو لسانها..
قبل أن يقطع صمتها صوتُ الفتاة التي كانت تداعب رأسها:" أحضروك وأنت مُغمى عليكِ، و ظللت كذلك حتّى الآن.. "
" جيمي!.."
نبست و قد اتسعت عيناها بذعر قبل أن تندفع إلى الباب الحديدي تطرُقه بعنفٍ مرددة:" جيمي أين أنت.. جيمي أخرجني من هنا أرجوك.. أعدني إلى وطني يا جيمي"
كانت تصرخُ باليونانية، فعجزت الباقياتُ عن فهمها سوى واحدةٍ أجابتها و يبدو أنّها من نفس بلدها:" إن كان المدعوُ جيمي هو من أحضرك إلى تركيا، فكفّي عن مناداته.. لأنّه من تعمّد تسليمك إليهم بالفعل.."
استدارت هيلين نحو الناطقة و لم تصرِّح بتساؤل، فقد كانت تحاول الهروب من حقيقة خيانة جيمي لها بينما هي تدرك تلك الحقيقة بالفعل..
استطردت الفتاةُ الأخرى شارحةً:" معظمُ من ترينهنَّ هنا، هنَّ مجردُ ضحايا لرجال طمّاعين.. كلنا غُدرنا بنفس الطريقة و انتهى بنا الأمرُ إلى مثوانا الأخير.."
مثوانا الأخير!
لا صدى لتلك العبارة في مكان مليئ بالفتيات من جيلها..
ولكن صداها تردد بعنفٍ داخل رأسها، نظرت بذعرٍ إلى المكان الضيِّق؛ الباب الحديدي الموصد.. الأرض السوداء العارية
المثوى الأخير!
قبضت بيدها على ياقتها مكان صدرِها، وانزلق جسدها على الأرض خائرَ القوىٰ..
هل ينتهي الأمرُ بهلين في قفصٍ يقيِّدُ حريتها..
هل وقعت في شباكِ رجلٍ حائن، وهي التي طالما افتخرت بذكائها وبصيرتها..
وماهذا القفصُ الذي أُحضِرت إليه، ماذا يريدون منها..
دارت أسئلةٌ عدّةٌ في خُلدِها، كانت ما تزال تقبضُ على صدرِها بقوّة تحاول انتزاع ذلك الألم الفضيع...
شريطُ ذكرياتها مع جيمي مرّ في ذاكرتها بدون رحمة، أوّل لقاءٍ بينهما و أول فطور و اليوم الذي طلبَ فيه يدَها..
هل كانت مجردُ لعبةٍ لاستدراجها، هل جيمي نفسُه من قامَ ببيعِها..
نفت برأسها بغيرِ وعي، وراحت يدُها تقبضُ على الصليب مرددة بهمسٍ مرتجف:" لينتهي هذا الكابوس يارب.. لينتهي هذا الألم يارب، هذا يكفي أريدُ أن أستيقظ حالا.."
___________
على بُعد مسافةٍ من تلك الزنزانة القابعة قي قبوِ الملهى الكبير..
حيثُ كان الناس قد انفضُّو مغادرين المكان، ولم يبقى في المكان إلا لممٌ من العمّال..
وعلى إحدى الطاولات جلس رجُلٌ في نحو الستّين من العمر، ضخمُ البنية. خصلات شعرِه صفراءُ خالطها الكثيرُ من الشيب.
عيناه الرمادية ضيقةٌ إلى حدٍ كبير، جلسَ على طاولته عددٌ من الرجال حوالِي الخمسة نفر، يرتدون بذلات رسمية بألوان متباينة..
وزَّع النادل أكواب القهوة المُرّة وغادر المكان، فنطق أحدُهم موجهًا حديثه إلى من يترأس الطاولة:" أرجو أن لاتفشل هذه العمليةُ كسابقتها يا أورهان.."
ضرب أورهان على الطاولة بقبضته مرددا بحنق:" لا تذكرني بتلك الغنيمة الضائعة، آه لو أعرف المتسبب في خسارتنا.. سأجعل القنّاص يطلقُ على قلبه"
" مادمت قد ذكرت القنّاص، فأنت على يقين بأن المتسبب في فشلنا شخصٌ لا نستطيع إركاعه على قدميهِ هنا.."
" بلا شك.."
أردف رجلٌ آخر:" من سيتكفل بنقل الغنائم هذه المرّة؟"
ردَّ أورهان:" هذا ليس من حدّي كما تعلم، سيتمُ تحديد المتكفل تلقائيا.. و ستصلكم رسالةٌ بهذا جميعا"
" إذن سنحرص على حماية الغنائم ريثما يتحددُ الموعد، مهمتنا سهلة.."
التفتو جميعهم نحو أحدهم، رجل متين البنية يرتدي طقمًا مخمليا وقد أردف بسخرية لاذعة:" نحن نحرُس أخطر المخلوقات على وجه البسيطة، الفرق بين النساء و السلاح أنّ الثاني تستطيع وضع كاتمِ صوتٍ له.. لهذا شدِّدو الرقابة عليهن، لعل طفرةً تنمو وتنشر عدوى التمرُّد بينهن.."
______________________
لمعت ألماسةُ ذلك الخاتمِ في بُنصرِها، حدّقت إليها بضياعٍ قبل أن تشعر باقتراب تلك الفتاة اليونانية منها، راحت تهمسُ لها:" و أنا خُدعتُ بنفس الطريقة.. لم أتوقع أنَّ الشخص الذي أظهر لي الودَّ و جعلني أحبُّه يمكن أن يفعل بي هذا حتّى"
رفعت هيلين عينيها نحو الفتاة، وحدّقت فيها مليًّا.. كانت فتاةً جميلة للغاية عيونها زرقاءُ لامعة وشعرها أصهبٌ مجعد..
ربتت على كتف هيلين وواصلت كلامها:" أعلمُ أنَّ الشعورَ بالخيانة مؤلمٌ جدا.. لكن أنظرِ قضيتُنا لم تتوقف عند خيانة أحدٍ ما.. نحنُ نساقُ إلى حتفنا ولا نملك شيئًا للدفاع عن أنفسنا!"
طرفت هيلين باستيعاب و انتزعت ذلك الخاتم كأنّها تنتزعُ ذلك الإيمان الذي ظلَّ يثقل قلبها عن تقبُّل الحقيقة المؤلمة..
وسمحت له أن يسقط أرضًا مصدرًا صوتا خفيفًا لا يكادُ يسمع إلا داخل أفكارها التي جرفتها..
« أربعون..إنّها الرقمُ أربعين»
تكلّمت إحدى الفتيات تخاطبُ القابعة إلى جانبها، بينما كانت هيلين لاتزال جالسة ستندُ بظهرها على الباب الحديدي..
انتشلتها تلك الجملةُ من شرودها، فرفعت بصرها نحو القائلة ثمَّ عقبت متسائلة بصوتٍ مرتعش:" مالذي يعنيه هذا؟"
بدا على الفتاة أنّها تفاجأت فلم تعلم أن هيلين التي كانت تصرُخ باليونانية للتوِّ قد تفهمها..
سلكت خطوطٌ حمراءٌ عيني هيلين وكررت سؤالها بنبرةٍ أكثر حدّة كمن يوشك على فقدان أعصابه:" قلتُ لك مالذي يعنيه هذا؟"
جاءتها الإجابة على لسانِ فتاةٍ أخرى:" ألم يخبروك أنّك الرقمُ أربعين، و بك اكتمل العدد.."
عقدت حاجبيها بتساءل فاستطردت الأخرى موضحةً:" لقد قرأتُ عن هذا ذات مرّة، سينقلوننا إلى بلدٍ نجهله لنعملَ كدمًى جنسية و في أحسن الأحوال سنقوم بالعمل المجاني في إحدى المصانع.."
عضّت هيلين على شفتيها وانتفضَ عرقٌ في جبينها، هل تدرك هذه الفتاة ماذا تقول.. إنّها تطعنُها في إنسانيتها، تخبرها بكلّّ سهولة أنَّها أصبحت مجردةً من حريتيها و اختياراتها!
إنّها بكل بساطة تخبرها أنَّ هيلين تلك الشعلة التي لا تنطفأ حان الوقتُ لتركنَ أحلامها في زاوية قصيّة..
التفتت هيلين نحو الفتاة التي دعتها بالرقم أربعين للتو و قالت تكزُّ على أسنانها مؤكدةً:" هيلين.. إسمي هيلين ستاڨروس ابنة إيفانجيلوس وسيلينا ستاڨروس"
لم تُصدِّق نظرة الشفقة التي ألقتها الفتيات نحوها في تلك اللحظة، ولم تكد تلقي بسؤالها حتى قاطعها صوت القفل المزعج للباب ..
ابتعدت تقف أمامه، انفتح الباب على مصراعيه مصدرًا ضجيجًا عاليًا
وظهر بعض الرجال، كان أورهان صاحبُ الشعر الأشقر في مقدمتهم يقف إلى جانبه رجلٌ يحملُ سلّة كبيرة..
و خلفه تقدَّم رجلان ليقومو بتوزيع علبِ أكلٍ صغيرة..
هيلين الوحيدة التي بقيت واقفةً تناظر أورهان بنظرات مُستكشِفة، قبل أن تتساءل:" أين جيمي؟"
ارتسمت ابتسامةٌ ساخرةّ على شفتيه ودنى نحوها مجيبًا:" يبدو أنّك جئتِ حديثًا.. ألا تعلمين أنًَ الكلام عن أيًِ شخص محرّم"
رفعت رأسها عاليا ونبست بصوتٍ مختنق:" أخبِره أنَّ هيلين ستاڨروس لا تباعُ و لا تشترى.."
تقدم نحوها أكثر وامتدت يده إلى ذراعها يمسكه بغلظة، و استطرد ساخرًا:" شجاعتُك وعزيمتُك هذه لا تعجبُني أيتُها الفاتنة الصغيرة، حان الوقت لتقولي وداعا لحياتك السابقة.."
ارتفع وجيف قلبها وسرت رعشةُ خوف في جسدها ولكنّها دارت كلًَ ذلك خلف قناعٍ صلبٍ، ونظرات حادّة قامت باستفزاز أورهان فهزّ جسدها بعنف مواصلا:" لم تعودي ما كنت عليه، في هذا الحرم أنا الآمرُ والناهي، و إن كنتِ تفكرين في أنَّ لك الحق في السؤال و الاعتراض أو الكلام حتّى.. فستدفعين ثمن ذلك بأبشع طريقةٍ قد يتصورها عقلك القاصر.. و الآن عودي إلى مكانك و تناولي طعامك بصمت"
حاولت انتزاع ذراعها من قبضته فلم تستطع؛ رفعت رأسها نحوه واسترسلت من بين أنفاسها السريعة:" الاستعراض بسلاحٍ على من لا يملكُه ليس قوةً يا.."
حدّق الجميع إليها بذعر، وقد كان بعضهنَّ على علمٍ بما ستؤول إليه الأمور إن استمرت باستفزازه فحبس ذلك أنفاسهن...
ترك ذراعها وقام بامساك شعرها بقسوةٍ جعلتها تئنُّ ألمًا قبل أن يكـزَّ على أسنانه هاتِفًا بغيظ:" الهُتاف بكلامٍ كبير كهذا لن يفيدَك أيضًا.. لديكِ خيارين لا أكثر، إمّا الاستسلام طواعيةً أو الاستسلام كرهًا.."
دفعها على الأرض جاعلا رأسها يرتطمُ بقوّة، وجلس القرفصاء على رأسها سائلًا بسخرية:" ماذا اخترتِ؟ "
رفعت يدها المرتعشة تمسك رأسها بألم بينما استرسل أورهان:" أنا في انتظار إجابةٍ خاضعة تليقُ بجمالك الفتّان.. "
أجابت بتمتمةٍ لم ترغب في أن تصل أذنه:" أفضِّل الموت على الخضوع لظالم.."
لكنَّ تلك التمتمة قد وصلت أذنه بوضوح فانطلقت ضحكتُه مجلجلةً المكان وهمَّ بايقافها من ذراعها أمامه هاتفًا بحدّة:" مالذي قلتِه للتو أيتُها العاهرة الصغيرة.."
مررت عينيها على بقيّة الفتيات ثمَّ نحوه مردفةً:" أنت لا يمكنك أن تحولنا من بشرٍ إلى أرقام، و تقنعنا بهذا كما تشاء.."
تسارع نبضُ قلبها، و ارتجفت شفتاها، بعد أن صرّحت بكلامها..
كان العرقُ باردًا يتصبب من أماكن متفرقةٍ من جسدها، لكنَّها ظلّت تنظر بتماسك إليه..
انطلق صوته عند أذنها كفحيح أفعى على وشك الانقضاض على فريستها:" لقد فتحتِ على نفسك أبواب جهنّم السبعة كلِّها.."
لم تشعر إلا بطعم الصدأ في فمها جرّاء تلك الصفعة التي وجهها نحوها، وقد أردتها طريحة الأرض بلا حولٍ ولا قوّة..
أمَّا هو فهدر يخاطب الباقيات:" لتكن هذه النقمةُ عبرةً لمن لا تعتبر.. "
رفع قدمه يرفسُ بطنها بكلِّ ما أوتي من قوّة، فتلوت مكانها و شهقت الباقيات بذعر..
ولا أحد توقّع أن تهمس بضعفٌ رغم ألمها:" لا يمكنك أن تسلبني إنسانيتي مهما حاولت، أنا هيلين ستاڨروس و لن أكون مجرّد رقمٌ في قائمتك.."
انبعث ريحُ المقاومة من براثن ذلك الألم و انتشر في تلك الزنزانة كرسالة حيّة.
بينما خضعت الأخريات للشيطان وظنّو أن لا مفر غير الاستسلام.. لماذا تقاومُ هي بهذه الشراسة، لماذا تستقبلُ الموت بصدرٍ رحب كأنّها تقول: « إن لم أعش حُرّةً فخيرٌ لي أن لا أعيش أبدًا.."
اقتحم شخصٌ آخر المكان، وكان نفسُه صاحبُ الطقم المخملي؛ نظر نحو الفتيات و بفراسته قد لاحظ غضبًا يعتري البعض.. وتغيرا واضحًا في البعض الآخر بينما بقيت هيلين متكورةً على الأرض الصلبة تصارعُ الألم..
نظر بقلقٍ نحو أورهان مردفًا:" اقتلع الثمرة الفاسدة يا أورهان و إلا وقعنا في ورطة.."
أمّا هي فأنّت بألمٍ، ممّا جعل أورهان يقترب منها متسائلًا:" هل أعلنتِ استسلامك أخيرًا؟"
أمسكت هيلين بطنها والتفتت تنظُر بعيدًا، هي تريد الحياة لكنّها لا ترغبُ في الخضوع لقدرٍ قد فرض عليها، وهذا ما جعلها تعزف عن الرد
ضحك أورهان بنفاذ صبر وسحبها من شعرها ثانيةً يوقفها على قدميها وقبل أن يخسر أخرى منهن أعلن:" سينفذُ حكم الاعدام على هذه القذرة الليلة قبل طلوع شمس الغد.. إن كانت هناك من تريد اللحاق بها فليُسمع لها صوت"
..........
« سيتمُّ قتلُ إحداهنَّ أيُّها القنّاص..»
كان أتاكان يقودُ سيارته بينما يتلقى تلك المكالمة، التي جعلته يعقدُ حاجبيه باستغراب شديد متسائلا:" لا شكَّ أنّك تهذي يا شاتال، أورهان لن يفرطَّ في إحدى غنائمه.."
وصله صوتُ الآخر بهمسٍ جاد:" لم يستطع كسر عزيمتها، يخشى أن تخلق تمرُدًا بين الرهينات لهذا قرّر إعدامها.."
" أنا قادم.."
لم يستغرق الأمرُ منه تفكير لحظةٍ عندما أدار السيّارة باتجاه الملهى الذي يعرفُه سلفًا و انطلق بسرعةٍ هائلة إلى هناك .
_____________
نهاية المشاهد الاسترجاعية// عودة إلى اللحظة الحالية:
هل هذا واقعٌ أم خيال؟ من هذا الذي بامكانه إيقافُ رصاصةٍ بأخرى؟ إنّها ألعابُ العقل..
وصلها صوتُ أحدهم وهو يقرر: « إنّه القناصُ بلا شك..»
رفع الجميع أبصارهم نحو الطابق الأول، حيثُ كان صاحبُ الرصاصة الثانية واقفًا..
نفث على البندقية، ومرر يدهُ ماسحًا إيّاها..
لولا أن هدرَ أورهان زاجرًا:" مالذي تفعلُه عندك أيُّها القنّاص.. لماذا أوقفت الرصاصة؟"
أنزل البندقية يمسكها بيده اليسرى و خطا بتؤدةٍ نحو الأسفل.. بهدوء لعب بأعصاب الجالسين و الواقفين هناك على حدٍ سواء..
عندما وصل إليهم وقد كانت هيلين تحدّق إليه بحيرة؛ أولى اهتمامه إلى أورهان الذي خاطبه ثانيةً:" هل ستفسرُ ما حدث يا أتاكان؟"
" أريدُها"
نبض قلبُها بعنف، و ضيّق أورهان عينيه قبل أن يفلت كلامه ساخرًا:" هل ترغبُ في بلاءٍ أيُّها القنّاص.. دعني أتخلص منها واختر فتاةً عاقلة، سأهديك إيّاها بدون تردد"
بلل أتاكان شفتيه، استدار إلى من كانت ترمقه بحدّة..
ثم سحب نظراته ثانية إلى أورهان قائلًا:" تعرفُ أنني أحبُّ خوض التحديات، دعها لي سأُخضِعُها بطريقتي .."
التفت إليها فور أن نطقت بتحدٍ رغم البحة التي كانت تسيطرُ على صوتها و التعب الواضح على ملامحها:" أفضِّل الموت على الخضوع لواحدٍ منكم.."
دنى منها و جلس القرفصاء أمامها ممررًا عينيه على ملامحها، نظراتها الحادة و ذلك العرق على جبينها.. ثم أنزلها إلى قلادة الصليب التي تحيط عنقها وتتدلى على نحرها المليئ بالشامات..
فكشّرت بانزعاج؛ أمّا هو فنبس بنبرةٍ رتيبة كأنّه يقررُ حقيقةً ما:" أنت ترتجفين خوفًا من فكرة الموت.. خضوعك لا يتطلب جهدًا كبيرًا.. لقد تسرّع أورهان فحسب!"
قبضت بيديها المرتعشتين على بنطالها مرددة بحنق:" أنا لا أبيعُ كرامتي مقابل حياتي، لا معنى لحياتي بدون حريتي.. حتى و إن لم تقتلني سأنتحر.."
اشتعل بطنُها جرّاء الخوف الذي انتابها من نظراته التي تحولت من الهدوء إلى الحدّة.. لم تعلم أيَّ كلمةٍ من كلماتها قد أشعلت هذا القابع أمامها، لكنّها لم تكن تنوِ الرضوخ له على أيّة حال
وقف مبتعدا عنها واستدار نحو أورهان متسائلا بنظراته، فتنهّد الآخر بضيقٍ ونظر إلى البقية؛ أردف أخيرًا:" لقد أجلت طلبك لسنوات، و الآن تريد أن تظفر بحسناء اليونان، ماذا عساي أن أقول هنيئا لك أيُّها القنّاص.."