NOVELFLEX

صلاةٌ.. في الجحيم

بيرسيوس( القنّاص) · بقلم Guendouze Ines

"العدوُّ قناصٌ أعمى، القريبُ لعينٌ يصيبُ في العتمة"

« من الأصول أن نسأل عن أمنيتِك الأخيرة، لهذا أخبرينا أين تريدين أن تستقر الرصاصة.. في رأسك أم في قلبِك»

رفعت عينيها عن الأرض، تواجه الجالس على الطاولة المستديرة برفقة آخرين، قبل أن تنكمش ملامحها باشمئزازٍ واضح..

ورغم جلوسها على ركبيتها على الأرض، رفعت رأسها شامخةً نحو الرجل الذي كان يحمِلُ السلاح يوجهه نحوها و أردفت:" وقِّع خسارتَك على جبيني يا لوسيفر.."

عضَّ على شفتيه بحنق قبل أن يقف آمرًا:" أطلق على جبين هذه العاهرة .."

تردد صوتُ سحب الزناد في أذُنها.. ثمَّ صوتُ الاطلاق، كلا ليس صوتًا واحدًا..

صوتان! ولكن لا يجبُ أن يصلها الصوت، أليس من المفترض أن تموت قبل ذلك؟

أليست سرعةُ الرصاص أكبرَ من سرعة الصوت؟

فتحت عينيها تُحدِّق إلى الأرض الرخامية، كما فعل الجميع..

هل هذا واقعٌ أم خيال؟ من هذا الذي بامكانه إيقافُ رصاصةٍ بأخرى؟ إنّها ألعابُ العقل..

وصلها صوتُ أحدهم وهو يقرر: « إنّه القناصُ بلا شك..»

____________________________

اليونان: أثينا« قبل أيام..»

انتهت أخيرًا من تغيير الملابس الرسمية إلى ملابسها العادية، عقدت آخر خيوط الكورسيه الأحمر الخاص بها، ونزعت ملقط الشعر سامحة لخيوط الحرير السوداء أن تنساب على طول ظهرها ملامسة خصرها النحيل..

وأخيرًا ابتسمت لنفسها في المرآة برضى، قبل أن تقاطعها زميلتُها متسائلةً:" إلى أين الوجهةُ يا هيلين؟"

أجابت هيلين بينما تمرر ملمع الشفاه على شفتيها المكتنزتين:" سأنتظر قدوم جيمي ثُمَّ سنخرُج معًا إلى الحديقة العامّة قبل العودة إلى المنزل.."

اقتحمت أخرى المكان وهي تمسح جبينها بتعب مرددة:" لحسن حظك أنًَ دوامك انتهى يا هيلين، كميّة الزبائن تزدادُ شيئًا فشيئًا.."

اقتربت هيلين تقرُص خدَّيها الممتلئين بينما تقول:" عزيزتي إيما.. هذا ما يتطلبه الأمرُ عندما تعملين في مقهى في قلب أثينا الحبيبة.."

مطَّت إيما شفتيها باحباط، بينما أخذت هيلين معطفها وحقيبة اليد خاصتها، أرسلت نحوهم قبلةً في الهواء بينما تسترسل بالفرنسية:

" Au-revoir les filles"

لوحنَ لها دون فهمٍ بينما استدارت إيما نحو صديقتها قائلة:" هذه الفتاة ما تزال في الحادية والعشرين، وها قد أتقنت خامس لغةٍ حتى الآن و نحن لا نفعلُ شيئًا سوى الكدح في هذا المقهى.."

سارت في طرقات أثينا المبلّطة بالقرميد الأبيض بينما تردد لحن أغنية ما..

توقفت بعد مسافةٍ قصيرة، وما لبثت أن ظهرت تلك السيارة البيضاء في مرمى بصرِها، ترجّل منها سائقُها الأشقرُ ذو القامة الفارعة..

تقدمت نحوه وقد رفعت طرفي تنورتها السوداء متوسطة الطول، لتنحني انحناءة مسرحية وهي تردد:" أجملُ مساء لأجمل عيونٍ في أثينا والعالم كلِّه.."

شقّت ابتسامةٌ عابثة شفتيه بينما يتناول يدها طابعًا قبلةً خفيفة على أطراف أصابعها المليئة بخواتم الفضّة وهو يقول:" لا عيونَ تضاهي عسليتيك يا جميلتي.."

انتقلت إلى الطرف الثاني، تستقلُ مقعدا إلى جانبه، وبعد برهةٍ من الزمن كان قد أوقف السيارة في مكانٍ ما، ترجلت هيلين في أثره، اتسعت عيناها باعجاب مرددة:" جيمي! ماهذا المكان؟ ألم تكن الوجهة إلى الحديقة العامّة"

أشار لنفسه قائلا:" أنظري.."

تأملته للحظة، شعره الأشقر المجعد مبعثر كعادته.. ملابسه فقط كانت مختلفة

بنطال كلاسيكي أبيض و قميص من القطن المحبوك، يضعُ معطفًا أسودًا طويلا فوق ثيابه..

أجابت بعد لحظة:" وسيم كالعادة يا جيمي، هناك إضافات بسيطة فقط ولكن مالعلاقة؟.."

" قررتُ أن أصطحب خطيبتي إلى عشاء في أجمل مطعمٍ في أثينا، هل يعدُّ هذا إثمًا يا ابنة القس"

نفت بسخرية و سبقته تلج عبر الباب الزجاجي قبل أن يستقلا المصعد إلى الطابق الأخير حيثُ يوجد مطعمٍ ذو أرضيّةٍ رخامية..

مررت عينيها باعجاب واضحٍ على الثريّات الفخمة التي ترسل خيوطها الضوئية الهادئة نحو الكراسي المغلفة بالحرير الفخم، و الطاولات الزجاجية، عادت تنظر إليه قائلة:" لو عرفتُ لكنت ارتديت أجمل فساتيني يا جيمي.."

" ستبقين الأشد فتنةً و الأكثر جمالا مهما ارتديتِ يا هيلين ستاڨروس"

جلسا متقابلين على طاولةٍ بالقرب من الجدار الزجاجي للمطعم..

استدارت تحدِّق إلى جمال الليل في أثينا، إلى منازلها البسيطة و الزهور الجهنميّة  التي تتسلقُ جدران المنازل بتملُك من جهة، وزهور اللبلاب و الياسمين الجالسة بوقار على شُرفات المنازل و المحلات من جهةٍ أخرى..

لفت جيمي انتباهها عندما أردف:" ماذا تريدين أن نطلبَ يا عزيزتي؟"

" حلوى الغالاكتوبوريكو أو أو بعضا من مثلجات الماستيخا"

قلّب زمريدتيه:" كان علي أن لا أستشيرك يا هيلين، لقد جئنا لتناول العشاء يا فتاة!"

طلب الطعام من النادل، ثم أولاها اهتمامه، بينما تضع يدها على خدّها تنظر نحوه بابتسامة عابثة..

تنهد سائلًا:" متى تبدأ امتحاناتك؟"

" بعد العطلة الشتوية، لماذا تسأل؟"

" ألا يمكنك أخذُ إذن من المقهى لأسبوع واحد؟"

عقدت حاجبيها باستفهام فوقف مقتربا منها و جلس أمامها، سحب يدها محركًا ابهامه على أساور معصمها و أردف قائلا:" خذي إذنا، دعينا نبحر إلى إسطنبول؛ تبتعدين عن العمل و الدراسة و أستريحُ أنا أيضًا.. ألا يحقُ لنا هذا؟"

رمشت بعسليتيها مستنكرة و أردفت:" من أين لك بالمال يا جيمي؟ مصاريفُ الزفاف المنتظر من جهة و مصاريف علاج والدتك من جهة أخرى.. هل تلقي نكتةً بربك؟"

رفع يده إلى شعرها ممررا أنامله عليه واسترسل في الكلام:" لا تفكري في أي شيء، دعي هذا لي.. لقد خططت لهذه الاجازة منذ أن قمت بخطبتك قبل سنة لهذا لا تشغلي بالك بالتكاليف يا هيلين.."

___________________________

تركيا/ إسطنبول:

وقف على تلك القمّة الصخرية العالية المطلة على البحر، ،ورفع المنظار يتأمل إنعكاس القمر والسكون المهيبُ للّيل على قمّة شيلا..

بملامح جامدة قبل أن يردد:" الصمتُ لا يعجبُني يا كارلوس.."

لا رد..

استدار يُحدِّق إلى الكلب الأسود الضخم الذي بدأ يتقدم إليه حتّى وصل بمحاذاته، فعقّب:" هذا الصمتُ يصرُخ بالكثير، و أنا أكرهُ الصراخ كما تعلم.."

قام كارلوس بمسح وجهه على بنطال صاحبه لاعقا طرف حذائه الأسود ذو العنق الطويل..

واصل يخاطب الكلب قائلا:" ما رأيُك أن نثير الفوضى يا كارلوس؟"

نبحَ الكلبُ كأنَّه يوافقُ صاحبَه، الذي امتدت يده السمراءُ إلى معطفه الجلدي الأسود، قام بخلعه راميًا إيّاه باهمال..

سامحا لساعديه القويين أن يتشربا هواء اسطنبول البارد..

تحرك باتجاه البندقية المركونة على مسافةٍ قريبة، رفعها بيدٍ واحدة بخفّة مدروسة قبل أن يقترب من حافة الجرف..

نزل القرفصاء،  ووضع عينَه السوداء على المنظار الحراري؛ حدّق باستمتاع إلى السفينة التي تُبحرُ ببطئ على عرَض البحر الأسود..

حرّك الهواء خصلاته السوداء القصيرة، مع حركة الأمواج التي ارتفعت بعنفوان تنذرُ بعاصفةٍ من نوعٍ مختلف..

وجّه شعيرات المنظار الدقيقة نحو نقطة معينة، ثوانٍ فقط و انطلقت تلك الرصاصة تشقُ الرياح لتستقر في صمام ضغط الوقود مباشرة..

لحظات قبل أن تتشكلَ ابتسامةُ انتصارٍ على شفتيه الرقيقتين.. وهو ينظُر إلى تلك السفينة التي توقفت عن التقدُم نحو وجهتها..

استقام مكانه يمسح البندقية برقةٍ كأنّه يهديها شكرا خاصًّا، قبل أن تتجه يدُه إلى جيب بنطال الجينز الخاص به متناولا هاتفه؛ اتصل برقم معين..

فور فتح المحادثة أردف:" على بعد أربعمئة متر من جرف شيلا.."

_______________________

اليونان( أثينا): صباحا

" هذا لا يروقُني يا شباب.."

أردفت هيلين توجه كلامها إلى والديها الجالسين أمامها بعبوسٍ على طاولة الفطور..

رفعت ( سيلينا ) عينيها نحو ابنتها بينما تعقِّب:" أنا فقط أشعر بالقلق حيالَ الأمر يا صغيرتي، و إلا فأنا حقًا أريدُك أن تقضي وقتًا ممتعا"

مدّت هيلين يدها تمسك بكف أمِّها بينما تبتسم، ثمًَ سرقت نظرة إلى والدها الذي بدا ساهما بعض الشيء

لكنّه تنهد باستسلام ووقف مقتربًا من هيلين، طبع قبلةً دافئة على جبينها بينما يقول:" إنّه مجرد أسبوع على أيّة حال، لن نسمع فيه ضحكاتك الرنّانة ولا مزحاتك المعتادة.. ولا حتى قبلاتك الصباحية، سيكون مظلمًا جدًا، ولكن سعادتُك تستحق التضحية"

أعرب ثغرُها عن ابتسامةٍ مضمرة و عانقت والدها مرددة:" ألم تفكر في أني سأتزوج أساسا يا أبي.."

ربّت على شعرها مسترسلا:" لا أريد الخوض في ذلك الأمر أبدا.."

عندما فصلا العناق عقّب قائلا:" ليحميك الربُّ إذن يا عزيزتي"

تقدمت والدتها وتناولت كفّها واضعة قلادة تنتهي بصليب صغير يتدلى منها..

فردتها هيلين ووضعتها على نحرها المرصّع بشامات بنيّةٍ متناثرة، قبل أن تُحكم قبضتها على الصليب مُقبلةً إيّاه..

اتسعت عيناها بتفاجئ، عندما سحبتها أمُّها إلى حُضنِها.. لم يرُق هذا لهلين، لم تشعر بأن ذلك العناق مجردُ عناق من أم لابنتها الذاهبة في إجازة..

كأنّها تودعها الوداع الأخير بل و استرسلت تلقِنُها:" لقد أردتُ أنا ووالدك أن تكوني مليئة بالحياة دائمًا، مفعمةً بالحريّة لا تقيّدُك حدود المكان، لهذا احرصِ على البهجة دائمًا فمهما كنّا بعيدين عنك ستنعشنا بهجتك.. هل سمعتِ؟"

عقدت هيلين حاجبيها بغضب و ضربت الأرض بحذائها الشتوي الأبيض مردفةً:" هذا ليس وداعُنا الأخير يا أمّي، كفي عن هذا و إلا تراجعتُ عن الذهاب.."

قبلت وجنتها وجبينها بينما تسترسل ضاحكةً:" قلبُ الأمِّ يا

صغيرتي، أنت لا يُمكنُك لومي على ما تمليه علي فطرتي.."

انقضى الصباحُ هادئًا، أمضت هيلين بعض الوقت في الصلاة في ا

لكنيسة خلف والدها، بينما تكفلت والدتُها باعداد حقيبة سفرها..

______________________

وهاهي أخيرًا في ميناء بيرايوس حيث وقفت مع جيمي على شرفة السفينة، كلاهما يودعُ أهله..

وبعد حوالي ستة وثلاثين ساعة، كان الليل قد ألقى خيوطه السوداء على مضيَق البوسفور..

رست تلك السفينة على ميناء غالاتا، وكانت هيلين أول النازلين برفقة جيمي الذي ذهب لاكمال إجراءات الدخول..

بينما استمرت هي بالوقوف محدقةً بهِيامٍ إلى الأضواء الذهبية في حي كاراكوي، والصخب الناعم لمدينة اسطنبول..

وتراءى على مرمى بصرِها برج غالاتا، ومسجد علي باشا..

وقعت هيلين في حب إسطنبول من النظرة الأولى، و إن كانت معتزةً بثقافتها و أثينا حدَّ النخاع..

لكنها وقفت مبهورةً أمام تفاصيل هذه المدينة التي تنبضُ بالحريّة، وهي فتاةٌ تقدِّسُ الحريّة و كلَّ أشكال الجمال و الأناقة..

وبعد جولةٍ سياحية خلف المرشد، قررا أخيرًا الإيواء إلى الشقّة التي استأجرها جيمي..

دخلت هيلين في كامل نشاطها وسرورها إلى تلك الشقة ذات الأثاث الأسود، نزعت معطفها الطويل ترميه باهمال قبل أن تهم بفك خيوط الكورسيه الأسود خاصتها وهي تخاطبُ جيمي قائلة:" سأستحم وأعود فورًا.."

همهم علامةً على الموافقة وقد بدا ساهمًا بعض الشيء ينظُر إلى هاتفه بتركيز..

شعرت هي ببعض القلق ساورها للحظة، وخاصة و أنّها رأت تغيُرًا على جيمي طول تلك الرحلة لم تفهم سببه..

ولكنّها قررت تجاهُل الأمر، فلعله قلقٌ على والدتِه المريضة أو أنَّ والدَه النرجسي قد اتهمه بسوء التصرف و الاسراف العشوائي كعادته..

فتحت الصنبور  سامحة للماء الدافئ أن يبدد برودة جسدها، و خرجت بعد مدّة ترتدي بيجامةً من الحرير ذي اللون العاجي..

رفعت شعرها الذي جففته للتو إلى الأعلى بملقط الشعر، و انضمت إلى جيمي في غرفة الجلوس بيدِها كتابٌ ما..

وضعت رأسها على كتفه، في حين ردد هو بحيرة:" هل انتقلت إلى قراءة الأدب التركي، لقد أصبحتِ تجيدين هذه اللغة حقًا.."

همهمت موافقةً و أضافت:" إنّها أول لغةٍ تعلمتُها بعد تخرجي من المدرسة الابتدائية، هل تشكًُ في إتقاني لها.."

كانت تنظُر إليه بينما تردد كلامها، فلمعت زمرديتيه ببريق خافت.. ازدرد ريقَه بينما يمدُ يده يمرره على خدِّها الناعم.. محرِكًا إبهامه بلطفٍ على النمش الخفيف المتناثر كالنجوم على أنفها الصغير..

وانزلقت عيناهُ إلى شفتيها المكتنزتين؛ رفعهما ثانيةً إلى عينيها العسليتين اللتان لمعتا ببريق أصفرٍ حطّم كلَّ دفاعاته..

فاقترب يستنشقُ عبيرها الأخاذ، و غرقت شفتيه تمتصان من رحيق شفتيها..

وماهي إلا لحظات حتّى انجرفت تبادلُه تلك القُبلة، لولا أن ابتعدَ في آخر لحظة.. ورفع يديه المرتعشتين يمررهما على شعرها مرددا:" امنحيني لحظةً يا هيلين، لحظةٌ واحدة يا أميرتي سأعود.."

ابتعدَ عنها في لمح البصر، و ظلّت هناك تشيعُه بنظرةٍ قلقة من تصرُفاته التي بدت لها غير طبيعية البتة..

صفقَ باب الحمام بعُنف، ورفع يديه يزيل حبّات العرق التي تشكلت على جبينه..

رفع الهاتف إلى أذُنه طالبا رقمًا معينًا، و أعلن بصوتٍ مرتجف:" لقد

تراجعت، أرجوك ألغِ ذلك الاتفاق.."  __________________________

قصر كوركماز/ الثالثة ليلا..

السكون يسودّ بطريقة مُحببةٍ على الحديقة الخلفية للقصر، عدا أصواتُ اليخوت على مضيق البوسفور من الجهة الأمامية للقصر، و صوتُ حركة الأشجار العملاقة داخل الحديقة..

وبعضُ خرير المياة الذي حفَّز طبيعته المتمردة على الغوص في ذلك المسبح المحاط بالبلاط الأبيض العشوائي

متجاهلًا بردَ اسطنبول القاسي، سمح لجسده القوي أن يغوص في ذلك المسبح، تجاهل نُباح كارلوس و استمرَّ في الغطس لُمدّة معينة..

قبل أن يتمسك بالبلاط رافعًا جسده، و لكنَّه أجفل لتلك المنشفة التي طارت نحوه..

أمسكها واضعًا إياها على خصلاته المبللة قبل أن يرمي نظرةً خالية نحو الشقراء التي وقفت متدثرةً بمعطف من الفرو الفاخر..

وتساءل باستغراب:" هل كُنتِ هنا طوال الوقت يا بارفين؟"

" وصلتني أخبارُ عودتك إلى القصرِ، فأتيتُ على جناح السرعة.."

رمى جسده على الكرسي الخشبي بجانب المسبح، فلحقته تجلس على الأريكة المجاورة، عبثت بخصلاتها الذهبية القصيرة و أضافت:" اشتقت إليك.. أتاكان"

" هذا من لُطفِك.."

كشّرت بانزعاج مستطردة:" يالك من لبق.."

ظلَّ يُغمضُ عينيه مستندا على مسند الكرسي، فعلقت بابتسامة صغيرة:" أراهنُ على أنّ ما يقلقُك أمرٌ كبير، و إلا لما لجأت إلى السباحة في درجة حرارةٍ منخفضة إلى هذا الحد.."

حدّق نحوها بعيونٍ ضيقة مُضيفًا:" الجميعُ نائمٌ في هذا الوقت، هل ستعودين إلى منزلك؟"

" سأبقى معك في غرفتك.."

تجاهلها آخذًا بسلسلة الكلب،متجهًا إلى الداخل؛ لحقت به متمسكةً بذراعه و استرسلت بعناد:" سأبقى على الأريكة لا داعي للخوف يا سيد أتاكان كوركماز.."

__________________________

وقفت أمام باب الحمام تطرُقه برفق مناديةً:" جيمي عزيزي هل أنت على مايُرام، لقد أقلقتني حقًا.."

فتح الباب وخرج يواجهها ناكسًا رأسه إلى الأسفل، فرفعت بصرَها صوبَه وعقدت حاجبيها بقلقٍ لكنّه وضع كفيه على وجهه مداريا دموعه..

وأردف بنبرة مختنقة:" أنا أستحقُ الرجم حيًًا، آسف يا هيلين.. أنا حقًا آسف.."

فتحت هيلين ثغرها لتقول شيئًا، لتستفسر عن حالته.. لكنَّ الأوان كان قد فات..

سمعت صوت انفتاح الباب، وظهر ثلاثة رجالٍ ببذلات رسمية، و نطق أحدُهم بالتركية:" أنا حقًا لا أصدِّق، ما كلُّ هذا الجمال أيُّها الأشقرُ لعين.. كيف استطعت الحصول عليها!"

اتسعت عسليتيها ونبض قلبُها بعنف، شعرت بالحرارة تنبعثُ من جسدها غضبًا و رمقت جيمي مردفة:" إن كنت تمزح، فصدقني ليست مزحةً مستساغةً يا جيمي، من هؤلاء.."

سقط جيمي على ركبتيه و ردد بهيستيرية:" صدقيني أنا نادمٌ يا هيلين، أرجوك إغفرِ لي.."

وقفت هناك تنظر بصدمةٍ نحوه، تبحثُ عن تفسيرٍ لهذا الموقف..

تقدّم أحدهم نحوها و نظر لها من رأسها إلى أخمص قدميها معلقًا:" سيفرحُ الزعيم بهذه الغنيمة يا شباب.."

تقدًم رجلٌ آخر يحمل حقيبة كبيرةً وضعها أمام جيمي و أردف يخاطبُه بيونانية متكسِرة:" خذ مالك وعُد إلى بلدك هنيئا.."

قبل أن يسحب الرجل الأول هيلين من ذراعها مضيفًا:" أهلا بكِ في الجحيم.."

حررت ذراعها وجثت أمام جيمي تتمسك بذراعيه بكفين مرتجفتين و هي تردد بتلعثُم:" افعل شيئًا يا جيمي، مالذي يحدُث هنا، من هؤلاء؟ تكلم قل شيئا أرجوك...."

وضعت يدها على صدرها مكررةً:" هذا مؤلمٌ يا جيمي، قم بانهائه حالًا.."

لكنَّه لم يجبها إلا بشهقاته التي ارتفعت ونكس رأسه بدون أن ينبس بحرف، رفعت وجهه بكلتا يديها ورددت باستجداء:" جيم

ي أنظر إلي، قل أنَّ ما يحدُث هنا مجرد مزحة، لن أعاتبك على هذه السماجة فقط قم بانهاء الأمر"

لم تكد تنهي كلامها حتى سحبها ذلك الرجل من ذراعها ووضعَ الكمامة على فمها وقبل أن يغمى عليها همس عند أذنها:" أربعون.. ودّعي حياة الحريّة إلى الأبد.."