NOVELFLEX

حادثة

الشيطان أهون من مريض نفسي · بقلم Novelist Mo

مكان غير معروف والظلام الدامس يملؤه وفي منتصفه مكان صغير مُضاء، به طاولة مستديرة وكرسيين يجلس على أحدهما شاب في العشرين من عمره، والآخر لا يجلس عليه أحد ، ويظهر على ملامح الشاب الغضب والقهر وبعض الدموع في زوايا عينيه يحبسها كي لا تسقط، بدا أن هذا الشاب يفكر كثيرًا في شيئ ما ، وقلبه ينبض بسرعة كبيرة تستطيع سماعها إذا اقتربت منه قليلًا، وظل الشاب هكذا لفترة طويلة بينما لم تتغير ملامحه ولا كان يهمه كم من الوقت قد مضى.

بعد مرور وقت طويل في هذا المكان الأشبه بالفراغ بل هو فراغ مطلق لا تستطيع أن تري نهايته إذا نظرت في جميع الاتجاهات بل إذا نظرت للأسفل لا تعلم إذا كنت واقف على أرضية صلبة أم فجأة ستسقط إلى ما لا نهاية يظهر فجأة شخص في الكرسي المقابل للشاب، فتتسع عيونه وينتظر سماع الأخبار السارة التي تمناها ، ويكسر الآخر الصمت ويقول : " انتهى الوقت قبل أن أتخلص منه "، فتظهر على الشاب ملامح الصدمة وإذا نظرت إلى عينيه تجدها فارغة كأنه قد فارق الحياة حيث كانت هذه خيبة الأمل التي كان خائفًا منها وكانت ضربات قلبه تتسارع بسببها ، وربما كانت تتسارع حماسًا لسماع ما يطرب أذنه بل كلا الأمرين وارد .

بدأت القصة منذ عشرة سنوات عند حادثة معينة، وكان الشاب الذي يدعى ( أحمد ) يمتلك عائلة عادية من طبقة متوسطة يعيش في بيت مع عائلة عمه، وفي يوم الحادثة كان يجلس في غرفته لم يكن يفعل شيئ معين بل كان يقضي وقته في التفكير في ما فعل في هذا اليوم وكان ذلك شيئًا عاديًا يفعله كل يوم، وفجأة يسمع أصوات أشخاص يتشاجرون وتتصاعد أصواتهم من الطابق الأرضي كانت على وجه التحديد أصوات نساء، ففتح باب الشقة ونزل ببطء على السلم، فوجد زوجة عمه تتشاجر مع أمه والنساء من حولهما يحاولون الفصل بينهما، ومع اشتداد الصراع دفعت زوجة عمه أمه على الأرض بشدة فأُغمي عليها، ويحدث ذلك بينما يراقب أحمد الموقف ويغلي دمه عاجزًا عن فعل أي شيئ، ويتمني أن يخنق زوجة عمه ويظل يضرب في وجهها حتى تموت، وعلى الرغم من كونه لا يزال طفلًا آنذاك إلّا أنه ولأول مرة في حياته يتمنى قتل أحد ما، وعندما عادت أمه إلى وعيها بعدما تم نقلها إلى الشقة فتح أبوه باب الشقة وتوجه إليها، وعندما رأته لمعت عيناها آملة في أخذ حقها وذهبت لتحكِ له ما حدث، وبينما كانت في بداية حديثها قاطعها بصفعها على وجهها؛ لأنها تشاجرت مع زوجة أخيه وجعلت الناس يجتمعون حول البيت يريدون أن يروا ما حدث مما يكسبه سمعة سيئة، واعتبر هذا فضيحة كانت بلا سبب يستحق، فانهارت الأم وذهبت إلى غرفة أبنائها تبكي بها وأحمد يراقب ما يحدث، وكره أباه كرهًا شديدًا في هذا اليوم.

كان يوم الحادثة عصيبًا بالنسبة لأحمد ولكن لم ينتهِ الأمر ففي اليوم التالي توفت أمه من الحزن والقهر، ولا يعلم أحمد كيف مر بهذا اليوم دون أن يصاب بالجنون، وبعد فترة جاء عمه وزوجته يعتذران للأب، ومما سمعه أحمد أن مبرراتهما كانت أن أمي تحاول سرقة جزء من نصيبهما من الطابق الأرض التي منحه والد أحمد لعمه ولم يخبر الأم بذلك، وعند خروج عمه وزوجته لمحهما أحمد وهما يبتسمان وكأن أحدًا لم يمت هنا والدم يغلي في عروقه، وزاد ذلك من كرهه لأبيه أيضًا فهو من تسبب في الحادثة بطريقة غير مباشرة، كما أنه دائمًا ما يعطي أخاه الخبيث الذي لا يطاق الكثير من الهدايا بل هو من زوّجه للخبيثة التي كالثعبان.

عرف أحمد بعد فترة أن في الليلة قبل الحادثة جاءت زوجة عمه لشقتهم وأخبرت أخته الصغيرة أن أباها طلب منها إحضار بعض الأوراق فأخذتها ثم غادرت، وعند معرفة أم أحمد بما أخذته زوجة عمه اتصلت على والده الذي أخبرها أنه لم يقل لزوجة عمه شيئًا، مما إدى إلى حدوث شجار في اليوم التالي عندما قابلتا بعضهما، بينما اتصل والد أحمد في الليلة التي تسبق الحادثة بعمه بعد مكالمة الأم ووافق على إعطائه نصيبه بعد معرفته بأن أخاه أراد ذلك؛ لأنه يحتاجه، ولم يأتِ في باله ولا اهتم بأن يخبر زوجته بما حدث، ولم يزد معرفة سلسلة الأحداث تلك إلا كره أحمد لأبيه، عمه، وزوجة عمه.

بعد تلك الأحداث ومرور تلك السنين لم تكن حياة أحمد جيدة بما يكفي لعيش حياة صحية، وعلى الرغم من الكره والغضب والحقد الذي يحملهم إلا أنه مع مرور الوقت بدأت هذه المشاعر تتلاشى تدريجيًا خاصة مع عجزه لفعل أي شيئ، وأن علاقة عائلته بعائلة عمه أصبحت سطحية؛ فالندوب لا تتلاشى، ولكن لم يكن ذلك ليدوم طويلًا فعلى الرغم من ذلك لم يعجبه محاولة عمه ولا زوجته الكلام معه ويكره تمامًا الإبتسامة الحقيرة التي يصطنعونها، وغالبا ما يجد أحمد ماء مشبوه أمام باب الشقة أو تراب كنسته زوجة عمه من على سلم بيتها الذي كان فوق منزله، وأبناء عمه الحقيرين الذين يطرقون الباب ثم يهربون، وقد اعتاد تقريبًا على هذه الأفعال ولكن مع الوقت اختفت هذه الأفعال ولا يعلم أحمد ما إذا كانوا قد سئموا منهم أو يخططون لأشياء أفظع خاصة أن أحمد دائمًا ما يظن أنهم السبب في الأشياء السيئة التي تحدث له بطريقة ما وإن كان هذا خاطئًا، ومع الوقت تجاهل أحمد وجودهم تمامًا، وعاش حياة طبيعية إلى حد ما ولكن قصيرة، حيث حدث شيئ فظيع له مرة أخرى قد قلب طريقة تفكيره رأسًا على عقب.