حين تلتفت الروح نحو عتمتها الأزلية تجد أن كبرياءها العتيق كان القلعة الوحيدة التي تحميها من غدر الأيام وتكالب الخيبات…
فتقف الذات شامخة في مرآة نفسها تعشق أنفتها وتتعبد في محراب كرامتها الممتدة عبر غبار المعارك الحياتية الشرسة؛ لكنه الذهول الصادم الذي يزلزل هذه الأرض المستقرة
في وقت لم أكن أحتسبه.. حين تشرق شمس جفنيك في أفق الهوى وتقتحم حصوني المستعصية دون استئذان
فتنبت في عمق هذا الشموخ تفرقة مستحيلة تجعل العقل حائراً بين تقديس الأنا المعهودة وبين الفناء المطلق في تفاصيلك التي صارت تسري في عروقي كمسار الحياة الطارئة
أحبك وأحب نفسي
أرى في مرايا الروح سحر عينيك … فالعمر يبدأ صوب عينيك ينقلب
أحببت نفسي لأني صرت ألمحها … في ذات حبك إذ مال واغترب
فلو خيروني مابين النفس أجمعها … وما بين رمش حواه الطرف والهدب
لقلت تبا لنفس لا تراك هوى … يا من لها تنحني الأقمار والشهب
عجبت مني وكيف الحب يقذفني … في لج بحر وفيك الموج يصطخب
يا حيرة النفس لما زارها السبب … والروح في غمرات الشوق تستلب
وكيف أعشق ذاتي وهي خاضعة … لسطوة من لهيب الحسن تلتهب
تجريد الصدر من دروعه العتيقة لا يرسم لك ملامح انكسار..
بل يفجر ثورة النور في أقصى زوايا العتمة المستبدة؛ فكل تلك الغزوات الغابرة التي خاضتها الأنا في ميادين الشموخ.. تذروها اليوم عاصفة هذا الموقف الطارئ وتتركها رماداً تافهاً لا وزن له…
هي سطوة الوجود التي تلغي مساحات الاختيار وتجبرك على الوقوف متأملاً كبرياءك الشامخ الذي شيد على القهر والسيادة
ينساق طيعاً دون مقاومة… يتنازل عن عرشه الأبدي طواعية لا وهوناً بل ليرتفع بالخضوع إلى رتب الشرف المروم التي عجزت عن وطئها أقدام فحول البشر
لقد تلاشت أنانيتي برؤيتكم … والعز في أسر ذاك اللحظ ينتحب
رأيت كِبري يذوب اليوم مكرهاً … لما بدت من جلال الوجه تنسكب
لو كان لي في اختيار العمر مصلحة … لبعت كلي لكي ألقاك منجذب
كفرت بالوجد حتى لاح ناظرك … فأصبح الذنب في جفنيك يحتجب
يا من يلوم على عشق تملكني … لو ذقت بعض الهوى لاعادك العجب
أهين روحي ولا أرضى لها ضعة … إلا لديك فهذا منتهى الأرب
عزي القديم الذي ما ناله بشر … جثا ذليلا على الأعتاب يقترب
كما أن إعلان الحرب على النفس لم يكن رغبة في تحطيمها بل كان محاولة مستميتة لتحريرها من قيد سجنها الذي أوسرت فيه
لكنها استسلمت بكامل إرادتها ومجدها حين رأت وثبة خطوك الواثقة تقترب… كيف لذات فطمت على القهر ولم تطأ الهزيمة عتبة دارها يوماً أن تجد نفسها اليوم مغلوبة أمام جلال ملقاك والطلب دون أن تشعر بضعف أو انكسار؟
ولهذا تركت فكري وراء ظهري وأقدمة بعزيمة لا رجعة بعدها... هي أن تسكن هذه الروح ديارك الممتدة عبر حقب العمر وأفيائه الشاسعة…
تضيق بي فجوات البسيطة على اتساعها ولا أجد متسعاً للأنفاس إلا إذا افتديت هذا الضيق برحب أبوابك ونور جفنك الطارئ
حتى اعتزازي القديم وصبري المعهود شكى مني وأنكر ملامحي وصار يستجدي الوصل والرفعة من كفيك يكتسب…
أموت وجداً ولا أرتضي العيش بلا هذا الشغف المحرق؛ لأن الموت في كنفك هو الشفاء الأوحد والبعث الجديد الذي تتقرب به الروح إليك… لقد وصلت بوجداني إلى كراهية نفسي لأنني فتشت في كل الآفاق والزوايا فما وجدت شبهاً واحداً لحسن وجهك وهو ينسكب في عمق روحي وآلامي
حاربت نفسي لأجلي كي أحررها … فثار حتفي وضاق الصدر وأنثقبُ
أنا الذي لم يطأ من القهر عتبته … اليوم يُهزم من ملقاك والطلب
تركت فكري وراء الظهر عازمة … أن تسكن الدار في أفيائك الحقب
تضيق بي فجوات الأرض قاطبة … وتفتدي الضيق إن أبوابك ترتحب
حتى اعتزازي شكى مني وأنكرني … ويطلب الوصل من كفيك يكتسب
أموت وجدا ولا أحيا بلا شغف … والموت يشفى عندما الأنوار تقترب
كرهت نَفْسي لأني لم أجد شبها … لحسن وجهك في الآفاق ينسكب
انتهت المعارك وضاعت الأسماء... تلاشت خطوط الدفاع الأخيرة عند عتبات الروح فلم يعد ثمة كبرياء نذود عنه ولا حصون نتباكى على أطلالها الدَارسة وسط غُبار الأيام
الركوع الطوعي وأسلحة الكرامة الملقاة على أعتاب عرش جفنيك.. ليس صك استسلام بارد بل هو الإعلان البشري الصادم عن الخلود الأبدي الذي ترتفع فيه الذات طيعة لتسكن روحك المحترقة دون أن تلتفت
حملت قلبي على كفي أقدمها … قربان حب لعل الود يرتقب
أنت العلو وذاتي تحت سطوتكم … والمجد كل لصوت منك ينتسب
أرى الوجود ظلاما لا ضياء به … إن غبت عني أو الأيام تحتجب
بخلت بالود عن كل الأنام هوى … جدت بكلي إذا أنسامك لم تهب
شموخي المر قد أضحى يطاوعني … لكي يساق إلى ناديك يغترب
سألت قلبي لماذا الحب يذبحني … فجاءني الرد من نجواك يرتسب
كل المعارك قد أتقنت خطتها … إلا معارك في كفيك تختطب
رميت سيفي وأعلنت الركوع هوى … أمام عرش به الأشواق تقترب
وقلت للروح كفي عن حماقتها … فليس بعد جلال الوجد ما يجب
تساوت الأرض عندي بعد رؤيتها … وصار عرش الهوى بالوصل ينتقب
تمادى الشوق حتى انهار أورده … وصار قلبي بذكر البعد ينتحب
حذرت فكري من الإمعان في شغفي … فخانني العقل والأفكار تستلب
نسيت من أنا في غمرات نظرتها … وضاع اسمي وصار الرسم يكتتب
تعاظم الوجد حتى انهار كبريائي … فصار ذلي لهذا الحب هو الرتب
يا حيرة الفكر والأشواق عاصفة … والذات منجرفة والخطو يقترب
سلكت دربا طويلا كي أفر بها … فلاح دربي بعمق النور يغترب
تركت ذاتي على أبواب جفنكم … لعل روحي بهذا الأسر تحتسب
أنا المغامر في دنيا الهوى زمنا … واليوم قيدي بسحر الثغر يقتضب
لو فتشوا في بقايا الروح ما وجدوا … إلا اعترافا بأن الحسن هو السبب
تدرج الحب من وجد إلى تلف … حتى تلاشت عهود الوصل والطلب
وسوف أبقى رهين الدار ما بقيت … روحي تذوب وفي كفيك تنقلب
بلغت آخر آمالي ومستندي … أن تفنى نفسي وتبقى الروح تحترب