انظر إلى أثر الخطوات على دروب الزمن… ستدرك أن الوجود الإنساني في وطن الجرح والذاكرة ليس سوى ومضة عابرة بين مهد التراب ولحد الفناء…
ما قيمة الأجساد إذا انطفأت جذوتها وبقيت الذاكرة خاوية.. وما جدوى السير على أرض مقدسة لا تترك خلفها عطراً يهديه الزمان لمن ضل الطريق…
هناك فرق بين من يعبر الحياة بصمت كالظل… وبين من يحفر اسمه بنور الإحسان والمقاومة ليبقى طوفاناً يحيي الأرض بعد جفافها…
لأن الباقيات الصالحات في روح الأرض هي وحدها التي تحمي المقيل.. ولأن الذكر الجميل نهر لا يحاصره الضياع…عليك أن تستمع الى هذا النداء الخالد ورتل معي:
نقش على جدار الزمان
لا تعبُروا.. مثل الغمام
يمضي.. ولا يبقى سوى صمت المكان
كُونوا هُنا..
ضَوءاً يُسافر من ركام
نقشاً عصياً.. لا يُبددُه الزمان
أَحسِنوا الغرس.. لكي يحلو القِطاف
فالعمر يمضي.. مثل رملٍ في الكُفوف
ما قِيمةُ الماشي.. إذا جفت خُطاه؟
أو غاب صوتُه.. في زِحاماتِ الحُروف؟
اجعلوا الأثر.. بصمةً في نُور
تبقى.. وإن غاب الجسد
فالذكر عمرٌ ثانٍ..
فِي قلب من مروا.. وفي رُوحِ الأَبد
ليس المدى.. صحراء نعبرها سُدى
بل لوحة.. نحن الذين نخطها
فأَحسنوا الرسم..
كَي تبقى الملامحُ بعدنا..
عطراً يطهر ليل مَن ضلوا الطريق
فِي كل نبضٍ.. قصةٌ لم تستعد
إلا بحب.. قد نقشتم في المسير
لا تزرعوا الشوك.. الذي يُدمي غداً
بل ازرعوا الورد.. الذي يهدي العبير
إِن الحياة.. غمامة تمضي سِراع
والباقِياتُ.. هي التي تحمي المقيل
فـ الذكرُ نهر لا يحاصرهُ الضياع
و الأثر خيل لا تمل من الصهيل
كونوا.. كنجمٍ في دياجير الضلال
يهدي الحيارى.. حين يشتد الغسق
فالسيرة الحسناءُ.. أَبقى مِن جبال
وأَثرُ الإحسان.. محفورٌ.. بدقات الشفق
أَحسنوا الأثر..
لكي يبقى الصدى..
صوتاً يردده الوجود إذا ارتحلنا:
"ها هنا مروا..
ورشوا الملح في جرح الفؤاد..
فاستحال الجرح.. شهداً.. أو أَمل"
أَحسنوا..
فالموت ليس غياب جسمٍ في التُّراب
بل غيبة المعنى.. وإخراس الأَثر
من عاش للذات انتهى.. مثل السراب
ومن بنى للناس.. خلده القدر
لا تحسبوا المجد.. ادعاء في الكلام
أو نفخةً.. في طين أَوهام البشر
المجدُ.. كف تمسح دمع اليتام
ونية.. بيضاءُ.. أَبهى من قمر
فيا أَيها العابر.. قف في المدى
واكتب بنورك.. سِيرةً لا تنطفِي
اجعل خُطاك.. بشائراً.. صوتاً.. ندى
واجعل نشيدك.. "بالعطاء أَكتفي"
أَحسنوا الأثر..
لِيبقى الذكر.. طوفاناً من النور العظيم
يطوي المسافاتِ..
ويحيي الأَرض..
بعد جفاف عمرٍ.. كاليهيم
تندرج هذه المقامة تحت نوع شعر المقاومة والهوية الفلسطينية الملتزمة المكتوب بقالب الشعر الحر (شعر التفعيلة) ذي النبرة الخطابية والإنسانية العميقة، وينتمي موضوعياً إلى أدب الخلود والتشبث بالأرض وصناعة الأثر الباقي