NOVELFLEX

مدينة الأطلال المضيئة

حارسا عتمة النسيان · بقلم Rahimo😝hanifi

عندما عبرا إطار الضباب الحارق في منتصف بوابة الغيوم، لم يقع الطفلان في الهاوية كما خافا، بل وجدا أنفسهما يهبطان برفق شديد وكأن الهواء تحول إلى سائل حريري يحملهما.

​تلاشى ضجيج العاصفة وسكون الوادي القديم، وحل محلهما همس غريب يشبه عزف أوتار قيثارة زجاجية تحت الماء. فتح رائد عينيه أولاً، ثم مسك بيد لجين ليساعدها على الوقوف.

​كانا يقفان على بلاط أملس مصنوع من رخام أزرق لا حواف له، يمتد أمامهما ليغطي مساحة شاسعة وسط وادٍ معلق بين السماء والأرض. كانت هناك أبراجه وشرفات أعمدة تتسامق نحو الغيوم، تتلألأ بلون ذهبي دافئ رغم عدم وجود شمس في السماء! مصدر النور كان يأتي من نواتات الكريستال الضخمة المدمجة في جدران المباني وأعمدتها، وكأن المدينة نفسها عبارة عن كائن مجريّ ضخم ينبض بالحياة.

​– "رائد.. هل نحن في حلم؟" قالت لجين وهي تتلمس أحد الأعمدة المجاورة، فتوهج الكريستال تحت أصابعها بدرجة أشد سطوعاً ونقلاً لنغمة خفيفة حنونة.

​– "هذه هي مدينة الأطلال المضيئة،" أجابها رائد وهو ينظر إلى الميدالية التي أصبحت الجوهرة في مركزها تنبض بإيقاع يتطابق تماماً مع إيقاع أضواء المدينة. "الملكية القديمة التي تحدثت عنها الأساطير.. المكان الذي سُكبت فيه أول قطرة ضوء في العالم."

​بينما كانا يتقدمان عبر الممر الرئيسي المزين بتماثيل لكائنات أسطورية ذات أجنحة كريستالية، لاحظت لجين شيئاً أثار قلقها. كانت هناك بقع سوداء قبيحة، تشبه الحبر المحروق، تلتصق بقواعد الأعمدة وتدريجياً تسلبها ضوءها، متمددة كالطحالب السامة.

​– "الظلال زحفت إلى هنا أيضاً يا رائد!" أشارت لجين بنبرة خوف وهي تتراجع. "إنها تأكل نور المدينة ببطء."

​وقبل أن يجيبها رائد، انبعث صوت خشخشة ناعم من أعلى شرفة مطلة على الساحة. التفت كلاهما ليجدا كائناً لم يريا مثله من قبل: بومة أسطورية ضخمة بحجم حصان صغير، ريشها مكون من أوراق فضية لامعة تشبه شفرات الفولاذ الخفيف، وعيناها مثل قطرتين من الشفق الأرجواني.

​هبطت البومة برفق أمامهما دون أن تطرق مخالبها للرخام أي صوت، ونظرت إليهما بعمق قبل أن تتكلم بصوت أنثوي حكيم يتسلل مباشرة إلى أذهانهما دون أن تحرك منقارها:

​"أهلاً بكما يا وليدي الفجر.. طال انتظاركن في أروقة 'أثريا'. أنا 'سفيرا'، حارسة السجلات الأبدية لهذه المدينة."

​تقدم رائد خطوة إلى الأمام محاولاً إظهار الثبات:

– "أيتها الحارسة سفيرا، الظلام يلاحقنا، وقد رأينا السحاب الأسود يبتلع النجوم في وادي الصمت. كيف نستطيع إيقافه وإعادة إشعال شعلة الفجر؟"

​أمالت سفيرا رأسها الفضي، وبدت عيناها حزينتين وهي تنظر إلى الميدالية في يد رائد:

– "الشعلة الكبرى ليست مجرد نار تُشعل بعود ثقاب يا صبي. إنها روح العالم المتجددة. والظلام الذي ترونه ليس سوى 'عتمة النسيان'—تبدأ عندما ينسى البشر الأمل والتضامن، فتحتضر المعابد السبعة واحداً تلو الآخر."

​ثم التفتت إلى لجين وأضافت:

– "لتفعيلا الشعلة في هذه المدينة وتنقذا أثريا من الزوال، يجب عليكما أولاً العثور على 'بلورة الهمس الأول' المخبأة في عمق مكتبة الرياح تحت الأرض. ولكن احذرا.. فالظلال أرسلت مسخها الأول ليمنعكما."

​في تلك اللحظة بالذات، اهتزت بلاطات الرخام الأزرق بقوة، وانشق الممر الرئيسي ليتصاعد منه دخان أسود كثيف كبريتي الرائحة. ومن قلب الدخان، برز كائن هجين هائل الحجم، ذو جسد مكوّن من أحجار مكسورة يربط بينها سائل ظلامي لزج، وعيناه تجميدان الدماء في العروق باللون الأحمر الدموي.

​أطلق المسخ زئيراً هز جدران المدينة الكريستالية، متوجهاً بنظره الثاقب نحو الميدالية المضيئة في يد رائد!