NOVELFLEX

صدى مكتبة الرياح

حارسا عتمة النسيان · بقلم Rahimo😝hanifi

​– "احذرا! إنه 'آكل الضوء'!" صرخت سفيرا وهي ترفرف بأجنحتها الفضية لتشكل جداراً مؤقتاً من الرياح الحادة أمام المسخ. "ارركضا نحو الباب النحاسي المغمور في أقصى الساحة! سأحاول تعطيله!"

​لم يتردد رائد ولجين. مسك رائد بيد لجين وانطلقا بأقصى سرعة عبر الرخام الذي بدأ يتشقق تحت ضربات المسخ الهائلة. كان آكل الضوء يضرب الأرض بقبضته الصخرية، فتتطاير شظايا الظلمة لتطمس أضواء الكريستال في طريقها.

​وصلا إلى الباب النحاسي الضخم، المنقوش عليه آلاف الحروف اللغزية التي تتغير أماكنها كل ثانية.

​– "إنه مقفل بلغز الرياح!" صرخت لجين وهي تضع يديها على السطح النحاسي البارد. "الحروف تتحرك بسرعة، لا أستطيع قراءتها!"

​– "لا تقرئيها بعينيكِ يا لجين، استمعي إليها!" هتف رائد وهو يقف أمامها لحمايتها بجسده، رافعاً الميدالية التي بدأت تطلق أشعة ضوئية تصد قطرات الظلام المتطايرة نحوهما. "أنتِ تفهمين لغة الرياح، دعِ النغمة تدلكِ!"

​أغمضت لجين عينيها وتنفست بعمق، متجاهلة أصوات الزمجر والتحطم خلفهما. أصغت إلى الهمس الخفيف الذي يتسلل من الثقوب الصغيرة في الباب النحاسي. كانت الرياح تعزف مقطوعة موسيقية خفية تتكرر فيها ثلاث نبرات متميزة.

​حرّكت لجين يديها بسرعة وعلى حدس تام، فضغطت على ثلاثة رموز متتالية طابقت تلك النبرات: الرمز الأول: سحابة، الثاني: قطرة شبنم، والثالث: شمس بكر.

​انطلقت صفارة ناعمة، وانفرج الباب النحاسي إلى الداخل ليكشف عن درجات سلم حلزوني ينزل إلى أعماق لا قاع لها. دخل الطفلان بسرعة، وانزلق الباب ليغلق خلفهما تماماً، حاجباً صوت المسخ وزئيره، ومخلفاً صمتاً أثرياً عميقاً.

​كانا يقفان في مكتبة الرياح.

​لم تكن مكتبة تقليدية ذات رفوف وكتب، بل كانت عبارة عن تجويف صخري هائل الدائرية، تطوف في هواء منتصفه ملايين الأوراق الضوئية العائمة والأقراص الزجاجية الشفافة. كانت الأوراق تطير برفق كأنها سرب من الفراشات المضيئة، وكل ورقة تحمل معارف وذكريات من عصور غابرة.

​– "هذا مذهل.." همست لجين وهي تمد يدها، فتوقفت ورقة ضوئية عند طرف أصبعها لتظهر عليها رسومات لمدينة أثريا في أوج مجدها.

​– "يجب أن نجد بلورة الهمس الأول بسرعة قبل أن يكسر الكائن الباب،" قال رائد وهو يتفحص درجات السلم.

​في مركز المكتبة تماماً، كان يطفو هرم زجاجي صغير مقلوب، وفي داخله تتلألأ بلورة زرقاء صغيرة تبث موجات ضوئية منتظمة. لكن الوصول إليها لم يكن سهلاً؛ فقد كان الهرم يطوف فوق بحيرة سيرك المائع، سائل سحري فضي اللون يتدرج ويتحرك دون توقف.

​– "كيف سنصل إليها دون أن نقع في السائل؟" سأل رائد.

​نظر لجين إلى الأوراق العائمة، ثم ابتسمت بفكرة جريئة:

– "الأوراق لا تطوف بسبب السحر فقط.. إنها تطوف على تيارات هواية منتظمة! إذا استطعنا رؤية مسار الهواء، سنستطيع قفزاً عبر الأوراق لنصل إلى الهرم!"

​رفع رائد الميدالية، فانبعث منها نور كشف عن خطوط ذهبية دقيقة ترسم مسارات الهواء في القاعة.

​– "أنا سأدلكِ على أماكن القفز، وأنتِ استعملي خفتكِ يا لجين!" قال رائد بإصرار.

​وبدأت أشرس مرحلة في مغامرتهما؛ حيث بدأ رائد يوجه لجين بصوت دقيق مع كل حركة للتيارات، بينما كانت لجين تقفز ببراعة وثبات من ورقة ضوئية عائمة إلى أخرى، كالراقصة فوق جزيئات النور، متجهة بثقة نحو مركز البحيرة الفضية...