NOVELFLEX

حين يخاف المرء من نفسه

وجه آخر للموت · بقلم hiba tslgt

لم يكن يبحث عن الماضي, بل كان يحاول استعادة جزء منه...

بعد خروجه من المستشفى، كان يعلم أن الوقت ليس في صالحه، وأن الحقيقة التي يبحث عنها دُفنت تحت أشهر كاملة من الصمت,لذلك لم يكن أمامه سوى العودة إلى الأيام التي غاب عنها.

دخل إحدى البقالات القديمة، ووقف أمام صاحبها قائلًا:

ـــ أريد الجرائد القديمة... كل ما لديك من الأشهر الماضية...

نظر إليه الرجل باستغراب، لكنه لم يسأل.

بعد دقائق خرج مارتين وهو يحمل مجموعة من الجرائد بين يديه.

لم تكن كافية, تابع طريقه, دخل بقالة أخرى, ثم ثالثة, ثم أكشاكًا صغيرة في شوارع مختلفة...

كان يجمع الأخبار كما يجمع الأدلة، يبحث بين الصفحات عن أي أثر يقوده إلى الحقيقة, حتى أصبحت بين يديه كومة كبيرة من الجرائد القديمة، تحمل أحداث عام كامل عاشه العالم بدونه.

بعد ذلك، بدأ بالسير, لم تكن خطواته خطوات رجل تائه يبحث عن مكان يختبئ فيه, بل خطوات رجل يعرف وجهته، حتى لو كان لا يعرف ما الذي ينتظره هناك...

 

توقف أمام أحد المنازل الهادئة, ظل ينظر إليه للحظات، ثم أخرج مفتاحًا من جيبه, ثم أدخله في القفل

وضع الجرائد فوق الطاولة، ثم جلس وبدأ يقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى...

كان يبحث عن اسمه, عن قضيته, عن أي شيء يفسر السنة التي اختفت من حياته...

مرّت الدقائق ببطء, عناوين كثيرة... صور كثيرة... جرائم كثيرة

لكن لا شيء يخصه, حتى توقفت يده فجأة... وجدها

جريدة قديمة تحمل تاريخًا يعود إلى فترة غيابه, ثبت نظره على الصفحة الأولى, كان هناك عنوان كبير في الأعلى, شعر ببرودة تسري في جسده

بدأ يقرأ بصوت منخفض:

ــــ المحقق مارتين المتهم الرئيسي في جريمة حرق شاب يبلغ من العمر ثمانية عشر ....

توقف, لم يستطع إكمال الجملة, بقيت عيناه معلقتين على الكلمات, كأنها كتبت بلغة لا يفهمها...

ثم اتسعت عيناه تدريجيًا, أعاد قراءة السطر مرة أخرى...

لكن النتيجة لم تتغير.

ترك الجريدة من يده ببطء, ثم ابتعد عن الطاولة, خطوة, ثم أخرى...

كان يحاول أن يجد تفسيرًا منطقيًا لشيء لا يملك أي منطق.

همس بصوت مبحوح:

ــــ لا يمكن....

ساد الصمت,

نظر إلى الجرائد المنتشرة أمامه، وكأنها تحولت فجأة من مصدر للحقيقة إلى دليل اتهام...

ثم قال، وكأنه يسأل نفسه:

ــــ كيف لي أن أقتل شابًا؟

لم يكن ينتظر إجابة أحد, لأنه للمرة الأولى في حياته, لم يكن يحقق في جريمة شخص آخر, بل كان يبحث عن حقيقة جريمة تحمل إسمه...

ظل واقفًا للحظات، عاجزًا عن تحريك أي جزء من جسده

كانت الكلمات أمامه واضحة... لكن عقله كان يرفض تصديقها

تراجعت قوته فجأة...

جلس على الأرض ببطء، ثم ضم ركبتيه إلى صدره، ووضع رأسه بين ساقيه كطفل فقد طريقه.

لم يعد يرى الجرائد أمامه, لم يعد يسمع سوى صوت السؤال الذي يطارد عقله:

"ماذا لو كنت فعلًا الشخص الذي أبحث عنه؟"ـــــ

سقطت دمعة وحيدة من عينه, لم تكن دمعة خوف من العقاب, بل دمعة رجل خاف من نفسه:

همس بصوت مكسور:

ــ أنا لست وحشًا...

في تلك اللحظة، تحرك قفل الباب, ثم انفتح الباب ببطء

دخل الضابط, لكنه توقف فور رؤيته, لم يكن أمامه المحقق الذي يعرفه.

كان يرى إنسانًا محطمًا يجلس وسط أكوام من الجرائد، يبحث عن إجابة قد تدمره, اقترب منه بخطوات هادئة

ــ سيدي...

لم يتحرك.

ــ سيدي...

رفع مارتين رأسه ببطء, كانت عيناه تحملان تعب سنة كاملة... وخوف لحظة واحدة, نظر إلى الضابط وقال بصوت مبحوح:

ــــ هل يوجد احتمال...

توقف قليلًا, كأنه يخشى نطق السؤال...

ــ هل يوجد احتمال أن أكون سيئًا إلى هذه الدرجة؟

لم يجب الضابط فورًا...

جلس بجانبه، ووضع يده على كتفه...

بعدها نهض الضابط بهدوء، وأحضر بعض الأغطية وفرشًا بسيطًا للنوم, وكذا ملابس ليغير المحقق المريول.

ثم عاد وجمع الجرائد المنتشرة فوق الأرض, كان يلتقطها واحدة تلو الأخرى، يعيد ترتيبها، وكأنه يحاول ترتيب الفوضى التي حدثت داخل عقل المحقق, نظر إليه وقال بهدوء:

ــــ لو كنت سيئا لما بكيت.