NOVELFLEX

متهمٌ بلا ذاكرة

وجه آخر للموت · بقلم hiba tslgt

على مشارف الفجر، حين كانت المدينة غارقة في صمتها الأخير, ارتعش جفن مارتين للمرة الأولى منذ زمنٍ بدا وكأنه خارج حدود الزمن نفسه.

ببطء شديد، فتح عينيه, استقبلته إضاءة باهتة وسقف أبيض جامد، لا يحمل أي ذكرى، ولا يمنحه أي إجابة.

ظل محدقًا فيه طويلًا، كأن عقله يحاول أن يعود من مكان بعيد، مكان أبعد من أن تصله الكلمات.

حرك رأسه بصعوبة، ثم رفع يده نحو وجهه, كانت حركاته بطيئة، مترددة، وكأن جسده لم يتذكره بعد.

توقفت عيناه عند الجهاز المثبت في إصبعه, نزعه دون تفكير, ثم بدأ يتفقد جسده, مرر يده على رأسه, على صدره, على كتفيه, على ساقيه... كان يبحث عن جرح, عن كسر... عن شيء يبرر وجوده هنا... لكن ماوجده كان أكثر غرابة من الألم نفسه... لأنه لم يجد شيئاً.

لا جرحًا يتذكره, ولا ألماً يشعر به, ولا ذكرى تفسر له كيف انتهى به إلى هذا السرير.

أغمض عينيه محاولًا الإمساك بآخر خيط من الماضي, لكن للأسف لم يجد سوى فراغ بارد يبتلع كل محاولة للفهم...

أمسك بطرف السرير وحاول الوقوف, ارتجفت ساقاه,  ثم خانه توازنه.

وفي اللحظة التالية، ارتطم بالأرض بقوة, لم يكن سقوط رجل مريض, بل سقوط رجل نسي جسده كيف كان يمشي...

دوّى الصوت في الغرفة الساكنة, وبعد ثوانٍ انفتح الباب بعنف, دخل الضابط  مسرعًا, لكن ما إن وقعت عيناه على المحقق الجالس أرضًا حتى توقف فجأة, كأن الزمن تعثر لثانية

اتسعت عيناه, وانعقدت الكلمات في حلقه ,همس دون وعي:

ـــــ وأخيراً...

رفع مارتين رأسه نحوه, كانت ملامحه شاحبة، لكن نظراته بقيت حادة كما كانت دائمًا.

اقترب الضابط وساعده على النهوض, ظل يحدق فيه طوال الوقت وكأنه ينظر إلى شبح عاد من قبره.

جلس مارتين على حافة السرير,

ثم سأله بصوت أجش أنهكه الغياب الطويل:

ــــ لماذا أنا هنا؟

ساد الصمت...

نظر الضابط إليه للحظات طويلة, ثم قال:

ــــ هل تتذكر اسمك, سيدي؟

انعقد حاجبا مارتين باستغراب...

ــــ بالطبع, إسمي مارتين

تنفس الضابط بارتياح خافت, لكن المحقق لم ينتظر, رفع عينيه إليه مجددًا وقال:

ــــ ماذا حدث لي؟

ابتلع الضابط ريقه, ثم قال:

ــــ تعرضت لحادث

ــــ كيف؟ متى؟ أنا لا أذكر شيئاً...

صمت الضابط صمتًا طويلًا بما يكفي ليجعل قلب المحقق ينقبض, ثم قال:

ــــ منذ سنة

تجمد كل شيء, حتى الهواء بدا وكأنه توقف عن الحركة, حدق فيه المحقق غير مستوعب.

ــــ ماذا؟ تمزح...

ــــ كنت في غيبوبة... لمدة عام كامل

سنة...

ظل صامتًا للحظات, ثم سأل بهدوء مخيف:

ـــ ما تاريخ اليوم؟

أجابه الضابط, رفع بصره نحو الضابط من جديد, ولأول مرة لاحظ شيئًا غريبًا, لم تكن الدهشة هي الشيء الوحيد في عيني الضابط, كان هناك خوف, وتردد, وشيء آخر...

شيء يشبه الشفقة, ضيق عينيه وقال:

ــ ما الأمر؟ أشعر بأن هنالك شيء آخر لم تدلي به...

خفض الضابط نظره, ثم قال بصوت ثقيل:

ــــ هناك أمور كثيرة حدثت أثناء غيابك...

ــــ مثل ماذا؟

رفع الضابط عينيه نحوه أخيرًا...

وقال الجملة التي كانت كفيلة بتحويل ذلك الصباح إلى أسوأ صباح في حياته:

ــــ هناك جريمة قتل وقعت قبل أشهر...

ـــ وماذا بعد؟ ألم تتمكنوا من العثور على القاتل؟

ـ الأدلة تدين شخص واحد فقط, سيدي...

ــــ من؟ أجب...

ـــــ ذلك الشخص هو أنت...

ــــ هل تعي ماذا تقول؟ قبل قليل قلت أنني كنت في غيبوبة لمدة سنة, و الآن تقول بأن متهم بجريمة قتل حدثت قبل أشهر...

ـــ لذلك سيدي أنت مراقب من مدة...

يقولها الضابط وهو ينظر إلى الكاميرا أمامه.

ـ أنا أسف سيدي, لكن أظن بأن العميد قادم الآن...

ــــ يجب أن تساعدني...

ــــ في ماذا؟

بعد دقائق, فتح باب الغرفة, دخل العميد بخطوات سريعة, لكن خطواته توقفت فجأة, كانت الغرفة فارغة... اتسعت عيناه, ثم انتقل بصره إلى الضابط الملقى أرضًا بجوار السرير, مزهرية محطمة تناثرت شظاياها بالقرب منه, وعلى جبينه أثر ضربة واضحة

ــــ ماذا فعلت؟؟

أسرع نحوه وتفقد نبضه, رفع رأسه بسرعة, حينها فقط لاحظ النافذة المفتوحة, كانت الستائر تتحرك بفعل نسيم الصباح البارد.

اقترب منها ونظر إلى الخارج, أغلق عينيه للحظة, ثم ضغط على جهاز الاتصال المثبت في كتفه

ـــ إلى جميع الوحدات...

ساد الصمت في الطرف الآخر...

ــــ المحقق هرب...

وبمجرد أن نطقها شعر بمرارة غريبة, فهو لم يكن يطارد مجرمًا هاربًا, بل رجلًا كان قبل عام واحد فقط أفضل محقق عمل معه.

في الخارج...

كان المحقق يركض بين الشوارع الخلفية مرتديًا مريول المرضى, كانت أنفاسه متقطعة وساقاه لا تزالان ترفضان حمله بعد عام كامل من الغياب عن الحياة,لكنه أجبر جسده على الاستمرار.

في أحد الأزقة الضيقة توقف للحظة, أخرج هاتف الضابط من جيبه, نظر إليه لثوانٍ... ثم فتحه وانتزع بطاقة الاتصال وألقاها داخل بالوعة مياه قريبة, فتح محفظة الضابط, وجد بعض النقود وبطاقة تعريف, أخذ ما يحتاجه وأعاد إغلاقها

ثم رفع رأسه نحو المدينة, مدينة لم يرها منذ عام,مدينة استيقظ فيها قبل أقل من ساعة ليجد نفسه متهمًا بجريمة يستحيل أن يكون قد ارتكبها...

كانت الأسئلة أكثر من أن تُحصى, لكن سؤالًا واحدًا فقط كان يستحق المطاردة الآن:

من الذي أراد للعالم بأسره أن يصدق أنه قاتل؟