«تنبيه: اسم جيمين في هذه الرواية لا ينتمي لأي شخص حقيقي، وأي تشابه في الاسم هو محض صدفة. »
غطست السكين في رقبته، جرح عميق بدأ ينزف دمه بغزارة، رغم الدماء المتدفقة ابتسم بنظرة قاتمة ونبرة هادئة كأن الألم لا يعنيه شيئاً:
«أحسنت لم أتوقع أقل من ذلك لكنللأسف هذا لن يكون كافياً لقتلي أنا لا أموت بسهولة يا فتاتي، أنا خلقت من العذاب وتغذيت على الجراح»
رفع يده الملطخة بالدم ومسح القطرات على خدي كأنها توقيع شيطاني ثم تمتم:
«الآن بعد أن لمست دمي لن تكوني حرة أبداً، ولن يستطيع أخي الاقتراب منك، لقد بدأت اللعبة ولن تنتهي إلّا حين تنكسر روح أحدنا»
صرخت بدهشة:
«ماذا؟ ماذا فعلت؟»
ابتعدت عنه وأمسكت بوجهي الذي كان ملوثاً بدمائه، في ذهول:
«يا إلهي... إنه أخو ران؟ مستحيل»
ضحك بخفوت، ضحكة مشؤومة تنبع من أعماق الظلام، بينما الدم ينزف وهو واقف بثبات كأنه لا يشعر بالألم.
قال بصوت بارد:
«الآن بدأت تفهمين...»
صرخت وأنا أركض عبر باب الغرفة في اتجاه مجهول، صوت خطواتي يتردد في الممرات الطويلة والدماء تلطخ الأرض خلفي، لكن لم أسمع صوت مطارد.
الغرفة التي غادرتها ما زالت مفتوحة، والظلام فيها ينبض كأنه حي، وفجأة، سمعت صوته من بعيد كأن الجدران نفسها تنقل كلماته إليّ، بصوت هادئ وبارد وزاحف خلفي:
«اركضي يا فتاتي...
اركضي كما تشائين إلى حيث تظنين أنني لن أصل، لكن تذكري هذا القصر بُني من ظلالي»
همسة خافتة تلامس أذني رغم أنني وحيدة في الممر:
«لن تهربي لأنك الآن تحملين أثري ودمائي واسمك كُتب ولا أحد يهرب منيّ»
تردد الكلام في رأسي، وبدأت أشعر بدوار وأنا أحاول المضي قدما، ارتطمت بأرضية الرخام الباردة، أنفاسي متقطعة والممر يدور من حولي كأنه يبتلعني.
وفي لحظة صمت سمعت وقع خطوات بطيئة ثابتة، قادمة من بعيد.
شعرت بحضوره قبل أن أراه، وظله يزحف على الجدار يسبق قدومه مثل شبح يُعلن مجيء اللعنة.
اقترب مني ووقف عند الدرج قائلاً ببرود:
«أخبرتك... ألاّ تغادرين الغرفة»
«ما الذي أتى بك إلى هنا؟»
اقترب ران من أخيه كان في حالة خطيرة، عيناه تشعان ضوءا أحمر قوياً وكأنه على وشك التحول.
«جيمين... كيف تجرؤ؟!»
كان ران غاضباً بشدة مثل وحش لا يهدأ، إذن أخوه اسمه جيمين.
الأجواء بدأت تشتد حولي، كانت فرصتي للهروب لكن من المستحيل أن أهرب والوحش الذي يُدعى سيد القصر في خطر، قد يكون خدعني لكنه حماني من قبل.
قال جيمين بصوت مدوٍّ:
«فات الآوان يا أخي... إنها ملكي الآن»
قبض ران على يده وامتد من قبضته شعاع أحمر كبير يشع نورا ساطعاً، ووجّهها صوب أخيه، الذي سقط أرضاً بضربة واحدة فقط.
«لم تمت بعد، لا يزال موتك قادرا على إعادة الأمور إلى نصابها»
توقف ران فجأة وبدأ جسده يرتجف بعنف، قبض على صدره بألم كأن شيئاً بداخله يتمزق، صرخ لكن لم تكن صرخته بشرية بل كانت عواءً كاسرا خرج من أعماق روحه.
انحنى إلى الأرض ويداه تتقلصان وتمتدّان بطريقة غريبة، عظامه تنكسر وتعاد تشكيلها بصوت طقطقة مخيف، أظافره طالت وبدأت شعيرات داكنة تنبت على جسده كالنار.
وجهه تغيّر بالكامل، اشتعلت عيونه بلون ذهبي بارد، وأسنانه تحولت إلى أنياب طويلة وحادة كالسكاكين، أنفه انضغط للأمام وجبينه اتسع وتحول تعبيره الإنساني إلى وحشية مفرطة.
ارتفعت قامته، وبدأ يزأر ليس بعقل بشري بل بصوت مخلوق لا يعرف الرحمة.
في لحظات لم يبق من أخيه شيء سوى مزق ملابسه المتناثرة على الأرض، والوحش واقف يتنفس بصوت عميق وعيناه تلمعان بشهوة افتراس لا ترحم.
أرعبني المنظر، قدمي فشلت، لم أستطع الركض وسقطت أرضاً أشاهد كيف يفتك أخاه بوحشية.
حاولت الاقتراب لكنه دفعني بقوة، لكن هذا لم يؤذيني، معناه أنه رغم تحوله لا يستطيع إيذائي.
تذكرت كلام مالديليف حين قالت: «لا يُسمح بالنظر في عيني الأمير مباشرة أثناء اكتمال القمر»
لكنني قررت المخاطرة، اقتربت من ران مرة أخرى وبدأت أحدق بعينيه المشتعلة غضباً، وقلت:
«ران... إنها أنا، رانا هل تتذكر حين قلت لي جزءا من نبوءة تقول: عندما يجتمع ران ورانا، سيتبدد الظلام ونكتشف الغموض؟ أرجوك استيقظ»
بدأ يفرك عينيه وهو يحدق بي، بينما كان أخوه مستلقياً على الأرض ويحاول الفرار.
هجم عليّ بعنف وانقض عليّ كوحش لا يعرف معنى الرحمة، رفع قدمه وكاد أن يغوص بأضافره، وأنيابه الحادة بداخلي، ليترك بصمته على جسدي كلوحة فنية مرعبة، لكن لن أدعه يفعلها لازال لي هدف أسعى ورائه في هذه الحياة.
واصلت الجملة وأكملت:
«وها نحن اجتمعنا... لا يزال لنا معاً أن نكشف الغموض»
سقط ران أرضاً، وانطفأ الشعاع الأحمر الذي كان يحيط به، بينما اختفى أخوه جيمين فجأة.
وجدت نفسي وسط الغابة مع ران والذئاب تحيط بنا.
قلت له:
«ران، هل أنت بخير؟»
أومأ برأسه لكنه بدا منهكاً، وحالته تعكس عكس ذلك، حاولت التحدث مع الذئاب، إذ كان ران منهم ويستطيع التحول، وكان من المنطقي أن تكون الذئاب كذلك.
فعلاً تحولت الذئاب إلى بشر وساعدوني في حمل الأمير إلى القصر، الذي بدا مهجوراً كأن الجميع غادر.
دخلنا الغرفة ووضعنا ران على سريره ليرتاح، بينما غادر الذئاب، واحد منهم يدعى فينسوم قال:
«أنا تحت أمرك هذه الليلة»
بدا ذلك بسبب حالة ران، فمن الواضح أنه لن يغادر الغرفة وهذا جيد، طلبت من فينسوم إحضار مشروب أعشاب لتحسين حالة الأمير، فأحضر لي كوباً من الأعشاب الطبيعية.
اقتربت من ران وهو فاقد الوعي، رفعت رأسه وسكبت الشاي في فمه، بينما كان فينسوم يراقبني من بعيد.
أومأت له برأسي كي ينصرف فقال:
«سأكون بجانب الباب، إذا احتجت شيئاً فقط نادي باسمي»
ردت: « حسناً»
بعد أن انتهيت من إطعامه الشاي، وضعت وسادة مريحة تحت رأسه وبدأت أبحث في غرفته، وجدت مرهماً موضوعاً داخل رف في خزانته، وضعت قليلاً منه على يدي، فقد أصبت بخدوش عندما دفعني.
تذكرت تلك اللحظة التي هجمت فيها على جيمين، وجلست بجانب سريره على كرسي، أراقبه حتى الصباح.
استيقظت صباحاً، وكان ران لا يزال نائماً، وضعت عليه الغطاء برفق، فالجو بارد في هذا الصباح.
نهضت لأخرج من الغرفة لكنه أمسَك بيدي وهمس باسمي:
«رانا...» كان لا يزال غارقاً في النوم، يبدو أن حالته أثرت عليه كثيراً.
أبعدت يده بلطف ثم توجهت إلى غرفتي، استحممت بماء ساخن وغيرت ملابسي التي ما زالت تحمل آثار دم جيمين، و ارتديت فستاناً ذا أكمام قصيرة باللون الأرجواني القاتم، مع كعب عالٍ، وضعت لمسة من أحمر الشفاه ورفعت شعري إلى الأعلى.
الإنسان يحتاج إلى هذه اللمسات ليشعر بالانتعاش وتجدد الطاقة بداخله، الاهتمام بالنفس شعور يمنح طاقة إيجابية لا تُقدر بثمن.
نزلت إلى المطبخ في الطابق الأرضي.
كان المطبخ يعج بالخدم، وعندما اقتربت من الباب توقّف الجميع عن عملهم وحدقوا بي حتى شعرت بالخوف وكدت أتراجع، لكنهم تراجعوا لتحييتي ثم عادوا إلى مهامهم كأنني لم أكن سوى نسمة عابرة.
دخلت لأخذ كأس من الماء ثم خرجت بسرعة.
بدأت أتجول في أرجاء القصر، ويبدو أن الحراس غير مهتمين بي هذه الأيام.
واصلت المشي حتى وصلت إلى حديقة القصر.
الحديقة واسعة وكبيرة تملأها أزهار ملونة ومتنوعة من الورود الحمراء والبيضاء إلى الزنابق الصفراء والبنفسج.
المسارات المرصوفة بالحجارة تتعرج بين الأشجار العالية مثل النخيل والسرو، التي توفّر ظلالاً منعشة.
في الوسط بحيرة صغيرة تعكس صفاء السماء الزرقاء، وعلى ضفافها مقاعد خشبية مريحة للاستراحة.
النسيم يحمل معه عبق الياسمين مما يجعل الأجواء ساحرة وهادئة وكأنها ملاذٌ بعيد عن كل ما يحدث في القصر،
أذهلني جمال البحيرة الصافية، اقتربت منها بتأنٍ كانت تعكس مظهري كما أنا بالضبط كمرآة صافية لا تخون، غطست يدي في مياهها الباردة والمنعشة، شعرت بشيء غريب يسحبني إلى الداخل، حاولت سحب يدي لكن لم أستطع.
فجأة ظهر القصر أمامي كما لو أن الأرض لفظته من أعماقها.
يتابع...