NOVELFLEX

الفصل ٤

سوار القمر · بقلم Mouna B.S

«مالديليف»

اقتربت مني واحتضنتني بقوة وكأنها أختي، شعرت حينها بندم عميق على ما فكرت فيه سابقاً، لولاها لكنت أنا السبب في موتها.

قالت بهدوء:

«أنا بخير سيدتي»

همستُ متأسفة:

«أنا آسفة لما حدث لك»

ردت بابتسامة خفيفة:

«لا تعتذري لي، سيدتي أنا من يجب أن يشكرك»

تساءلت:

«على ماذا؟»

أجابتني بحزم:

«عفا عني سيدي وكلفني بالعناية بك خصيصاً، عفا عني من الأعمال الشاقة في القصر»

تملكني القلق وقلت لها:

«ماذا يحاول أن يفعل؟ هل يحاول منعي من لقاء الأشخاص؟»

اقتربت مني وهمست بصوت منخفض:

«سيدتي الأمير يستطيع سماع صوتك»

ارتجفت:

«م... ماذا؟»

اقتربت مني محاولة إسكاتي وأضافت:

«انتظري حتى يغادر القصر ثم سأتي للتحدث معك»

أومأت برأسي وغادرت بانحناءة صغيرة.

كيف يستطيع السمع من مسافات بعيدة؟ هذا لا يعقل، لا أستطيع البقاء في هذا القصر لكن كيف سأهرب من هذا الوحش؟

لا أستطيع التضحية بمالديليف فهي ضحت من أجلي رغم معرفتها بالقوانين جيداً.

كم أكره أن تكون العاطفة سبباً في ضعفي، تمنعني من اتخاذ قرارات قد تحميني رغم وضوحها أمامي.

كم أشفق على نفسي! ربما أجد شيئاً في هذه الغرفة التي أصبحت لي بمثابة الجحيم.

بدأت أبحث في الرفوف، تحت السرير، بجانب الطاولات، خلف الأروقة، وحتى تحت السجاد، كنت على وشك فقدان الأمل حتى اقتربت من المدفأة، ما زالت تبدو كمدفأة لكنها ليست كذلك، يبدو أنها مخرجٌ خفي أو ربما ممر يقود لشيء ما.

انحنيت وحاولت الدخول وفعلاً دخلت بكاملي، أين سيؤدي هذا الممر؟ هل يوصل إلى خارج القصر؟

حاولت العودة والخروج لكن الخروج صعب الآن، خاصة وأن ذلك المغرور لا يزال في القصر، إنه يستطيع التجسس وسماع كل ما يقال، قد يشعر بوجود أشخاص حوله وسأقع في مشكلة إذا اكتشف خطتي، استلقيت على سريري، وغصت في نوم عميق، راودني حلم غريب لأول مرة.

أركض وسط الظلام لا أرض تحت قدميّ ولا سماء فوقي فقط الظلام، عالم بلا حدود وبلا ملامح.

استيقظت وأنا أقطر عرقاً وأتنفس بصعوبة، بدا لي وكأنني عالقة داخل وهم قاتم.

دخلت إلى حوض الاستحمام وغصت بكامل جسدي في الماء الدافئ، وأخيرا وجدت الراحة التي كنت بحاجة إليها.

شعرت بالانتعاش، لففت جسدي بالفوطة، وتوجهت إلى الطاولة بجانب سريري لأشرب مشروباً باردا ومنعشاً، يشعرني بالحيوية.

توجهت بعد ذلك إلى الخزانة لأرتدي ملابسي، اخترت فستاناً أسود طويل الأكمام وارتديته، فأنا أحب الأسود، جلست أنتظر مالديليف لكنها تأخرت، نمت واستيقظت وما زالت لم تأت.

شعرت بالملل وقررت أن أعاود النظر في المدفأة مرة أخرى وبينما كنت أقترب منها، دق الباب فجأة.

استدرت لأرى من الطارق، فكانت مالديليف تقف حاملة بيدها ملابس قديمة المظهر لكن مظهرها لا يزال ينبض بالحياة.

قالت لي:

«سيدتي ليس لدي وقت كاف»

ظللت أنظر إليها وإلى الملابس بين يديها، عسى أن توضح لي شيئاً.

أمسكت بيدي وجلست بجانبي على طرف السرير، كنت على وشك النطق ببعض الكلمات، فأوقفتني وقالت:

«فقط استمعي إلي، سأخبرك بما عليك معرفته»

أومأت لها برأسي وبدأت تتحدث بسرعة:

«سيدتي أنت في قصر مستأذب، هذا الأمير من الدئاب ويستطيع التحكم بهم، يمتلك قوة خارقة للطبيعة وحواس حادة جداً يستطيع الشم ومعرفة مكانك من رائحتك والسمع سواء كان بعيدا عنك أو بجانبك، ويستطيع رؤية ما لا يمكنك أنت رؤيته»

«إذن هو الآن يسمعنا؟»

«لا لأنه خارج القصر وبمسافة بعيدة وعليك الهروب الليلة»

قلت:

«ولكن ماذا عن الباب الحجري؟»

أجابتني:

«سيدتي هذا ليس وقته، الليلة سيكتمل القمر وسيتحول سيد القصر إلى وحش لا تعرفينه سيفقد السيطرة، انظري هناك»

أشارت بيدها نحو المدفأة.

«هناك مدخل يوصلك إلى جناح الأمير، ستجدين شاباً في انتظارك وهو من سيساعدك على الخروج من هنا»

سألتها:

«لكن ماذا عنكم؟ ولماذا تحاولين مساعدتي بهذه الجهود؟ هل...»

قطعتني بجدية:

«لأنك كنت ستكونين سيدة هذا القصر وزوجة الأمير ران»

قلت بدهشة:

«ماذا؟!»

قالت مسرعة:

«ليس معنا وقت عليك المغادرة فوراً، نحن لا نصدر صوتاً أثناء العواء، وسنكون بخير ارتدي هذه الملابس رغم قدمها، ستكون أفضل من الفستان أثناء هذه الرحلة»

ارتديت الملابس التي أعطتني إياها وقدمت لي خنجراً صغيرا رغم حجمه الصغير، إلا أنه حاد جداً وقادر على قلع الرؤوس، الملابس كانت مريحة سروال جينز وسترة بها بعض الجيوب لإخفاء الأغراض.

دفعتني نحو ذلك المدخل وقالت:

«أتمنى لك رحلة سالمة سيدتي»

انهمرت الدموع على وجهها وعانقتها، قد يكون هذا عناقنا الأخير.

دخلت المدخل كان مظلماً ولا شيء بداخله.

هل يعقل هذا؟

ذكّرني بحلمي الذي رأيته قبل قليل، كأني أعيش داخل كتاب لا مخرج منه.

سيد القصر كنت سأكون زوجته؟ هذا غير معقول لم يذكر شيئاً من هذا القبيل، أوه تذكرت شيئاً لما همس بتلك الجملة.

بدأ الضوء يظهر أمامي وأنا أقترب منه، المكان هنا منحدر تدحرجت حتى سقطت داخل غرفة

الأمير.

شعرت بألم خفيف في يدي بسبب السقوط، الغرفة لا تزال كما هي، كأنه لا يلمس شيئاً سوى النبيذ.

ظهر من خلفي شاب وسيم ذو ملامح لطيفة، طويل القامة، شعره بني طويل وعيناه أرجوانيتان تشعّان ببريق غريب.

قال بهدوء:

«وأخيراً وصلتِ»

«وأخيراً وصلتِ»

ترددت وسألته:

«هل أنت من طرف مالديليف؟»

ابتسم وقال بثقة: «لا، بل من طرفي أنا»

بدأ الخوف يتسلل إلى قلبي، خاصة عندما لاحظت عيناه اللتان تشعّان بوهج أرجواني قوي، نظرت إلى السوار على معصمي كان يتوهج بلون أحمر متقد، نفس الشيء يتكرر عندما كنت في الغابة ،علامة واضحة أنني في خطر.

سألت نفسي: أين الأمير الآن؟

صرخت بأعلى صوتي متجهة نحو الباب محاولة الهرب، لكن قبل أن أتمكن وضع يده على فمي بقوة، وقيدني بشريط أرجواني يشبه الظل، يلتف حولي في الهواء.

أدركت أنه يمتلك قوى خارقة أيضاً، حاولت المقاومة لكن كل جهدي كان بلا جدوى وبلا فائدة.

شعرت بشيء غريب يتسلل إلى جسدي وبدأت أفقد وعيي تدريجياً، حتى غمرتني الظلمة بالكامل.

فتحت عينيّ لأجد نفسي في مكان مغلق جدرانه مغطاة برسومات غريبة ومجهولة، كأنها طلاسم تحرس أسرارا دفينة.

دخل الشاب ذو العينين الأرجوانيتين بثقة قائلاً:

«أخيراً استيقظت»

نظرت إليه بحدة وقلت:

«لماذا أحضرتني إلى هنا؟ ومن أنت؟ أنت ترتكب خطأ فادحاً»

ابتسم ابتسامة قاتمة وقال:

«آه، فتاتي... أحضرتك لأنك الوحيدة التي تفهم عمق عالمي المظلم، لكن يبدو أنك تكتشفين الحقيقة قبل أوانها، الخطأ؟ ربما هو أنني وقعت في فخ مشاعري تجاهك»

كانت عيناه تغمرهما ظلمة مخيفة، كأنه مفترس يتربص بفريسته، لا ينتظر اللحظة المناسبة بل يهجم بلا رحمة.

قلت بتحدي:

«هيا فك قيدي»

ضحك ساخراً:

«فك قيدك؟ وهل تعتقدين أن التحرر بمجرد فتح القيود؟ لا يا فتاتي، القيود جزء من اللعبة واللعبة لم تنتهِ بعد»

قلت له متحدية:

«إذن فلنبدأها أيها المجنون»

همس وهو يقترب:

«سأمنحك فرصة واحدة... إذا استطعتِ أن تهمسي بالكلمات التي تُشعل نار عقلي المهوس، سأكسر قيودك ولن يكون هناك ما يمنعنا بعد ذلك»

قلت له بغلظة:

«يا لك من وغد»

رد بابتسامة باردة:

«وغد؟ ربما، فإذا كنت تريدين مواجهة الوغد فلتكن مستعدة لأن تندمي على كل خطوة تخطينها»

رددت بلا خوف:

«مستعدة وسأفعل بك أضعاف ما فعلته بي»

بينما كان يتحدث حاولت جاهدة فك الرباط الذي قيدني به، وأخيرا تحررت بسكين أعطتني إياه مالديليف، والذي خبأته في جيبي الخلفي.

اقتربت منه مهددة:

«والآن سأريك كيف يكون الألم والتحدي»

ابتسم بلا خوف، ولم يتحرك رغم أن السكين يلامس عنقه.

نظر إليّ بنظرة تمزج بين الجنون والإعجاب وهمس بصوت عميق ومملوء بالظلمة:

«أخيراً الآن أراك كما يجب، هذه هي الفتاة التي كنت أبحث عنها، فقط النار في عينيها»

قاطعتُه قائلة:

«اصمت، لن تستطيع أن تؤثر فيّ»

غطست السكين في رقبته...