NOVELFLEX

الفصل ٣

سوار القمر · بقلم Mouna B.S

فجأة، صوت حاد:

«توقفي»

اندفع الحراس إلى الداخل.

«من سمح لكم بالدخول؟!»

أجاب أحدهم بجمود:

«أوامر الأمير»

نظرت إليهم بغضب:

«أميركم هنا... ولم يأتِ إليّ؟ سيدكم المغرور؟!»

مالديليف انحنت وقالت بخوف:

«سيدتي إنهم هنا من أجلي، ارجوك لا تثير المشاكل»

«لماذا؟!»

«أخبرتكِ أن من يخالف قوانين القصر... يُعاقب»

«لكن هذا ليس ضمن القوانين!»

اقترب منها الحراس وقيدوها كأنها مجرمة خطيرة.

«هذا غير مسموح! لن تأخذوها لأي مكان!»

«سيدتي... أرجوكِ...»

قال أحد الحراس دون تردد:

أوامر الأمير تنفد، سيتم محاكمتها غداً صباحاً»

رحلوا بها، كأن كلماتي بلا وزن بلا سلطة، آه ومن أكون لتكون لي سلطة.

حاولت اللحاق بهم، لكن الحراس منعوني:

«غير مسموح لكِ بمغادرة الغرفة»

ها أنا أصبحت سجينة الآن، هذا ما كان ينقصني.

عدت وجلست على سريري، رأسي يعجّ بالأسئلة.

هل لأنها أخبرتني بالحقيقة؟ هل هذا ما يعاقب عليه هنا؟

كيف سأخرج؟ الحراس كالصخور لا يتركون أماكنهم...ماهذا الذي تورطت به، وكيف أصبحت ذو مكانة في هذا القصر ينادونني بسيدتي، ما هذا الجنون! هل أهلوس ولازلت بقاع تلك الشجرة وسط الغابة؟ هل ما أراه أمامي الآن حقيقة، وما يحدث حقيقي؟ لا أصدق إنه القدر، نعم القدر يحاول اللعب معي لا بد من أنه هو، نعم إنه قدري .. سأجن قريبا بفرط التفكير.

لكن لا بأس، هناك دائماً حل.

ابتسمتُ لنفسي بخفة... واتجهت نحو الخزانة.

كان هناك فستان ينتظر هذه اللحظة بالذات، أسود قصير،يكشف الظهر بالكامل، ويُبرز الصدر برقيّ فاضح لم يكن مجرد فستان... كان فخاً ناعماً.

ارتديته بهدوء، سرّحت شعري بعشوائية محسوبة ثم أطلقت صرخة عالية.

اندفع الحراس إلى الداخل، يتسابقون في ذهول.

«بسرعة! أحدكم... يساعدني!»

بدأت أرتجف، أتمايل كأن الألم يعصرني وكأن الوعي يغادرني ببطء.

سقطت على الأرض بتنهيدة وأغمضت عينيّ.

دخل رئيس الحراس بخطوات حذرة، نظر إليّ ثم قال:

«ماذا تنتظرون... انصرفوا وأحضرو الطبيب!»

ثم اقترب مني وقال بصوت منخفض:

«سأُحضر الطبيب حالاً، سيدتي»

فتحت عيني ببطء وهمست:

«انتظر... لا حاجة لطبيب، أنا بخير»

«حسناً... سأنصرف إذاً»

نهضت واقتربت من الباب،أغلقته خلفه بهدوء واستدار نحوي وعيناه تحدّقان بجمود.

«لا... مستحيل أن تذهب الآن»

«سيدتي؟» قالها بتعجب

اقتربت أكثر، نظرت في عينيه مباشرة وتمتمت:

«ألا تودّ أن تُرضي سيدتك... الليلة؟»

تابعت:

«أعلم أن وجنتيك احمرّتا خلف القناع... نظراتك تقول كل شيء، لا تقلق لن أخبر سيدك المغرور»

بدأ يقترب يريد أن يرى إن كنت جادة، وأنا؟ كنت أجرّه لما أريده.

«انتظر... أليس من الأفضل أن تُبعد الحراس أولاً؟»

«أنت على حق»

توجه نحو الباب، وقفت خلفه أراقبه في صمت وسمعته يقول:

الأمير سيصل بعد قليل ولا يريد أن يجد أحداً هنا، انتظروا في مجلس الاجتماعات... هذه أوامر سيد القصر»

«عُلِم»

استقبلته بابتسامة زائفة بينما كانت يدي تخفي خلف ظهري مزهرية متوسطة الحجم، مثقلة بالزجاج.

اقترب بخطوات ثابتة ثم انحنى ببطء نحو عنقي، كمن يوشك أن يهمس بشيء مسموم.

وفي اللحظة المناسبة...

هويت بالمزهرية على مؤخرة رأسه بكل ما أوتيت من قوة.

ارتطم بالأرض وسال الدم من رأسه كسائل العقاب، ينساب بصمت على أرض الغرفة.

تراجعت خطوة أراقب دون أن أرمش، قبل أن أهمس ببرود:

«إن متّ... فلتسامحني»

لكن صوته اخترق الصمت، ضعيفاً مختنقاً:

«ماكرة...»

ابتسمت بازدراء، اقتربت منه وهمست كمن ينفث سُمّه الأخير:

«يا لك من أحمق... هل ظننت أنني سأسمح لوحش مثلك أن يلمسني؟ يبدو أنك ورثت الغباء من سيدك المتغطرس بلا جدوى...»

فقد وعيه.

غادرت الغرفة مسرعة قبل أن يصل الحراس ويكتشفوا ما حدث.

كان القصر متاهة مترامية، ممرات متشابكة تتلوى كأفعى وقد ضعت بين جدرانه.

لكن شيئاً واحداً كنت واثقة منه جناح ران موجود في الطابق العلوي.

كان الليل قد أسدل ستاره، والهدوء يخيّم على القصر ككفن أسود.

تذكرت تحذير مالديليف وهمست لنفسي:

«الطابق العلوي محظور بعد حلول الظلام»

لكن ذلك التحذير أصبح بلا معنى الآن.

بدأت أصعد الدرج ببطء خطوة تلو الأخرى، لا أحد

في الطريق لا خادمة ولا حارس، فقط صمت كثيف يضغط على صدري وعتمة تزحف بين درجات الرخام.

واصلت الصعود حتى بلغت الطابق العلوي.

وهناك... رأيت الباب.

باب فخم ضخم تعلوه نقوش من الذهب الداكن، يقف عن جانبيه حارسان جامدان كتمثالين حجريين، لا يرمشان.

ترددت ثم اختبأت خلف عمود حجري، وأصدرت صوتاً خافتاً لاختبار يقظتهم...

لا رد.

خرجت من مخبئي واقتربت بخطى بطيئة، لم يتحركا حتى عندما وقفت أمامهما تماماً.

ثم فتح أحدهما الباب بهدوء دون أن ينظر إليّ.

تجمدت لوهلة لكنني لم أتراجع، مددت قدمي ودخلت.

خطوة بعد خطوة كأنني أخطو داخل قدري.

كانت الغرفة شاهقة السقف تتدلى منها ثريا ضخمة بأسنان معدنية سوداء تُشبه أنياب ذئب تتربص.

الجدران مكسوة بحجارة داكنة نُقشت عليها رموز قديمة أشبه بتعاويذ سحرية، لا أعرف إن كانت لحبس شيء بداخل الغرفة أم لمنعه من الخروج.

في الوسط سرير ملكي فخم مغطى بفراء رمادي بدا وكأنه انتُزع من ذئاب حقيقية، أعمدته الأربعة منحوتة من خشب أسود وعند الرأس شعار نبيل ذئب يرفع رأسه نحو قمر مكتمل.

في الركن رفوف تحمل كتباً قديمة عن اللعنات والتحولات القمرية ونبوءات منسية، وبجانب المدفأة كرسي جلدي ثقيل يقف أمامه خنجر فضي يلمع فوق طاولة من الرخام الأسود.

الأرضية مغطاة بسجادة حمراء داكنة تخترقها خطوط سوداء ملتوية، كأنها آثار مخالب محفورة في الدم.

رغم الفخامة كانت هناك رهبة خفية، شعور بوحشٍ نائم خلف كل هذا الجمال،ةوحش ينتظر أن يستفز.

أُغلق الباب خلفي بصوت ألقى برعشة على جسدي وظهر أمامي يقف ساكناً كأنه ينتظر اللحظة المناسبة ليشنّ هجومه، لكنني لم أكن لأسمح له بأن يسيطر علي كما يشاء.

قال بهدوء مهيب:

«كنت في انتظارك»

يبدو أنه كان يعلم بقدومي لكن كيف؟ الحراس لم ينبسوا ببنت شفة...

قطعت أفكاري وسألته:

«ران ماذا تظن نفسك فاعللاً؟»

ارتفع صوته يغلفه الغضب:

«كيف تجرئين على استغلال خدم القصر؟!»

قلت متسائلة:

«عن أي خدم تتحدث؟»

بدأ قلبي ينبض بسرعة لا أعرف هل هو من خوفي أم من شيء قادم لا أدري طبيعته.

رد بغضب متزايد:

«أنتِ تعلمين جيداً عمّا أتحدث»

بدأت عيناه تشع بضوء غريب وهو يحدق بي بحدة، هل من الممكن أن يعرف بهذه السرعة؟ يبدو الأمر مستحيلاً وأنني لازلت بهذه الملابس الملعونة.

قلت بثقة:

«تقصد تلك الحارس؟ أوه نعم، كان يستحق ذلك بسبب حبسي»

قاطعني قائلاً بحدة:

«من سمح لك؟!»

أجبته بحزم:

«نفسي ولن أنتظر إذناً منك، لقد وضعت لي منوماً في المشروب وحبستني داخل الغرفة، إذا حاولت لمسي مرة أخرى فلن...»

قاطعني بنبرته القاتلة:

«وإن فعلت؟»

أتممت بجفاء:

«لن أرحمك والآن، أريدك أن تعفو عن الخادمة مالديليف»

تردد في الرد ثم قال:

«ألم تستخدميها قبل قليل كوسيلة للمعرفة؟»

ابتسمت بسخرية:

«إذاً لديك جواسيسك الخاصة؟ اسمع هذا لا يهمني الآن، فقط أطلق سراحها فذنبها ذنبي»

أمرني ببرود:

«عودي إلى حجرتك، ولا تحاولي الهروب وإلاّ سأضطر إلى حبسك مرة أخرى»

قلت له:

«لكن قلت لي عند وصولنا أنك ستخبرني، إذا كنت تكذب علي وتتآمر ضدي! لن أسمح لك»

استدار ببرود واقترب من النافذة ثم قال:

«لم أكذب لقد وفيت بوعدي، بل جعلت كل من في القصر يحترمونك»

قلت بحدة:

«بل كذبت، وإذا لم تستطع الكذب فبإمكانك الخداع لا محالة»

اقترب مني بخطوات ثقيلة وهمس في أذني بصوت خافت:

«زوجتي الحبيبة، لا تزعجي نفسك بالتفكير»

ثم رفع صوته قائلاً:

«خذوها»

اقترب الحراس منيّ بينما أحاول دفعهم بعيدا، قلت لهم بحزم:

«سأذهب وحدي لا داعي لتدخلکم»

دخلت غرفتي ودهشت حين وجدتها تنتظرني هناك.

«مالديليف»

...