NOVELFLEX

الفصل ٢

سوار القمر · بقلم Mouna

file_00000000d73081f4a30b3ed60e51e25c.png

وجدت نفسي خارج المنزل وحيدة لا أعرف إلى أين أتجه ولا ماذا أفعل، حالتي المأسوية لا تسمح لي بالتفكير، قد قُتلت أمي ليلة ميلادي وبطريقة مرعبة وقد انتُزِع منها قلبها، إنهم لا يعرفون بهذا لقد سلبو منيّ الحياة، أبي، نعم أبي كيف استطاع طردي خارجا، أنا فعلا لا أستحق ما يحدث ولا أمي تستحق ما حدث لها لن أسمح لكم تفعلون ماتريدانه بنا، نهضت وأنا أمسح الغبار عن فستاني، لم يكن لدي مكان أذهب إليه لذا دخلت الغابة التي بتجاه معاكس لمنزلنا، قد يكون أفضل ملجأ لي الآن، لا أدري إلى أين أذهب ولا أعرف أناساً قد يستضيفوني بعد ما حدث الليلة.

كان المكان مظلماً والجو باردا حدّ القشعريرة، لا أدري كيف وصلت إلى عمق الغابة، فقط وجدت نفسي هناك تعثّرت في غصن شجرة وسقطت أرضاً من شدة التعب قدماي تؤلمانني، وجسدي بالكاد يقوى على الحراك، كنت على وشك أن أغفو بجانب تلك الشجرة عندما سمعت صوتاً يقترب.

كلما اقترب الصوت ارتفع الزئير، إنها ذئاب... كبيرة الحجم بفراء كثيف لم أستطيع تمييز لونها في الظلام، بدا مزيجاً من الرمادي والبني، تتخلله بقع داكنة، الشيء الوحيد الذي رأيته بوضوح كان أسنانها الحادّة، المصمّمة للقتل.

بدأت بالركض بكل ما أوتيت من قوة، أتعثّر وأسقط عند كل خطوة بسبب الأغصان المتشابكة والحجارة المنتشرة على الأرض، لم أعد أتحمل الجري لمسافة أطول، والذئاب ما زالت تلاحقني.

حاولت تسلق شجرة عالية لأحتمي فيها، لكن فستاني أعاقني، كدت أفقد وعيي من شدة الخوف، لا مفر... هذا قدري، أغمضت عينيّ وهمست:

«انتظريني يا أمي»

الذئاب اقتربت على وشك الانقضاض، وفجأة... أضاء السوار في معصمي، لون القمر في السماء تغيّر تحوّل إلى الأحمر، نبضات قلبي تجاوزت المائة، الذئاب بدأت تتراجع خطوة بخطوة.

«هل ينوين الهجوم معاً؟!»

«لا… سأركض!»

«توقّفي»

كان صوتاً مألوفاً، لا... مستحيل أنا أتوهّم.

تابعت الركض، لأتفاجأ به واقفاً أمامي،عاقداً ذراعيه خلف ظهره، شعره الأسود ينسدل على جبينه، كأن الريح لا تجرؤ على لمسه، عيناه تلمعان بضوء غريب وسط الظلام وبصوت هادئ قال:

«كنت أراقبك منذ الليلة التي بدأت الحقيقة بالاستيقاظ»

ما الذي تقصده؟ ولماذا لم تهاجمني الذئاب؟!»

اقترب ببطء ورفع بصره نحو السوار المتوهج بلون الدم.

«لأنهم يعرفونك ويخشونك، ما يسكن داخلك ليس بشرياً بالكامل وهذا...»

وأشار إلى السوار.

« لم يكن هدية بل كان ختما... لقوة حُبِست منذ ولادتك»

تراجعت خطوة إلى الوراء، الذكريات بدأت تنهال على رأسي كالانفجارات.

«ومن تكون أنت بحق الجحيم؟»

ابتسم لكن كانت ابتسامة حزينة... قاتلة... تشبه ندبة قديمة لم تلتئم.

«أنا من نُفي... لأني رفضت قتلك»

«مستحيل! لا بد أنني أحلم»

«هذا ليس حلما بل حقيقة... وعليك تقبّلها، والآن علينا المغادرة»

«ها! لن أذهب معك إلى أي مكان»

إنهم يبحثون عنك... وسرعان ما سيصلون إلى هنا ليكملوا ما بدأُ»

«من هم؟ وهل لهم علاقة بما حدث لأمي؟»

«انتظريهم هنا... عندما يصلون سيخبرونك بالحقيقة لا شك في ذلك»

استدار ليبتعد لكن... إن كان كلامه صحيحا، فأنا في خطر وإن كان يعرف الحقيقة، فلا بد أن يساعدني في معرفة من قتل أمي.

«انتظر!»

«إذاً هل قررت؟»

«نعم لكن بشرط»

«وما هو؟»

«أن تعدني بأنك لن تؤذيني... وأن تخبرني بكل ما تخفيه عني... وأن تساعدني في معرفة من قتل أمي!»

اقترب مني حتى شعرت بأنفاسه الساخنة على وجهي، وعيناه ما تزالان تلمعان بضوء أحمر كدم العتمة، تراجعت خطوة فتابع التقدّم خطوة بخطوة حتى توقف، وحدّق في عينيّ بنظرة اخترقتني.

ثم قال ساخراً:

«تلك ثلاثة شروط... وليس شرطاً واحداً!»

ابتعد قليلاً ثم أضاف بنبرة باردة:

«أعدك بالشرط الأول أما الباقي فلك الخيار»

إنه يتجنب قول الحقيقة، لكنه لن يستطيع إخفاءها عني طويلاً.

فجأة شعرت بشيء يلتف حول قدمي صرخت:

«يا إلهي... إنها أفعى!»

يلتف شريطا وامضاً حول قدمي فجأة.

لحقت به بسرعة وسألته:

«هل تمتلك قوى خارقة للطبيعة غير التحكم بالذئاب؟»

«نعم»

«جميل...»

ساد صمت ثقيل بيننا ثم قلت محاولة كسر الجدار الجليدي:

«بالمناسبة... ما اسمك؟»

«ران»

«غريب...»

«حقاً؟ ترينه غريباً؟»

«هل تقصد أن حتى الأسماء لها علاقة بما يحدث؟»

«أجل»

صُدمت، فقلت ببطء:

«حتى في الحفلة لم تكن ملابسك تشابه ملابسي صدفة كما ظننت!»

«اعتقدتك أذكى من ذلك... لكن يبدو أنني كنت مخطئاً»

تذكّرت كلام ماتيا:

«كانت محقّة... كنا نرتدي نفس الملابس، وأنا لم ألاحظ لكن لماذا؟!»

«لا تقلقي... إنها من علامات الغباء »

قالها بنبرة ساخرة وهو يتجاهل الإجابة عن الأسئلة:

«هراء!»

توقف فجأة ثم قال بصوت خافت وكأنه يكشف سراً دفيناً:

جزء من نبوءة قديمة يقول:

«حين يجتمع ران ورانا، سينقشع الظلام وينكشف الغموض، ربما لاحظتِ السوار في معصمك... عندما يتوهج يظهر اسمان محفوران عليه»

حدّقتُ بالسوار قلبي ينبض بعنف... لا شيء ظاهر، دفعني الفضول إلى محاولة نزعه لكن المفاجأة كانت أنه ثابت لا يتحرك كأنه جزء مني.

«إنه...» تمتمتُ

فقاطعني قائلاً:

«لا تحاولي لا فائدة»

«لكن...» لم أكمل فقط زاد غموض الموقف التباساً ثم قال بنبرة حاسمة:

«سأخبرك بالباقي عندما نصل»

«ولكن يا ران...» حاولتُ الاعتراض فقال:

«فلنرحل من هنا»

أمسك بيدي بقوة، وقبل أن أتمكن من استيعاب ما يحدث ارتفع أمامي قصر عظيم، كأنه نُزع من أعماق الأساطير.

file_00000000430c820a9574af7ee795d785.png

أمسك بيدي بقوة، وقبل أن أتمكن من استيعاب ما يحدث ارتفع أمامي قصر عظيم، كأنه نُزع من أعماق الأساطير.


جدرانه من الرخام الأسود تعانقها عروق ذهبية تشعّ بضوء الشمس، وكأنها ولدت من نور، أبواب شاهقة من خشب الساج، مطعمة بالأحجار الكريمة، محفور عليها نقوش غامضة بلغة قديمة تُبثّ الرهبة في النفوس.


وعند المدخل مصطفّون كالأشباح في صمت مدجج، وقف الحراس دروعهم الداكنة تعكس الضوء، رماحهم طويلة وأعينهم لا تغفل، تقدم أحدهم وأشار لنا بالدخول بينما انحنى الجميع لران بإجلال.


مررنا في الممر الرئيسي المفروش بسجاد أحمر سميك وعلى الجدران لوحات زيتية ضخمة تتلألأ فوقها شموع كرستالية تتوهج بهدوء وعبق العود والعنبر، مررنا نحو الغرفة بخطوات حذرة.


«هذه غرفتك» قالها وهو يستدير للمغادرة.

الأبواب الثقيلة تغلق خلفي بصمت مهيب لم تكن غرفة بل قاعة من عالم آخر، جدرانها مكسوّة بالمخمل الياقوتي تتدلى منها ستائر ذهبية تتحرك بنسمات عطرة.

في الوسط سرير ملكي بأربعة أعمدة من العاج يعلوه قماش من حرير أبيض موشى بخيوط فضية، وكأنه سحابة تتوسدها الأحلام، على جانبيه طاولتان أنيقتان وفوقهما شموع مضاءة.

أما الأرض فمغطاة بسجاد ناعم بلون الليل، يجعل خطواتك تختفي كأنك تمشين على الغيم.

توجهت مباشرة إلى الحمّام كان التعب قد تسلل إلى كل خلية في جسدي.

الحمام كان تحفة أخرى، رخام عاجي مرصع بنقوش ذهبية، إضاءة خافتة تنبعث من فوانيس زجاجية وفي المنتصف حوض استحمام دائري من حجر أسود مصقول مملوء بماء دافئ، تفوح منه روائح الزهور والزيوت العطرية.

خلعت فستاني وغصت بجسدي في الماء دفعة واحدة، كأنني أغسل طبقات الخوف والتعب معاً.

أسندت رأسي على الحافة وأغمضت عيني، شعرتُ براحة لم أعرفها منذ زمن.

لكن لم يدم هدوئي طويلاً.

طرقات خفيفة أيقظتني، نهضت من الحوض ولففت جسدي بفوطة ناعمة وخرجت.

كانت الخادمة بانتظاري قرب النافذة، تحمل صينية فضية أنيقة.

«صباح الخير سيدتي، الطاهية أعدّت لك هذا الطعام خصيصا لك»

ثم تبعتها خادمة أخرى تحمل فستاناً أسود فخماً.

«وهذه من الأمير، سنساعدك في ارتدائه»

أومأت لهما بالشكر وقلت بلطف:

«لا حاجة للمساعدة سأرتديها بنفسي»

غادرتا بهدوء بعد انحناءة احترام.

تأملت الفستان كان من الحرير الأسود المطرّز بخيوط فضية، ضيّق عند الخصر وينسدل بنعومة مع الحركة وظهره مكشوف بشكل هلالي أنيق.

 ارتديته بإعجاب، الأمير... له ذوق رفيع، مهلاً! هل هو أمير وماذا كنت أضن بعد رؤية هذا القصر بل هذا فقط جزءً منه .

معدتي أصدرت أصواتاً محرجة، فتوجهت للأطباق على الطاولة.

كان هناك طبق أرز عطِر بالزعفران والهيل تتوسطه قطع دجاج مشوي مرشوشة باللوز، و بجانبه رغيف محشو بالأعشاب والجبن، وكأس عصير رمان بارد وصحن فاكهة فيه تين بنفسجي، كرز وتفاح ذهبي صغير.

أكلت بنهم، الجوع كاد يأكلني منذ مطاردتي الطويلة في الغابة بعدها تمددت على السرير، ولم أشعر بشيء إلا والنعاس يسحبني نحو عمق الغياب.

استيقظت على صوت خادمة:

«سيدتي... لقد تأخرتِ عن وجبة الفطور»

تركت الصينية على الطاولة واستدارت للخروج، لكنني ناديتها بصوت خافت:

«أنتِ... انتظري قليلاً»

قالت بانحناءة خفيفة:

«تحت أمرك، سيدتي... ماذا ترغبين؟»

أشحتُ ببصري نحوها وسألت بنبرة باردة:

«أنتِ... ماذا وضعتِ في المشروب ليلة أمس؟!»

خفضت رأسها وقالت بصوت خافت:

آسفة سيدتي، غير مسموح لنا بإخبارك»

لم أكن لأتقبل هذا الرد، يبدو أنها مصممة على الصمت إذن... حان وقت أسلوبي الخاص.

«اسمعي إن لم تخبريني سأُعلم الأمير بأنكِ أسأتِ إليّ»

ارتبكت، وارتعشت ملامحها خوفاً، ثم تمتمت بتردد:

«لكن... سيدتي...»

«ماذا؟ تحدث»

نظرت حولها ثم اقتربت وهمست:

«الأمير هو من أمر بوضع العشبة الذهبية  في مشروبك»

شهقت بدهشة قبل أن أتمالك نفسي وأتابع:

«هكذا إذن، ما نوع هذه العشبة... وأين هو الأمير الآن؟»

بدت مرتبكة وارتجف صوتها حين ردّت:

«لا أعلم سيدتي، إنه يخرج من القصر صباحاً، ويعود عند المساء أما عن العشبة الذهبية فهي للسترخاء والراحة لا أكثر»

«وما اسمك؟»

«مالديليف، سيدتي»

ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن عيني بقيتا حذرتين.

«هيا مالديليف... تناولي الفطور معي»

«بكل سرور سيدتي»

جلست إلى الطاولة كانت خاضعة سهلة التوجيه، لكنني لا أعلم ما تخفيه قد أحتاجها... وقد أضطر للتخلص منها لاحقاً. لكن الآن سأستغلها.

«أحببت طعم المشروب أمس ، كان لذيذاً رغم المنوّم»

ابتسمت بخجل:

«إنه مشروب الرمان، سيدتي»

«يكفي لا تناديني بعد الآن بـ (سيدتي) اسمي رانا»

«أعلم، لكن غير مسموح لنا بمناداتك باسمك»

«أوه؟ ولماذا؟»

«هذه أوامر سمو الأمير، ليس هذا فقط أيضاً احتراما على من هم أعلى مرتبة ومكانة منا»

صمتُّ لحظة ثم سألت:

«هل يملك الأمير إخوة؟»

«نعم له أخ واحد، وهما في صراع دائم على حكم المملكة»

همهمت باهتمام:

«أخبريني عن القصرما زلت جديدة هنا»

اتسعت عيناها وكأنها تتردد، ثم قالت بصوت منخفض:

«القصر ليس كما يبدو، سيدتي... هناك قوانين صارمة، أولها ممنوع دخول الطابق العلوي بعد منتصف الليل دون إذن من الأمير، ومن يخالف... لا يخرج كما دخل.

ثانياً لا يجب النظر في عيني الأمير مباشرة أثناء اكتمال القمر.

ثالثاً من يسمع العواء داخل القصر... يصمت لا يسأل، لا يبحث ولا يجيب…الصمت هو النجاة.

أما الفتاة التي تدخل جناح الأمير، فهي تُعتبر محمية لا أحد يلمسها، ولا يقترب منها، لكن لا أحد يساعدها أيضاً.

وفي نهاية الممر الغربي... يوجد باب حجري مغلق لا يُفتح، مهما بدا هادئاً،لا أحد يجرؤ على لمسه.

وأخيرا... في الليالي المقمرة يتوقف كل شيء، تُلغى الاجتماعات، ويغلق القصر... لأن الأمير لا يحكم بعقله وحده وقتها.

الدماء الملكية لا تُسفك داخل الأسوار، من يخالف... يُعاقب خارجها حيث لا قوانين تحميك.

شعرت بقشعريرة.

«وماذا سيحدث إن فُتح الباب الحجري؟»

ارتبكت وقالت بنبرة خافتة:

«قد ترين أشياء من ماضيكِ... وقد تتمنين أنكِ لم توقظيها»

رفعت بصري إليها ببطء، أهذا هو السر؟ هل هذا الباب يحمل الإجابة عن ماضيي؟ عن مقتل أمي؟ فأردفت:

«لكن يا مالديليف... لمَ قلت إن القصر ليس كما يبدو؟ هل هذا هو السبب؟»

ترددت، ثم همست:

«القصر... ليس قصراً واحداً بل اثنان، والباب الحجري... هو المدخل بينهما»

فجأة، صوت حاد:

«توقفي»

جدرانه من الرخام الأسود تعانقها عروق ذهبية تشعّ بضوء الشمس، وكأنها ولدت من نور، أبواب شاهقة من خشب الساج، مطعمة بالأحجار الكريمة، محفور عليها نقوش غامضة بلغة قديمة تُبثّ الرهبة في النفوس.

وعند المدخل مصطفّون كالأشباح في صمت مدجج، وقف الحراس دروعهم الداكنة تعكس الضوء، رماحهم طويلة وأعينهم لا تغفل، تقدم أحدهم وأشار لنا بالدخول بينما انحنى الجميع لران بإجلال.

مررنا في الممر الرئيسي المفروش بسجاد أحمر سميك وعلى الجدران لوحات زيتية ضخمة تتلألأ فوقها شموع كرستالية تتوهج بهدوء وعبق العود والعنبر، مررنا نحو الغرفة بخطوات حذرة.

«هذه غرفتك» قالها وهو يستدير للمغادرة.

الأبواب الثقيلة تغلق خلفي بصمت مهيب لم تكن غرفة بل قاعة من عالم آخر، جدرانها مكسوّة بالمخمل الياقوتي تتدلى منها ستائر ذهبية تتحرك بنسمات عطرة.

في الوسط سرير ملكي بأربعة أعمدة من العاج يعلوه قماش من حرير أبيض موشى بخيوط فضية، وكأنه سحابة تتوسدها الأحلام، على جانبيه طاولتان أنيقتان وفوقهما شموع مضاءة.

أما الأرض فمغطاة بسجاد ناعم بلون الليل، يجعل خطواتك تختفي كأنك تمشين على الغيم.

توجهت مباشرة إلى الحمّام كان التعب قد تسلل إلى كل خلية في جسدي.

الحمام كان تحفة أخرى، رخام عاجي مرصع بنقوش ذهبية، إضاءة خافتة تنبعث من فوانيس زجاجية وفي المنتصف حوض استحمام دائري من حجر أسود مصقول مملوء بماء دافئ، تفوح منه روائح الزهور والزيوت العطرية.

خلعت فستاني وغصت بجسدي في الماء دفعة واحدة، كأنني أغسل طبقات الخوف والتعب معاً.

أسندت رأسي على الحافة وأغمضت عيني، شعرتُ براحة لم أعرفها منذ زمن.

لكن لم يدم هدوئي طويلاً.

طرقات خفيفة أيقظتني، نهضت من الحوض ولففت جسدي بفوطة ناعمة وخرجت.

كانت الخادمة بانتظاري قرب النافذة، تحمل صينية فضية أنيقة.

«صباح الخير سيدتي، الطاهية أعدّت لك هذا الطعام خصيصا لك»

ثم تبعتها خادمة أخرى تحمل فستاناً أسود فخماً.

«وهذه من الأمير، سنساعدك في ارتدائه»

أومأت لهما بالشكر وقلت بلطف:

«لا حاجة للمساعدة سأرتديها بنفسي»

غادرتا بهدوء بعد انحناءة احترام.

تأملت الفستان كان من الحرير الأسود المطرّز بخيوط فضية، ضيّق عند الخصر وينسدل بنعومة مع الحركة وظهره مكشوف بشكل هلالي أنيق.

ارتديته بإعجاب، الأمير... له ذوق رفيع، مهلاً! هل هو أمير وماذا كنت أضن بعد رؤية هذا القصر بل هذا فقط جزءً منه .

معدتي أصدرت أصواتاً محرجة، فتوجهت للأطباق على الطاولة.

كان هناك طبق أرز عطِر بالزعفران والهيل تتوسطه قطع دجاج مشوي مرشوشة باللوز، و بجانبه رغيف محشو بالأعشاب والجبن، وكأس عصير رمان بارد وصحن فاكهة فيه تين بنفسجي، كرز وتفاح ذهبي صغير.

أكلت بنهم، الجوع كاد يأكلني منذ مطاردتي الطويلة في الغابة بعدها تمددت على السرير، ولم أشعر بشيء إلا والنعاس يسحبني نحو عمق الغياب.

استيقظت على صوت خادمة:

«سيدتي... لقد تأخرتِ عن وجبة الفطور»

تركت الصينية على الطاولة واستدارت للخروج، لكنني ناديتها بصوت خافت:

«أنتِ... انتظري قليلاً»

قالت بانحناءة خفيفة:

«تحت أمرك، سيدتي... ماذا ترغبين؟»

أشحتُ ببصري نحوها وسألت بنبرة باردة:

«أنتِ... ماذا وضعتِ في المشروب ليلة أمس؟!»

خفضت رأسها وقالت بصوت خافت:

آسفة سيدتي، غير مسموح لنا بإخبارك»

لم أكن لأتقبل هذا الرد، يبدو أنها مصممة على الصمت إذن... حان وقت أسلوبي الخاص.

«اسمعي إن لم تخبريني سأُعلم الأمير بأنكِ أسأتِ إليّ»

ارتبكت، وارتعشت ملامحها خوفاً، ثم تمتمت بتردد:

«لكن... سيدتي...»

«ماذا؟ تحدث»

نظرت حولها ثم اقتربت وهمست:

«الأمير هو من أمر بوضع العشبة الذهبية في مشروبك»

شهقت بدهشة قبل أن أتمالك نفسي وأتابع:

«هكذا إذن، ما نوع هذه العشبة... وأين هو الأمير الآن؟»

بدت مرتبكة وارتجف صوتها حين ردّت:

«لا أعلم سيدتي، إنه يخرج من القصر صباحاً، ويعود عند المساء أما عن العشبة الذهبية فهي للسترخاء والراحة لا أكثر»

«وما اسمك؟»

«مالديليف، سيدتي»

ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن عيني بقيتا حذرتين.

«هيا مالديليف... تناولي الفطور معي»

«بكل سرور سيدتي»

جلست إلى الطاولة كانت خاضعة سهلة التوجيه، لكنني لا أعلم ما تخفيه قد أحتاجها... وقد أضطر للتخلص منها لاحقاً. لكن الآن سأستغلها.

«أحببت طعم المشروب أمس ، كان لذيذاً رغم المنوّم»

ابتسمت بخجل:

«إنه مشروب الرمان، سيدتي»

«يكفي لا تناديني بعد الآن بـ (سيدتي) اسمي رانا»

«أعلم، لكن غير مسموح لنا بمناداتك باسمك»

«أوه؟ ولماذا؟»

«هذه أوامر سمو الأمير، ليس هذا فقط أيضاً احتراما على من هم أعلى مرتبة ومكانة منا»

صمتُّ لحظة ثم سألت:

«هل يملك الأمير إخوة؟»

«نعم له أخ واحد، وهما في صراع دائم على حكم المملكة»

همهمت باهتمام:

«أخبريني عن القصرما زلت جديدة هنا»

اتسعت عيناها وكأنها تتردد، ثم قالت بصوت منخفض:

«القصر ليس كما يبدو، سيدتي... هناك قوانين صارمة، أولها ممنوع دخول الطابق العلوي بعد منتصف الليل دون إذن من الأمير، ومن يخالف... لا يخرج كما دخل.

ثانياً لا يجب النظر في عيني الأمير مباشرة أثناء اكتمال القمر.

ثالثاً من يسمع العواء داخل القصر... يصمت لا يسأل، لا يبحث ولا يجيب…الصمت هو النجاة.

أما الفتاة التي تدخل جناح الأمير، فهي تُعتبر محمية لا أحد يلمسها، ولا يقترب منها، لكن لا أحد يساعدها أيضاً.

وفي نهاية الممر الغربي... يوجد باب حجري مغلق لا يُفتح، مهما بدا هادئاً،لا أحد يجرؤ على لمسه.

وأخيرا... في الليالي المقمرة يتوقف كل شيء، تُلغى الاجتماعات، ويغلق القصر... لأن الأمير لا يحكم بعقله وحده وقتها.

الدماء الملكية لا تُسفك داخل الأسوار، من يخالف... يُعاقب خارجها حيث لا قوانين تحميك.

شعرت بقشعريرة.

«وماذا سيحدث إن فُتح الباب الحجري؟»

ارتبكت وقالت بنبرة خافتة:

«قد ترين أشياء من ماضيكِ... وقد تتمنين أنكِ لم توقظيها»

رفعت بصري إليها ببطء، أهذا هو السر؟ هل هذا الباب يحمل الإجابة عن ماضيي؟ عن مقتل أمي؟ فأردفت:

«لكن يا مالديليف... لمَ قلت إن القصر ليس كما يبدو؟ هل هذا هو السبب؟»

ترددت، ثم همست:

«القصر... ليس قصراً واحداً بل اثنان، والباب الحجري... هو المدخل بينهما»

فجأة، صوت حاد:

«توقفي»

...