كان ضخماً قاتم اللون، جدرانه العتيقة مكسوّة بطبقات من الطين المتحجّر والطحالب تتخللها شقوق طويلة كأنها ندوب حروب قديمة ومن أطرافه تتدلّى سلاسل صدئة تتحرك مع الريح، فتُصدر أصواتاً تشبه عواءً خافتاً يقطر برعب.
نوافذه الطويلة الضيقة تشبه أعيناً تراقب كل شي ولا يدخل منها نور، بل كأنها تبتلعه وتختفي خلف ظلالها.
أسواره المحيطة عالية من حجارة داكنة وحادة الحواف، تعلوها رؤوس مسننة كأنياب ذئب جائع.
وعند البوابة رسم محفور لقمر مكتمل يلتف حوله ذئاب بخطوط ملتوية كأنها لعنات منحوتة في الصخر ذاته.
الهواء حول القصر بارد بشكل غير طبيعي، يحمل رائحة الرماد والحديد والدم، كأن المكان تنفّس أجواء الموت والكراهية.
حتى الأشجار القريبة بدت وكأنها تبتعد، جذورها منسحبة عنه بخوف، وأوراقها ترفض أن تلامس جدرانه السوداء.
لم يكن مجرد قصر...
بل كان كائناً نائماً وحشاً من حجر، ينتظر من يوقظه من سباته العميق.
فجأة أضاء السوار مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن كالمرات السابقة بل كأن لونه تحول إلى الأسود القاتم، بدأ يلمع بضوءٍ مظلم وظهر اسمي متصلاً باسم ران،
هذا يعني أن ران في خطر، تراجعت إلى الوراء فظهر أمامي باب ضخم محفور عليه نقوش حجرية،
إنه الباب الحجري الذي كنت أبحث عنه، لكن هذا ليس وقته،
السوار يزداد توهجاً، رميت بنفسي وسط البحيرة، عالمةً أنها آمنة، وأنها تستطيع أن تعيدني إلى حيث أتيت.
هذا يعني أنه مكان سري للتنقل بين القصرين وهذا ما كانت تعنيه مالديلف.
وجدت نفسي في حديقة القصر مرة أخرى وأسرعت أركض نحو غرفة الأمير، صعدت الدرج وصلت إلى الباب
لم يكن هناك أحد حتى ذلك الذئب اختفى، وكان اسم ران يكاد يختفي من السوار.
فتحت الباب، فإذا بمالديلف تحمل خنجراً كبيراً، تحاول به طعن الأمير.
«خائنة!» صرخت.
تراجعت إلى الوراء بينما تخفي الخنجر خلف ظهرها.
قالت بنبرة مرتجفة:
«سيدتي كنت أحاول...»
قاطعتها قائلة:
«كنت تحاولين ماذا؟ تحاولين قتله وهو نائم فاقد الوعي؟»
اقتربت منها بخطوات سريعة ونظرات تهديد، فرفعت السكين نحوي وقالت:
«إن اقتربت أكثر لن أفكر مرتين»
«إذن فلتفعلي» قلتها وأنا أقترب منها أكثر، حاولت دفعها بعيداً وكادت أن تخدشني بضلاعها اليمنى، شعرت بنفسي أحلّق في الهواء مرة أخرى، بينما انقَلع رأسها عن جسدها.
لكن لم يكن مجرد رأس مقطوع...
كان هناك شيء أكثر رعباً وألماً في عينيها.
عيناها لم تُغلقا بل بقيتا مفتوحتين على اتساعهما، تحدقان فيّ، كأنهما مرآتان تحكيان قصة الألم والخيانة.
حاولت ألا أسقط على ركبتي من هذا المشهد المرعب،
إنه سيد القصر لقد استيقظ ويبدو في حالة أفضل من ذي قبل.
قلت بنبرة مرتجفة:
«كيف فعلت ذلك؟ لطخت يدك بدماء لا تستحق ذلك»
رد بلا مبلاة بصوت بارد:
«بلى تستحق وعليها أن تكون ممتنة لي بعد أن خلصتها من التعذيب الطويل قبل موتها»
صمتت متفاجئة أحدق فيه ثم استدار نحو النافذة وقال:
«شكرا لبقائك بجانبي، الآن يمكنك المغادرة أصبحت حرة مني»
شعرت بالكلمة كسهام خارقة تخترق قلبي، لم أعتد هذا الشعور من قبل، كادت دمعة تسقط على خدي دون إذني، مسحتها بسرعة وقلت:
«الآن تمنحني حريتي بعد أن سلبها مني شخص آخر»
ابتسم قائلاً:
«أنت من أردت ذلك، من الآن فصاعدا لم يعد يجمعنا شيء»
قلت له:
«لكن لا زال السوار يجمعني بك ويحمل اسمنا»
حول نظره إليّ وقال:
«فعلاً!، لا زال يحمل اسمي»
أومأت برأسي واقترب مني ليتأكد بنفسه، فجأة أضاء السوار وظهر اسمه يشع ضوءا وقال:
«كيف ذلك؟ هل إلتقيت به مرة أخرى؟ لا تحاول الكذب»
أجبت:
«لا»
قال: «إذن أنت اقتربت من البحيرة»
إنه سريع الاستنتاج ولا يجب أن يعلم أنني استكشفت الباب الحجري... فقد يمنعني من الوصول إليه.
أومأت برأسي وقلت:
«كنت فقط أتجول، اقتربت من البحيرة وهي من... ابتلعتني فجأة»
أمسك بيدي دون أن ينبس بكلمة وسرنا معاً نحو البحيرة،
حاول الغطس فيها لكنها لم تبتلعه، فاكتفى بتوجيه ضربة قوية إلى شجرة قريبة كأنما يتحدى غضبه.
نظرت إليه وسألته بحذر:
«هل هذا هو... الممر الغربي؟ حيث يوجد الباب الحجري؟ هل هذا
هو الممر بين القصرين؟»
لكنه تجاهل كلامي تماماً وقال بنبرة آمرة:
«اغطسي»
«ماذا؟»
«قلت لك اغطسي»
لم أجادل رميت بجسدي داخل البحيرة وبدأت المياه بابتلاعي مجددا…
ثم فجأة شعرت بقوة تخرجني منها كأنه أراد فقط أن يختبرني أن يتأكد أنني لا أكذب.
أخرج ورقة بيضاء ناولني إياها وقال:
«لدي اتفاق إذا وافقتِ عليه... سأمنحك ما تريدين»
ترددت ثم سألته:
«اتفاق على ماذا؟ ولماذا؟»
أجاب بنبرة باردة:
«هذه البحيرة ليست عادية إنها بوابة إلى القصر الثاني... القصر الذي نُفيت منه، ولا يمكن لأحد أن يعبرها إن كان مصاباً بلعنة تلك الساحرة... إلا إن... خلع لعنته أو...»
«أو ماذا؟» قاطعته بقلق.
اقترب مني ونظر في عينيّ مباشرة وقال:
«أو أن أقتل الشخص الذي نُفيت من أجله»
شعرت بالصدمة تراجعت خطوتين واستنشقت الهواء بعمق، محاوِلة السيطرة على توتري.
«هل تقصد... أنني السبب؟ أنني سبب لعنتك؟ من تكون هذه الساحرة؟»
بدأت الشكوك تتسلل إلى عقلي.
إن كنت أنا من ضحى من أجلي قبل مئات السنين، فلماذا الآن؟ هل يمكنه حقاً التضحية بي ليستعيد ما فقده؟ هل يمكن أن يكون ندم على ما فعله!؟
لكن صوت أفكاري انقطع عندما تابع قائلاً:
«كانت هناك ساحرة عظيمة تُدعى يور...
عندما عضّها مستذئب لم تمت، بل لعنت عددا من المستذئبين وأنا كنت من بينهم.
تحوّلت روحها إلى طيف خالد داخل الباب الحجري وهناك طاقة هائلة مختومة، وبما أنك استطعتِ عبور البحيرة، فأنت قادرة على كسر اللعنة... بالإضافة إلى أنك ستكتشفين من قتل والدتك»
شهقت، شعرت بالدوار يتسلل إليّ ثم قلت ببطء:
«أنا أقبل إن كنت ستساعدني على الانتقام وعلى كسر رباطي بأخيك»
قال بثبات:
«أعدك أما بالنسبة لأخي فلم تعودي متصلة به، ماء هذه البحيرة مقدسوقد طهّرك من دمه»
«حسناً إذن، سأوقّع أين القلم؟»
لكنه قال ببرود:
«التوقيع يحتاج إلى دمك»
شهقت بدهشة ثم أخرج خنجراً وناوله لي.
ترددت لحظة ثم جرحت راحتي جرحاً صغيراً، وقطرت دماً على الورقة.
فعل هو الشيء ذاته، وانسابت قطرات دمه فوق دمي، فتوهّجت الورقة بضوء أحمر قاتم، قبل أن تتفكك في الهواء كرماد يتلاشى.
عدتُ إلى غرفتي مثقلة بالأسئلة، غارقة في دوامة فك اللعنة.
لم يكذب عليّ حين كنا في الغابة كان صادقا، وصمته كان يحمل وجعا أكثر من كلماته.
الحياة لا تهدينا ما نحب بل تدفعنا لنتخلى، لنضحي، لندفع أرواحنا ثمناً لأحلامٍ قد لا تتحقق.
ضحى من أجلي... نُفي من قصره منذ زمن بعيد، لكن هل كنت موجودة معهم فعلًا من قبل؟ ولماذا؟ ما السبب الذي دفعه لتقديمي على نفسه؟
لم أحتمل البقاء أكثر، فتحت باب غرفتي وذهبت إليه إلى ذلك ال
ذي يحمل كل الأجوبة.
«ران...»
...