كان جالسا على السرير يحدّق من النافذة في صمت عميق، اقتربت منه ووقفت مترددة للحظة ثم سألته بصوت منخفض:
«ما سبب تضحيتك من أجلي؟»
نهض من مكانه واقترب مني حتى شعرت بأنفاسه تلامس رقبتي، بقيت ثابتة لا أجرؤ على الحراك، قال بصوت خافت:
«كنت أراقبك دائما من خلف الشجرة وأنت صغيرة، تتشاجرين مع أختك، منعوني من رؤيتك مجددا، وكنت لا أزال في عمرك، كبرتِ وقررتُ الزواج بك لكنهم رفضوا، نُفيت من القصر بسبب إصراري.
ثم حين ضربت اللعنة القصر، استغل أخي الفوضى وقتلهم جميعا وجعل من المكان مذبحة لا تنتهي»
فتحت فمي لأقول شيئاً، لكنّه أشار لي بالصمت:
«شششت... الآن، أنتِ هنا بجانبي وهذا يكفي»
شعرت بقلبي ينبض بعنف، نظراته تغوص فيّ وعيناه تتوهجان بصمت لا يُحتمل.
ابتعدت عنه بهدوء وخرجت من الغرفة بلا كلمة، كنت بحاجة للهواء للهروب من هذا الاعتراف الثقيل،
كل يوم أكتشف جزءا جديداً من ماضيّ، من نفسي لم أكن أعلم أنني كنت جزءا من قصة بدأت منذ زمن بعيد.
ذهبت إلى البحيرة، جلست عند ضفافها أرتب أفكاري، استنشقت هواءً عميقا ثم غطست.
وحين فتحت عيني كنت مجددا أمام القصر المهجور.
دخلت...
كان الصمت هناك كثيفاً، كأن الزمن توقف على عتبته،
الجدران عتيقة متآكلة يتدلّى منها العفن كأنها تنزف وجعاً،
الهواء خانق، مشبع برائحة موت قديم، موت لم يُدفن أبدا.
لا نوافذ لا ضوء، فقط خيوط باهتة تتسلل من شقوق السقف تكاد تهمس أن القصر يحتضر ببطء،
الأرضية مغطاة بسجاد ممزق وتحته شعرت بخطى لا أراها شيءٌ ما يمشي معي.
اللوحات على الجدران ترصدني، بعيون لا ترمش، وأفواه كأنها صرخت حتى تكسرت حناجرها.
دخلت الغرفة الأولى…
وكانت الكارثة.
جثث.
متراصّة على كراسٍ خشبية، كأنهم في وليمة لا تنتهي،
رؤوسهم مائلة وأفواههم مفتوحة وأعينهم شاخصة نحو السقف.
بعضهم بلا عيون، فقط ثقوب تنزّ سوادا لزجاً.
شعرت بصرخة تعلق في حنجرتي، ركضت للخارج
خفت أن أضيع داخل هذا المكان، أن يبتلعني جدرانه المظلمة.
اقتربت من الباب الحجري، لم يحدث شيء حتى لاحظت شكل كف مرسوم عليه، وضعت يدي عليه بلا تفكير وفجأة سحبت إلى الداخل وسقطت على الأرض.
نهضت ببطء وسمعت صوتاً غريباً يتردد حولي:
«أخيرا... أتيتِ»
«من هناك؟!»
«كنت في انتظارك منذ زمن طويل»
تراجعت خطوتين وأنا أرتجف:
«أظهر نفسك... هل أنتِ الساحرة؟»
ظهرت أمامي امرأة ذات هيبة غامضة، رغم تقدمها في السن إلا أن جمالها كان مضيئاً، شعرها الأبيض الطويل ينسدل على كتفيها وعيناها الزرقاوان تلمعان كسكون السماء قبل العاصفة.
قالت بهدوء: «رغم خوفك إلا أنك تمتلكين جرأة نادرة»
«سيدتي جئتُ أبحث عن حل لفك اللعنة أحتاج مساعدتك»
أومأت برأسها وكأنها توقعت حضوري منذ البداية:
«كنت أعلم أنني اخترت جيدا لا ندم في ذلك»
اقتربت مني وهمست بصوت هادئ: «الحل بين يديك... قبلة فقط لكنها تحتاج ثمناً أولاً»
فكرت: قبلة هل أنا في قصة
ارتجف قلبي وقلت دون تردد: «أنا مستعدة سأضحي من أجله»
وضعت يدها على صدري وبدأت تتمتم كلمات بلغة لا أفهمها.
شعرت بجسدي يرتفع عن الأرض، دوائر من الضوء تدور من حولي ألوان لا تُوصف وطاقة تخترقني، ثم... سقطت.
قالت:
«أنتِ الآن تملكين كل قواي وتلك القبلة ستحمل نصف قوتك إليهوتبطل لعنته، أعرف أنك قوية وستمكنين من تحمل فقدان النصف الآخر... لأجله»
«أيتها الساحرة...»
لكنها اختفت قبل أن أكمل، تلاشت أمامي كما ظهرت كنت اود طرح بعض الأسئلة عليها، لكن فات الآوان ربما أجد أجوبتها فيما بعد.
وفجأة...
استيقظت في غرفتي.
كان جسدي منهكاً تماماً، لا أقوى على النهوض حتى النَفَس بات ثقيلا، أغمضت عيني وسقطت في نوم عميق كأنني أغرق في بئر بلا قرار.
دخلت حلماً...
المشهد كان مألوفاً بشكل مؤلم.
رأيت نفسي قبل طردي من المنزل، أمي وأبي يتحدثان بصوت منخفض، نبراتهما مشحونة بالتوتر، خرجت من الغرفة وظهر شاب أمامي، شعره بني طويل وعيناه تشعّان بضوء أرجواني خافت.
جيمين.
لا، لا يمكن بل مستحيل.
اقترب بخطى هادئة من والدتي، حاولت الصراخ أن أوقفه لكن صوتي لم يصل، كأنني شبح بينهم أرى ولا يراني أحد.
اختي وقفت في الزاوية تضحك بهستيريا تراقب والدتي تنهار أمامها كأن المشهد يسعدها.
أبي كان واقفاً بلا حيلة، يداه تتشنجان ولا يقوى على التدخل.
استيقظت على رشقات من العرق البارد تغمر وجهي، وقلبي يكاد يخرج من صدري، أختي... مع جيمين؟ لا، لا يمكنني تصديق ذلك... لا أريد.
دخلت إلى الحمام بسرعة، فتحت الماء البارد فوق رأسي في محاولة لتهدئة نفسي، نظرت إلى المرآة ملامحي شاحبة لكن عينيّ كانتا مليئتين بالغضب.
ارتديت ملابسي على عجل، كنت على وشك مغادرة الغرفة والذهاب إلى جناح ران، لكنه دخل في تلك اللحظة يحمل صينية طعام كبيرة مليئة بأطباق متنوعة.
وضعها بهدوء على الطاولة.
راقبته لم أستطع التوقف عن التفكير في القبلة كيف سأفعلها؟ كيف سأقوَ على هذا القرب؟
طردت الفكرة من رأسي بسرعة وقلت بجدية:
«دخلت من الباب الحجري وعرفت من القاتل»
نظر إليّ مطولاً، صمته كان ثقيلا ثم قال:
«أخي»
نظرت إليه مذهولة لكني أكملت:
«وأختي»
أطرق برأسه وقال بنبرة واثقة:
«إذا... كان حدسي في مكانه»
صرخت بصوت غاضب:
«كنت تعلم إذاً! لماذا لم تخبرني؟»
رد بثبات:
«لا أنطق إلا بما أتيقن من صحته وأردت أن تكتشفي الحقيقة بنفسك»
أخفضت نظري ثم همست:
«أختي متورطة في الأمر ولديها علاقة تجمعها بذلك الوغد لن أتركهما بسلام ما دمت على قيد الحياة»
استدرت خارجة من الغرفة، لكنه ناداني قبل أن أصل إلى الباب:
«إلى أين تذهبين؟»
«سأبحث عنهما»
«لن تجديهما الآن كلي أولا ثم أرافقك»
ترددت للحظة ثم عدت وجلست بجانب الطاولة، بدأت بالأكل شعرت كم كانت معدتي فارغة وكأنني لم أتناول طعاماً منذ أيام.
جلس أمامي يراقبني بصمت، لم يمد يده لطعام ولا نطق بكلمة.
أنهيت طعامي، شربت كوباً من الماء وقلت:
«انتهيت يمكننا الذهاب»
خرجنا من القصر، يحيط بنا عدد من الذئاب التي بدت مألوفة له كأنها جزء منه وإنها بالفعل كذلك.
سألته:
«كل هذه الذئاب لماذا؟»
أجاب ببساطة:
«ليساعدونا»
ثم أخرج خنجراً صغيراً، لكن شكله لم يكن عادياً كان حادا بطريقة مرعبة، تلمع نصلته كأنها تشتاق للدم وعلى قبضته نقوش غريبة.
انحنى فجأة أمامي ورفع فستاني عند الساق بلطف، فعل ذلك بسرعة أربكتني.
كدت أتراجع لكنه ثبت قدمي بيده وقال:
«اهدئي لن أؤذيك»
ثم ربط الخنجر على ساقي بشريط جلدي متين، شعرت بحرارة لمسته تتسلل إلى جلدي، توترت لكنه قال:
«هكذا سيكون من السهل عليك إخراجه والدفاع عن نفسك إذا تعرضتِ للخطر»
أومأت له برأسي، لم أكن قادرة على الكلام.
تابعنا السير بين الأشجار، وأنا أُحكم قبضتي على الحقيقة التي بدأت تتكشف أمامي.
تعثّرت بحجر مكسوّ بالطحالب، كدت أن أسقط لكنه كان أسرع من سقوطي، ذراعه امتدت بثبات، التفّت حول خصري وجذبني إليه بقوة حتى تلاشت المسافة بين جسدينا.
رفعت نظري والتقت عيناي بعينيه.
توهّج داخلهما قلق صامت وشيء آخر لم أره من قبل، رغبة دافئة وعاطفة مكبوتة منذ زمن بعيد.
همس بصوت منخفض أقرب إلى الرجاء منه إلى التحذير:
«أنتِ مرهقة لا تكملي الطريق وحدك، دعيني أحميك»
لم أستطع الرد، الكلمات خذلتني.
كنت أشعر بقلبي ينبض بجنون وكأن كل شيء في الغابة قد صمت احتراماً لتلك اللحظة.
أشجار شاهقة، نسيم خفيف وصمت غريب يملأ الفراغ بيننا.
اقترب أكثر حتى لامس جبينه جبيني، أنفاسه الحارة لامست وجنتي فارتجف داخلي.
همس مجددا:
«لن أدعهم يقتربون منك... أقسم»
لم أعرف كيف أو لماذا، لكن شيئاً ما بداخلي دفعني إليه
بلا تفكير بلا تردد وضعت كفيّ على جانبي وجهه، ورفعت وجهي نحوه، عيونه الواسعة كانت تنتظرني كما لو أنه لطالما انتظر تلك اللحظة.
اقتربت ببطءحتى تلاشت المسافة بيننا.
قبلته.
كانت قبلة دافئة مترددة في البدء ثم امتلأت بالشوق، كأنها احتراق بطيء لروحين ظلّتا بعيدتين طويلاً.
تفاجأت من نفسي حاولت التراجع خجلاً لكن يده شدّتني من خصري أكثر وواصل تقبيلي بشوق لا يوصف.
وفجأة انفجر ضوء ناعم بيننا، ارتفع عاليا كوميض قمر في سماء الليل.
تجمّع الضوء في شكل دائرة ثم تماسك وتحول إلى سوار فضي، طاف في الهواء كأنه يعرف طريقه واستقر حول معصم ران ليبدأ بالتوهّج.
تراجع قليلا ونظر إلى السوار، ثم إليّ وابتسم للمرة الأولى،
ابتسامة دافئة وصادقة، كسرت كل الحواجز بيننا.
قال بنبرة خافتة ممتزجة بالدهشة:
«فعلتِها لقد أبطلت اللعنة»
لم أتمكن من قول شيء، فقط أومأت له بخجل وذهول،
يدي بين يده وقلبي بين شفتيه وداخلي يغلي بعاصفة مشاعر لم أعرفها من قبل.
أخذني من يدي بلطف وقال:
«لنعد الطريق لن يكون سهلاً»
عدنا إلى القصر…
كان القصر يغرق في فوضى مروّعة، الأجساد ممددة على الأرض وبعض الحراس بالكاد يتكئون على الجدران، يلهثون كأن الهواء بات خائناً لهم، صمتٌ ثقيل يلفّ المكان سوى أنين متقطع كأنه قادم من تحت الأرض.
...
الفصل ٧
سوار القمر · بقلم Mouna B.S