NOVELFLEX

الفصل ١٠

سوار القمر · بقلم Mouna B.S

فجأة، جاء صوت خافت من خلف الأشجار:

«لكنك ما زلت تثقين بوالدك»

تجمدت وسألت:

«مَن؟»

اقترب الصوت من أذني وهمس:

«هل تستطيعين تحمل رؤيتي؟ أم حتى معرفتي بحق؟»

ظهر فجأة أمامي، جالساً بجانبي لم أتحرك مثقلة بصدمة اليوم، قلت بصوت متهدج:

«الرئيس!... هل أرسلك؟»

قاطعني قائلاً:

«لست رئيس الحراس ولا علاقة لي بمن تفكرين فيه»

«إذن من تكون؟ هل أنت شبح؟»

ابتسم بهدوء ثم قال بصوت منخفض فيه نبرة سخرية:

«ذكية أنا جني، من قبيلة الميامين، إحدى أعرق القبائل وأكثرها عددا وقوة»

لم أتفاجأ كثيراً، فأنا أؤمن بوجود الجن، منذ طفولتي كنت أسمع قصصاً عنهم من والدي، كنت أنا وأختي نجلس إلى جواره نستمع لحكاياته التي تمزج بين الرعب والغموض. قاطعته قائلة:

«إذاً أنت من أتباع الملك ميمون السحابي؟»

هزّ رأسه نافياً:

«لا، أنتمي إلى ميمون أبوناخ»

اتسعت عيناي وقلت:

«الملك الأشهر، أليس كذلك؟»

رمقني بدهشة:

«نعم، لكن كيف تعلمين كل هذا؟»

ابتسمت بخفة وقلت:

«كنت أجلس بجانب والدي، أستمع لتلك القصص المخيفة، وأحفظها كما لو كانت أناشيد قديمة»

قال بتأمل:

«هكذا إذن...»

تابعت الحديث وقد عاد إليّ فضولي:

«سمعت أن قبيلتكم من أقوى قبائل الجن، وأنكم شديدو الخطورة، فماذا دفعك لمساعدتي في الهروب من القصر؟»

أجاب بنبرة ثابتة:

كنت أراقبك منذ اللحظة التي وطئتِ فيها أرض القصر»

«ولماذا؟»

«قرينك أخبرني بكل شيء، علمت أنك تعرضتِ للظلم وأنك مستعدة للتضحية بروحك من أجل الانتقام، رأيت فيك قوة مدفونة فأردت أن نتعاون،

ضحكت بخفة وقلت ممازحة:

«أوه، هل تستجوب قريني؟ ومن أعطاك الإذن؟»

ثم أضفت بنبرة فيها بعض الجدية:

«أنت من قبيلة مخيفة تمتلك من القوى ما لا يملكه غيرك»

أدار وجهه جانباً وقال:

«نعم... لكنني فقدت تلك القوة بسببه»

«تقصد بسبب من؟ ران؟»

نظر إليّ وصوته يقطر حقداً:

«جمين ذلك المعتوه»

قلت بحدة:

«لقد استغل ثقتي ومشاعري لم يلتزم بالعقد، وباعني لأخيه كما تُباع الأشياء الرخيصة، أعلم أنه لا يستطيع الكذب، لكن لماذا فعل ذلك؟»

اقترب مني قليلاً وقد تغيرت ملامحه:

«جيمين هو السبب، قبل ألف عام حاول الاستيلاء على أرضنا لكنه فشل وعندما ذهبت لتحذيره، ألقت الساحرة لعنة على كل من في قصره بما فيهم أنا، سُلبت مني قوتي بالكامل وتشوه وجهي الحقيقي لا تنسي ران ليس جنياً بل مستذئب، نحن الجن لا نكذب، لكننا نخادع إن اضطررنا »

ساد بيننا صمت قصير ثم قلت:

«أريد أن أخبرك بشيء…»

رفعت رأسي نحوه وأكملت:

«الساحرة منحتني كامل قوتها، أنا من فكّ اللعنة ويمكنني استعادة جمالك الحقيقي، رغم أنني أظنه سيكون مخيفاً!»

ضحكت بخفة، ضحكة هستيرية كأنني أضحك لأول مرة منذ زمن طويل، بينما هو يحدّق بي بصمت عميق، عيناه كانتا سوداوتين بالكامل، لا رمش لا تعبير، الضباب بدأ يزحف من حولنا، تسلل الخوف إلى صدري وشعرت بوخز حاد في معدتي، فتراجعت قليلاً.

جلس تحت شجرة وقال بهدوء مخيف:

«وهل ستعطيني ما تبقى من قوتها؟»

رغم الخوف، اقتربت وجلست إلى جانبه وقلت بثبات:

«نعم، إن ساعدتني على الخروج من هذه الغابة وأعدتني إلى منزلي»

رفع إصبعه فرسم في الهواء دائرة من السحر تشكّلت فيها ورقة سوداء بالكامل وضع يده عليها أولا، ثم أشار إليّ، ظننت أنه سيطلب دمي كما فعل ران لكن الورقة امتصته تلقائياً بمجرد أن لامستها.

بدأ السوار في يدي يتوهج وظهرت عليه كتابة جديدة، اسم ران إلى جوار اسمي، تجاهلت ذلك لم يعد يعنيني إن كنت في خطرأو إن كان هو كذلك.

لاحظ الجني ذلك وسألني:

«ألا يهمك أمر السوار؟ لماذا لا يزال في يدك؟»

أجبته:

«إنه ثابت لا يمكن لأحد إزالته»

قال وهو يحدق بي بعمق:

«بل لأنك ما زلت ملكاً لران»

صدمت وقلت بذهول:

«مستحيل، أرجوك كف عن قول كلمة ملكاً فأنا لست ملكا لأحد، المرأة ليست بضاعة تباع وتشترى»

أملت رأسي نحو الشجرة، جسدي بدأ ينهار من التعب، حاولت الاستلقاء فرفع رأسي برفق، وأسنده إلى كتفه ثم قال بنبرة هادئة:

«أعرف أشياء لا يعرفها أحد، لن تفترق أنت وران حتى ينكسر السوار»

سألته بهدوء:

«وماذا عن جيمين؟»

ردّ وهو يحدق في الضباب:

«يبدو أنهم يخططون لشيء مظلم لكن لا تقلقي بعد أن تمنحني قوة الساحرة سأستطيع إخفاء هالتك وجعلها ضعيفة، غير قابلة للتتبع»

سألته بقلق:

«أنا مستعدة لكن لمن يعود هذا السوار؟»

قال بصوت خافت:

«أنتِ أول من خُلِق لأجله، كان الجميع بانتظارك لكن ما حدث حينها من قتلٍ وسفك دماء، أرعب جميع العشائر»

قلت بارتباك:

«هل كنت أنا السبب؟»

أجاب:

«لا، بل السوار... هو من يختار، عندما تتقبلينه وتحبينه، ستصبحين قادرة على اقتلاع الأشجار، وسحق كل من يقف في طريقك، إنه يحتوي على طاقة هلاك عظ

مى تدمر كل شيء، لهذا كان الصراع عليه شديداً، ولحسن الحظ، هو من اختارك بنفسه في ذلك اليوم، إنه يحقق المستحيل بواسطة التفكير صدقني»

سألته:

«لكن من وضعه في غرفتي؟»

قال بثقة:

«ران»

همست:

«لهذا السبب كان هناك...»

لكنه قاطعني فجأة، نبرة صوته ارتفعت:

«أشعر بطاقة قوية تراقبنا الآن»

«يبدو أنك استنفدت طاقتك ومتحمس لإستقبال طاقة جديدة»

قلت ذلك وأنا أغمض عيني، أتكئ على كتفه بإرهاق.

فجأة، تمتم بصوت خافت:

«إنه ران»

ما إن سمعت اسمه، حتى وقفت لا إرادياً، كأن قلبي انتفض داخلي.

حدّقت نحو درايفن ثم... اختفى كما لو أنه لم يكن موجودا، اقتربت من المكان الذي كان فيه فسمعت صوتاً يناديني من خلفي:

«رانا»

تسارعت نبضات قلبي حتى شعرت بها تصل إلى مائة نبضة في الدقيقة، استدرت إليه دون أن أنطق بكلمة.

اقترب وأمسك بيديونظر إليّ بعينين ملتهبتين وقال:

«لماذا تثقين في الغرباء؟»

أجبته بسخرية باردة:

«آه... ومن يتحدث عن الثقة؟ هل أخبرك الفرق بين أن أثق بقريب أو غريب؟

حسناً سأخبرك... القريب يؤذيك بأشد أنواع الألم أما الغريب فقد يترك أثرا بسيطا أو لا يتركه أبدا»

لم يرد فقط أمسك وجهي وبدأ يقبّلني بلهفة مجنونة، ذبت من مذاق شفتيه الحلو، أحسست وكأن كل حواسي انفجرت دفعة واحدة، يداه التفتا حول خصري، شدّني إليه بعنف، واحتضنني حتى شعرت وكأن نجوم الكون التقت في لحظة واحدة داخل صدري.

لكن في لحظة وعي مفاجئة، ابتعدت عنه والتلعثم عقد لساني:

«ما… ما الذي فعلته؟»

...