NOVELFLEX

الفصل ٨

سوار القمر · بقلم Mouna B.S

عدنا إلى القصر…

كان القصر يغرق في فوضى مروّعة، الأجساد ممددة على الأرض وبعض الحراس بالكاد يتكئون على الجدران، يلهثون كأن الهواء بات خائناً لهم، صمتٌ ثقيل يلفّ المكان سوى أنين متقطع كأنه قادم من تحت الأرض.

تجمّدت ملامح ران، عينيه تحدّقان في المشهد كأنهما تبحثان عن تفسير بين الركام، اقتربت منه لم أكن أعلم ما الذي يجب أن يُقال لكن الكلمات خرجت همساً:

«مَن... من يمكن أن يفعل هذا؟»

أجاب دون أن ينظر إليّ، كأن صوته خرج من مكان آخر:

«أظنّه أخي، دعيني أتحقق»

انحنى نحو أحد الحراس، صوته منخفض وقال:

«من فعل بكم هذا؟»

ردّ الحارس بالكاد وعيناه نصف مغمضتين:

«الأخ.جيمين سيدي، كان يبحث عن الفتاة»

قُطع صوته حين تدخّل آخر، مغطى بالدم والتراب:

«سيدي قال إنه سيذهب إلى القصر الخفي وأنهسينتظرك هناك»

لم ينطق ران فقط أومأ ثم نهض كأن الأرض تضيق تحت قدميه، صرخ بالأوامر:

«أحضروا الطبيب! انقلوا المصابين فورًا إلى صالة العلاج! ما الذي تنتظرونه؟!»

«أمرك سيدي!»

غضبه لم يكن عادياً، كان أشبه بعاصفة جليدية تسبقها النار، شعرت أن الهواء حوله تغيّر… ثقيل خانق.

أما أنا فشيء بداخلي انكسر، تهاوت قواي دفعة واحدة كل شيء صار ضبابياً ثم اختفى.

آخر ما لمحته كان ران، يركض نحوي وعيناه لم أستطع تفسير ما فيهما.

حين فتحت عينيّ لم يكن الضوء واضحاً... لكنني رأيته واقفاً أمام النافذة، ظهره إليّ كأن الزمن توقف عنده، ما إن أدرت رأسي حتى استدار فجأة:

«استيقظتِ...»

اقترب وجلس بجانبي وصوته بدا مختلفاً هشاً بطريقة لم أعهدها منه:

«هل... أنتِ بخير؟»

أومأت برأسي لم أجد صوتي.

أمسك بيدي، أصابعه كانت باردة بشكل غريب وقال بنبرة عميقة تحمل كل ما لم يُقَل:

«أعلم أنكِ ضحّيتِ لأجلي.وأعلم أن ذلك كلّفك أكثر مما ينبغي»

كان الحزن واضحاً، لا يحتاج تفسيرا، لكن الأهم أنه كان يشعر بالذنب.

«هل كنت السبب فعلاً في كل هذا؟»

همست محاولة طمأنته وربما طمأنة نفسي:

«لا تقلق أنا بخير»

«قال الطبيب إنكِ بحاجة إلى بعض الراحة وأنكِ ستتحسنين قريباً»

لكنّ عينيه.كان فيهما شيء آخر.

بريق غريب يتوهج بصمت لا يشبه الاطمئنان بل يشبه الوداع.

شعرت بشيء داخلي يتحرك لا أعلم ما هو، لكنه جعلني أرتبك وأتوتر وكأن الزمن ينفلت من بين أصابعي.

حدّق في عينيّ للحظة ثم نهض واستدار نحو الباب.

لكن قبل أن يتمكن من الخروج،مددتُ يدي، وانتزعت كمّ معطفه واحتضنته بكل ما تبقى لديّ من قوة.

لا أعلم لماذا فعلت ذلك، فقط شعرت أنني مضطرة،

رغبة مباغتة أقوى منّي.

قلبي كان يخفق كطبول المعركة،وحدسي يصرخ: لن تريه ثانية.

وبلا إنذار دمعة دافئة انسلت من زاوية عيني.

نظرت إليه، وصوتي خرج مبحوحا مرتعشاً:

« لا...»

لكنه وضع إصبعه على شفتي وهمس بصوت خافت يحمل كل الصراخ المختنق:

«شش… فقط ثقي بي، سأنتقم بطريقتي»

ثم رفع يده في إشارة صامتة وكأنه لا يريد سماع المزيد لا اعتذارات ولا اعتراضات، ومضى خارج الغرفة كأنه يسير في اتجاه لا عودة منه.

هرعت خلفه لكنني توقفت حين رأيت الحراس قد أحاطوا بالمكان.

صوته قد سبقني إليهم:

«لا أحد يسمح لها بمغادرة »

شعرت بالبرد يزحف إلى صدري.

هذا لا يُبشّر بالخير،هل ينوي... لا، لا مستحيل.

لن أتركه يذهب وحده لن أبقى ساكنة بينما كل شيء ينهار من حولي.

بدأت أسير داخل الغرفة ذهابا وإياباً.

حدسي يهمس: شيء مريب سيحدث، شيء قاتم.

اندفعت نحو الباب، فتحته فجأة دون تفكير لكن المفاجأة لم يمنعني أحد.

نزلت إلى الطابق السفلي مسرعة الخطى، لكن...

عند مدخل القصر رفع الحراس أسلحتهم ببطء، موجّهين فوهاتها إلى الباب وكأنهم يرسمون حدودا لا يمكن عبورها.

قال أحدهم بصوت جامد:

«ممنوع الخروج، هذه أوامر سمو الأمير»

تجمدت مكاني ثم تمتمت:

«ماذا؟ ممنوع؟ هل... هل تدركون ما تقولون؟ ران في خطر!»

أراد أحدهم أن يجيب لكن صوتاً صارماً قاطعه:

«توقّف»

صرخت أحدثت فوضى، ركلت الأشياء من حولي وكأنني أقاوم سجناً لا تُرى قضبانه.

«ابتعدوا عن طريقي!!»

لكنهم فقط كانوا يحدّقون بي كأنني أصبحت تمثالاً أو ظلاً لكائن غاضب، ثم جاء صوت جديد من خلفي هادئ وحاسم.

قال أحدهم وكان يبدو أنه رئيسهم الجديد:

«خذوها إلى حجرتها»

تقدّم الحراس نحوي وأمسكوا بذراعيّ بعنف، قاومتهم بكل ما أملك وصوتي يعلو بانفعال:

«أتركوني! ران في خطر! لن تستطيعوا حبسي مجددا!»

دفعوني إلى داخل الغرفة وأغلقوا الباب خلفي، قال أحدهم من خلف الباب بنبرة واهنة:

«أرجوكِ ابقي هادئة»

ضحكت بسخرية حزينة وصرخت:

«أغبياء!!»

انهرت على الأرض، ظهري مسنود إلى الباب ودموعي تنهمر دون توقف، لا حول لي ولا قوة مجرد ظل في غرفة مغلقة والوقت ينهار من حولي.

ثم بدأ السوار في يدي يتوهج، حرارة خفيفة تسري من معصمي، نبض قلبي يرتفع، تسعون بالمائة.

«أرجوكم افتحوا لي الباب»

همست أولًا ثم صرخت بتوسل كطفلة صغيرة تبحث عن حضن أمها.

«أرجوكم!»

فجأة جاء صوت غريب من داخل الغرفة، صوت لم يكن من خلف الباب، بل من مكان أقرب من بين الظلال:

«لن تُجدي محاولتك نفعاً»

تجمّدت مكاني توتري بلغ ذروته، من؟! هل… هل هو جيمين؟

«مَن هناك؟! أظهر نفسك!»

«وهل تظنين أنّكِ قادرة على احتمال هيئة ظهوري؟»

صوته كان بارداومريبا لحدٍ ما كأنه قادم من بعد آخر، كنت على وشك أن أرد لكن فجأة… تجلّى أمامي.

لم أصدق ما رأيت:

«رئيس الحراس! كيف؟»

قاطَعَني بصوته العميق:

«سأساعدك على الخروج»

أومأت برأسي لم أسأل، لم أناقش كل ما يهمني الآن هو الخروج والخروج فورا.

بينما كان يفتح الباب تابع حديثه دون أن ينظر إليّ:

«إلى أين ستذهبين؟ وهل لديكِ أدنى فكرة عما ستواجهينه هناك؟»

أجبته تلقائيا وبعينين لا تعرفان التردد:

«نعم ولا يهمني ما سأواجه»

صمتَ للحظة ثم قال بهدوء:

«في هذه الحالة تحمّلي مسؤولية قرارك»

فتح الباب تبعت خطواته بصمت، الحراس اصطفوا على جانبي الممر، لم يحرّكوا ساكنا كأنهم تماثيل حجرية لا روح فيها.

بينما كنا نغادر البوابة الرئيسية أخرج من عباءته خنجراً صغيرا، لوهلة خُيّل لي أني أرى وجه ران في لمعان النصل.

ناولني إياه دون كلمة.

أخذته منه وربطته بإحكام حول فخذي كعلامة استعداد

سألته، بينما كنت أشدّ الحزام حول الخنجر:

«ما اسمك؟»

نظر إليّ للحظة ثم قال:

«درايفن»

استدرت لأخبره باسمي لكنّه اختفى كما لو لم يكن موجودا في الأصل.

الوقت يركض وأنا أركض معه والسوار في معصمي لا يزال يتوهّج.

أخذت نفساً عميقاً ثم غطست بجسدي في البحيرة.

الضباب كان كثيفا، يلتفّ حولي كستار بين العوالم.

لكن حين ظهرت الضفة الأخرى لم يكن القصر كما عهدته.

كان شيئًا آخر.

لم يكن قصرا بل أشبه بجنة خفية يشع منها نور لا يُشبه هذا العالم.

كأنه نُسج من نور الحلم وهدوء السماء…

تحيط به حدائق واسعة تتفتح فيها زهور نادرة بألوان لا تُوصف، تفوح منها روائح تنعش الروح وتُنسيك العالم، في كل زاوية من الحدائق تنساب جداول رقراقة تعكس ضوء الشمس وكأنها شرائط من ذهب سائل.

القصر نفسه مبني من رخام ناصع يلمع تحت أشعة الشمس كأنه مصنوع من ضوء القمر، نوافذه طويلة وواسعة ينساب منها الضوء الطبيعي ليملأ الردهات بهالة دافئة، تعانق الجدران نقوش ذهبية ناعمة وزخارف تشبه النجوم والسحب وتتناثر عليها كريستالات تُشعّ كأنها جواهر سماوية.

كانت الرياح تعصف داخل القصر كأصوات أرواح تائهة، تنذر بالخطر وتدفعني للتراجع، لكن قدماي تقدّمتا،

خطوة واحدة فقط داخل العتمة حتى أمسكت يد باردة بذراعي فجأة.

بلا تفكير دفعتهـا بقوة فسقط الجسد أمامي على الأرض.

تسارعت أنفاسي حتى تعرّفت على ملامحها.

يتابع...