NOVELFLEX

الفصل ١

سوار القمر · بقلم Mouna

file_00000000427081f5990d7747d916a762.png

في إحدى الليالي، كنت في غرفتي أتهيأ لحفلة أقامها والدي في المنزل، احتفالًا بعيد ميلادي أنا وأختي التوأم بمناسبة بلوغنا سن الثامنة عشرة.

كنت في قمة سعادتي، وبينما أختار فستاناً يناسبني، لفت نظري فستان آخر موضوع بعناية على الكرسي قرب سريري، اقتربت منه بفضول... كان أسود أنيقاً، بأكمام طويلة، يبرز خصري النحيل ويكشف جزءًا من صدري بطريقة جذابة، أدهشني مظهره، فقررت ارتداءه دون تردد.

ما إن ارتديته، حتى تسلل إليّ شعور غريب ومريب، تجاهلته وبجانبه، كان هناك سوار يحمل رمز القمر، تتشابك عليه خطوط دقيقة باللونين الأحمر والأسود، بدا ساحراً... فارتديته.

وضعت عطري المفضل، وقفت أمام المرآة أتفقد إطلالتي، لمسة أخيرة من أحمر الشفاه ونظرة متفحصة لنفسي جعلتني أتساءل:

«من الذي وضع هذا الفستان في غرفتي؟»

تركت شعري منسدلًا على ظهري، وخرجت أبحث عن أمي لعلها من تركته لي كهدية بمناسبة هذا اليوم المميز.

نزلت إلى الطابق السفلي وبدأ المكان يمتلئ بالضيوف، كنت أمرّ بينهم، أبحث بعينيّ عنها.

«أين يمكن أن تكون الآن؟ ربما فانا تعلم»

توجهت مباشرة نحو غرفة أختي، اقتربت من الباب وهممت بطرقه، لكنني توقفت فجأة حين سمعت صوت أمي من الداخل.

«لا يا فانا... لن يحدث شيء الليلة»

«هل أنتِ واثقة يا أمي؟»

«نعم، حتى لو أتوا الليلة... فلن...»

وفجأة باغتني صوت من خلفي:

«هل تسترقين السمع؟»

استدرت بسرعة

«أبي! أنا... لم أقصد»

«هذا ليس من شيمكِ رانا»

«آسفة... فقط أردت أن أسأل أمي شيئاً»

فتحت الباب دون استئذان، ففوجئت بنظرات أمي وأختي المتوترة، كانت فانا تختبئ خلف والدتي، فأردفت بنبرة منشرحة:

«لا تخافي إنها أختك رانا»

«ممَ تخاف؟ ماذا كنتما تتوقعان!»

«الحمد لله... أنها أنتِ»

«لم تُجيبا على سؤالي بعد!»

تدخل أبي مازحاً:

«ظننتكِ ذلك الشبح الذي تحدّثنا عنه البارحة!»

وسارعت أمي بالرد بنبرة مبالغ فيه:

«نعم، نعم... وأنتِ تعلمين أن فانا تخاف من الأشباح ما زالت متأثرة بكلام الأمس»

فكرت في نفسي: يبدو أنهم يظنونني غبية إلى هذا الحد...

«لكن، ماذا عن الشخص الذي كنتم تتحدثون عنه؟»

«عن أي شخص يا ابنتي؟»

«سمعتك تتحدثين مع فانا... قلتِ إن شيئاً لن يحدث الليلة، هل هناك ما يجب أن أعرفه؟»

اقتربت مني فانا فجأة، وصرخت في وجهي بغضب:

«تسترقين السمع؟ ومن أقرب الناس إليك؟»

بينما تبادل والداي نظرات حادة، تمتمت بهدوء:

«صدقوني، سمعت بالصدفة فقط»

«هيا، اخرجي من غرفتي حالًا!»

«لكن...»

قاطعني أبي قائلًا:

«لا بأس يا ابنتي»

أما أمي فظلت ساكنة في مكانها تنظر إليّ بصمتنظرت إليهم، ثم انسحبت من الغرفة.

وعند خروجي اصطدمت بشاب يقف عند الباب لم يكن ظهوره متوقعا، كان طويل القامة يرتدي ملابس أنيقة بلون أسود تتخلله لمسات أرجوانية وتكسو ملامحه نظرة غريبة... كما لو كان يبحث عن شيء أو عن أحد، سألته:

«هل تبحث عن شيء؟»

رد الشاب بنبرة باردة:

«أنا فقط أخذت طريقاً خاطئاً، كنت أبحث عن مكان للاستراحة»

قلت له :

«يمكنك الصعود إلى السطح، لكن احذر المكان مظلم»

غادر الشاب قبل أن ينطق بكلمة أخرى، نزلت الدرج وتابعت السير بين الحشود حتى وصلت إلى أصدقائي، كان المكان مزدحماً جداً، يبدو أن أبي قد استدعى الجميع.

«مرحباً يا أصدقاء!»

«أهلاً رانا، لقد أحببت المكان هنا»

«يسعدني ذلك حبيبتي»

«وأنا أيضاً، آمل أن يقيم لي أبي حفلة مثل هذه في عيد ميلادي»

سرمين فتاة لطيفة ومحبوبة لكنها تفتقد اهتمام والديها وهذا ما يجعلها تفتقد الكثير من الأشياء.

«لا تقلقي يا سرمين إن لم يقم بها لكِ، فسأفعل أنا»

تبادلنا الضحكات وأخذنا رشفة من المشروب.

«آمل ذلك قريباً، لكن من ذلك الشاب الذي بجوارنا؟ يبدو وسيماً»

«نعم رأيته إنه فعلاً جذاب»

«كفاكن يا فتيات، ستجذبن الانتباه إلينا»

«وليكن انظري بنفسك»

لا، لا أريد»

دفعتني سرمين إلى الوراء قليلاً، تعثرت بقدم الطاولة وكنت على وشك السقوط لكنني شعرت بأن أحداً لمس خصري، رفعت رأسي لأرى من...

«أنت!»

«كنت على وشك أن تقعي أرضاً»

«هذا لطف منك، شكراً»

تبادلنا النظرات كانت نظراته حادة كسيف بينما أبعد يده اقتربت ماتيا لتحيته فابتعد وترك خلفه صوت خطواته.

ما زلنا مندهشين مما حدث، قالت سرمين:

«يا فتيات هل رأيتن ما رأيت؟»

«نعم، لكن ألم يكن بعيداً عنا كفاية؟»

«أجل رانا أنتما ترتديان نفس الملابس ألم تلاحظي ذلك؟»

«لا يا ماتيا إنه فقط تشابه في التصميم»

«يستحيل! هل تتواعدان وتخفانها عنا؟»

«ما هذا الهراء!»

«إذن اذهبي وتحدثي معه قبل أن يسقط في قبضة أختك الشريرة، ماتيا قولي شيئاً!»

«أجل لكن انظروا...»

«لقد اختفى بين الحشد!»

يبدو أنه سرق قلبيكما واختفى قلتها لهن تم أردفت:

«سأدعكن الآن، استمتعن بالمشروب أراكن لاحقاً»

«رانااا!»

سمعت أحدهم يناديني3وعندما استدرت وجدت أختي في حالة مزاجية صعبة تقترب مني، شعرت بوخز في صدري.

«ف... فانا، ماذا حدث لك؟»

«كل شيء بسببك فلترحلي من هنا»

تقولها بنبرة ممتعظة:

«ماذا؟ ماذا تقولين؟»

تدخلت سرمين محاولة فض الشجار:

«يبدو أنك فقدت صوابك، إنها أختك»

«فلترحل حالًا، لا وقت لنضيعه وأنتِ لا تتدخلين فيما لا يعنيك»

أمسكت بيدي وبدأت تجرّني إلى الخارج.

«هل جننتِ؟ اتركي يدي!»

«أمي في حالة خطيرة بسببك»

أمي؟ وبينما أحاول استيعاب كلامها قلت:

«ها، ماذا حدث لأمي؟»

أبعدت يدي عنها بسرعة وركضت وسط الحشد أصعد الدرج.

تصرخ من خلفي: «لن يسمحوا لك بالدخول»

التفتُّ إليها ونظرت في عينيها قائلة:

«مستحيل!»

الغرفة مقفلة، حاولت فتح الباب لكن دون جدوى كررت المحاولة كلها فاشلة، بدأت بالصراخ أنادي:

«أمي هل تسمعينني؟»

«أبي هل يوجد أحد بالداخل؟»

فتح باب الغرفة وعيناه مليئتان بالدموع.

«أبي هل أمي بخير؟»

لم يتفوه بكلمة من قوة الصدمة التي تظهر عليه فقط أشار لي برأسه وابتعد قليلاً عن الباب لكي أتمكن من الدخول.

«أمي!»

انهمرت دموعي بقوة الصدمة، أمي ملقاة على الأرض جسدها ساكن وبارد وعيناها مفتوحتان بلا رمش تحدقان في السقف كأنها ما زالت تنتظر أن تستيقظ من كابوس، لكن الكابوس كان حقيقياً.

صدرها كان مفتوحاً... منزوعاً، مكان القلب فارغ مجرد تجويف غارق بالدم، متسع بشكل لا يصدق كأن يداً وحشية قد غاصت فيه واقتلعت كل ما هو حيّ.

الدم في كل مكان على الجدران، الأرض وحتى على الستائر، انتشرت قطراته بشكل عشوائي لكن بينها نمط مخيف كأن أحدهم استمتع بفعل ذلك.

الغرفة نفسها كانت فوضى تامة، طاولة مقلوبة، كراسي محطمة، أشياء متناثرة هنا وهناك والصمت كان ثقيلاً، والصدى الوحيد الذي سمعته كان أنفاسي المتسارعة وصوت قطرات الدم تسقط من طرف الطاولة على الأرض.

«أبي من فعل هذا بأمي؟!»

«ابتعد عن أبي منذ قدومك لا تجلبين لنا سوى السوء!»

«فانا كفى احترمي أختك!»

«لا يا أبي عليها المغادرة!»

«لماذا أنا من يجب أن أغادر؟ لن أترك والديّ في هذه الحالة اذهبي أنت إن شئت، أنا لن أذهب»

«بلى، ستذهبين حالًا سأخبرك بشيء، أنت لم تكوني أختي أبدا أنت فقط بلاء هبّا على هذه العائلة لا أكثر، سيارة الشرطة قادمة لذا من الأحين أن تغادري»

تصمت فجأة للحظات ثم تكمل بنبرة يعلوها الغضب:

« إن لم تغادري سيتم القبض عليك، قلت لك أنت السبب»

«لا، لم أفعل! أبي، قل شيئاً!»

«آسف يا ابنتي من الأفضل لك الرحيل»

«أبي!»

«الآن خذوها وألقوا بها خارجا!»

أترجاه بصوت ناشج:

«لا، أرجوك أبي فانا لا تفعل! تلك التي بداخل تكون أمي… إنها أمي»

الجميع في سكون يحدقون بي كأني القاتلة.

عمت الفوضى داخل الحفلة وهم يدفعونني إلى الخارج قلت:

«لست أنا ولن أسمح لكم بظلمي، اللعنة عليكم»

...