NOVELFLEX

لفصل الأول: البداية المضطربة (1289)

التاج المكسور · بقلم Yanis

لفصل الأول: البداية المضطربة (1289)

 

مملكة فاليس تقع في أقصى الجنوب من قارة أثيريون، محاطة بالصحارى من جهة، والغابات والجبال من جهات أخرى، مما جعلها محصنة طبيعيًا ضد التهديدات الخارجية. أرضها خصبة في بعض الجهات، وقاحلة في أخرى، مما خلق تفاوتًا كبيرًا بين طبقات المجتمع. رغم كونها واحدة من أقدم الممالك في القارة، فإنها تعيش حالة من الفوضى الصامتة، حيث تتآكل قوتها السياسية من الداخل، لا من الخارج.

 

في العاصمة فاليسيا، تتعالى أسوار القصر الملكي فوق الهضاب، شامخة كأنها تتحدى الزمن. ولكن خلف تلك الأسوار، يسكن التوتر، وتدور المؤامرات في الخفاء بين النبلاء ورجال البلاط. الشعب في الأسواق يتعايش مع الغلاء، بينما يزداد الفارق بين الطبقات وضوحًا في كل زاوية من زوايا المملكة.

 

البداية

 

في صباح ضبابي من شتاء العام 1289، استيقظت مدينة فاليسيا على وقع أجراس السوق ونسمات الرياح الباردة التي كانت تتسلل بين الأزقة الحجرية. تغطي طبقات من الضباب قمم البيوت والأسوار، وتنساب بين الشوارع كأشباح بيضاء. المدينة كعادتها في هذا الفصل، كانت هادئة في مظهرها، لكن تحت السطح كان كل شيء يغلي.

 

في أحد أحياء النبلاء، وقف بيران على شرفة قصر عائلته، يتأمل الأفق الرمادي بعينين حادتين فيهما شيء من القلق... وشيء من العزم. لم يكن بيران شابًا عاديًا؛ فقد نشأ بين جدران السياسة والدهاليز الخفية للنفوذ، لكنه لم يكن من أولئك الذين يقبلون بالفساد كأمر واقع.

 

كان يحمل في داخله حلمًا مختلفًا، وإرادة تتشكل في صمت. لم يكن السيف ما يحركه، بل الشعور العميق بالظلم، والإيمان بأن المملكة، بكل جمالها وتاريخها، تستحق ما هو أفضل. هذا الصباح لم يكن عاديًا بالنسبة له، بل كان بداية طريق طويل... طريق نحو محاربة أولئك الذين يتلاعبون بمصير المملكة من خلف الستار.

 

داخل القصر الملكي في فاليسيا

 

كان الاضطراب ينتشر كالنار في الهشيم. خطوات مسرعة في الممرات، همسات متوترة تتناقلها الأفواه، وجنود بوجوه صارمة يتحركون في صمت مشحون. في غرفة الاجتماعات الخاصة، اجتمع عدد من كبار رجالات المملكة حول طاولة عريضة، تتوسطها خريطة كبيرة مغطاة بالعلامات والخطوط المتشابكة.

 

جلس على رأس الطاولة اللورد داريوس، المستشار الأكبر، وقد بان الإرهاق واضحًا في عينيه، إلا أن نبرة صوته بقيت حادة:

 

"الرسائل تُرسل، ولا يأتي رد. لا من تيهان، ولا من ممالك كنا نحسبهم حلفاء. هناك شيء يُحاك في الخفاء."

 

رد عليه القائد العسكري غارون، رجل طويل القامة، عريض المنكبين، وذو نظرات صارمة:

 

"التحركات على الحدود الغربية حقيقية. تقاريرنا دقيقة، لكننا تأخرنا في الرد."

 

اقترب أحد المستشارين الشبان من الخريطة، وأشار إلى عدة نقاط باللون الأحمر:

 

"لدينا مؤشرات على تحركات عسكرية صغيرة، لكنها منتظمة... ربما تجارب، أو تهديد غير مباشر."

 

سادت لحظة من الصمت الثقيل، ثم قال داريوس بنبرة خافتة:

 

"الأسواق تضج بالسخط، الضرائب أثقلت كاهل الناس، والملك... لم يعد يُبدي ذات الحزم."

 

فتح الباب فجأة، ودخل أحد الحراس بخطوات مسرعة، يهمس في أذن غارون. التقط غارون الورقة بيده، قرأها بسرعة، ثم رفع رأسه بقلق واضح:

 

"هذا من الجنوب... إشارات غير معتادة. ربما نحن على بُعد خطوة واحدة من الفوضى الشاملة."

 

أغلق داريوس عينيه للحظة، ثم قال:

 

أبلغوا الملك فورًا. لا نملك ترف الانتظار.

 

أومأ غارون بإشارة سريعة، وغادر القاعة بخطى حازمة.

الممرات كانت ساكنة، والجو مشحون بتوتر خفي.

وصل إلى جناح الملك وطرق الباب ثلاث مرات سريعة.

بعد لحظة، فُتح الباب ببطء.

دخل دون تردد، وعيناه تبحثان عنه فورًا.

بعد أن رأاه، أسرع نحوه دون أن ينتظر إذنًا.

كان جالسًا، وعيناه تحدّقان في نقطة بعيدة كأنما يسمع صوتًا لا يسمعه أحد.

توقّف غارون أمامه، وانحنى برأسه سريعًا.

قال بصوت خافت لكن حازم:

"جلالتكم... لدينا ما يستوجب تدخلكم فورًا.