الفصل الثاني: رائحة الرماد
بعد سماع الملك لكلام غارون، لم يردّ فورًا.
عينيه ظلّتا معلقتين في الفراغ للحظات، ثم رمش ببطء كمن عاد من غيابٍ طويل.
نهض بتأنٍ من مقعده، وتقدّم خطوة نحو النافذة، يراقب السماء وقد بدأت الغيوم تتراكم ببطء، كأنها تنذر بشيء قادم.
"من الجنوب، أليس كذلك؟" سأل بصوت منخفض، كأنه يعرف الإجابة مسبقًا.
هزّ غارون رأسه دون أن ينبس بكلمة، والقلق واضح في عينيه.
أخرج الورقة من جيبه ببطء، ثم قال بصوت خافت وهو ينظر إلى الملك:
"جلالتكم... وصلتني هذه الرسالة هذا الصباح، من مصدر مجهول، لكنها تحمل نبرة لا يمكن تجاهلها."
فتح الورقة بعناية، وحدّق فيها لثوانٍ، ثم بدأ يقرأ بصوتٍ منخفض ولكن ثابت:
"إلى من يهمّه الأمر في العاصمة فاليسيا...
اعلموا أن النار لا تبدأ من خارج الأسوار، بل من داخلها.
إن كنتم تراقبون الحدود، فقد فاتكم ما هو أقرب.
من بينكم مَن يفتح الأبواب، لا يغلقها،
ويطعم العدو مما جاع له الشعب،
وينام في الظل بينما المملكة تحترق."
توقف غارون لحظة، يلتقط أنفاسه، ثم تابع بنبرة أكثر توترًا:
"راقبوا القوافل...
وتفقدوا ما يُشحن من الميناء الجنوبي."
تبادل الملك وغارون نظرة ثقيلة، ثم قال غارون بصوت خافت وهو لا يزال ممسكًا بالورقة:
"جلالتكم... الرسالة لا تكتفي بالتحذير. من كتبها يعلم أكثر مما يبدو. يشير إلى أن هناك من داخل العاصمة يحرّك الخيوط."
نظر إليه الملك دون أن يعلّق، فتابع غارون بنبرة أكثر جدية:
"القوافل التي تخرج من العاصمة تمرّ دون سجلات دقيقة. والميناء الجنوبي... هناك شحنات لا يُعرف مصدرها، ولا وِجهتها."
صمت لحظة، ثم ختم بقوله:
"إن صدقت هذه الرسالة... فعدوّنا لا يأتي من بعيد، بل يعيش بيننا."
وقبل أن يتمكن الملك من الرد على كلمات غارون، سُمع صوت خطوات مسرعة في الممر المؤدي إلى القاعة. ارتفعت أصوات الحرس، تبعها ارتطام باب القاعة الكبير، ثم اندفع بيران إلى الداخل، أنفاسه متقطعة، وجهه شاحب من شدّة التوتر، وعرق يتصبب من جبينه.
قال بصوت متهدّج وهو يرفع يده ممسكًا بورقة مطوية:
"جلالتكم... غارون... عليكم أن تروا هذا... الآن!"
أشار الملك للحراس بالتراجع، ثم تقدّم خطوة نحو بيران، وقد بدا الذهول واضحًا على وجهه.
أعطى بيران الورقة لغارون بيد مرتجفة، وقال بصوت خافت:
"وجدناها مع أحد المشرفين على تفتيش القوافل... كان يحاول حرقها قبل أن نصل إليه."
أخذها بسرعة، فتحها بعناية، وعيناه تزدادان اتساعًا مع كل سطر يقرؤه.
ثم همس:
"هذا... هذا يؤكد ما جاء في الرسالة الأولى
ناول غارون الورقة للملك بصمت، وعيناه لا تزالان معلقتين على الكلمات التي قرأها للتو.
أخذها الملك ببطء، وبدأ يقرأ، بينما خيم صمت ثقيل على القاعة.
كانت الرسالة الثانية قصيرة، لكن وقعها كان كفيلًا بإشعال القلق:
"الميناء ليس مجرد مخرج...
بل هو المدخل.
ما يُشحن للخارج، يعود مضاعفًا من طريقٍ لا يراه الحرس.
ابحثوا في الليل، لا في النهار...
فمن يتاجر بخيانة الوطن، لا يعمل تحت الشمس."
رفع الملك عينيه عن الورقة، ونظر إلى غارون، ثم إلى بيران.
"إن صح هذا..." قال الملك ببطء، "فأعداؤنا لا يسرقون فقط... بل يبنون شيئًا من وراء ظهورنا."
الميناء الجنوبي - بعد منتصف الليل
الظلام يغطي الأرصفة، والمكان شبه خالٍ إلا من حركة سريعة عند أحد الزوايا البعيدة.
ثلاثة رجال ينقلون صناديق إلى قارب صغير بصمت واضح. لا كلمات زائدة، ولا وقت للهدر.
عربة توقفت للحظات. نزل منها شخصان، تبادلا شيئًا صغيرًا، ثم غادرا دون أثر.
من خلف كومة صناديق، عين ترقب بصمت. يد خفية تسجل، ثم تختفي في العتمة.
رائحة غريبة انبعثت من أحد الصناديق، لكنها اختفت قبل أن ينتبه أحد.
الليل أخفى كل شيء... أو هكذا ظنوا.
داخل القصر – ما بعد منتصف الليل
كانت الأروقة ساكنة إلا من صوت أقدام الحرس الخافتة. ساد الهدوء بعد اجتماع الملك وغارون وبيران، والكل ظنّ أن الليل انتهى بسلام.
لكن داريوس، المستشار الأكبر، لم يعد إلى جناحه كالمعتاد.
في أحد الممرات الجانبية، تحرك داريوس وحده بخطى ثقيلة. لم يكن من عادته الخروج دون حراسة، لكن ملامحه كانت شاردة، وعيناه تقرآن ورقة صغيرة كان يُخفيها في كُمّه.
توقف لحظة عند نافذة تطل على الساحة الداخلية للقصر، تمعّن في الظلال، ثم أخفى الورقة في ردائه وتابع سيره.
وصل إلى باب جانبي يؤدي إلى المخازن السفلية... فتحه بهدوء، واختفى داخله.
مرّت دقائق.
ثم ساعة.
ولم يره أحد بعدها.
في صباح اليوم التالي، حين سأل عنه أحد مساعديه، لم يكن هناك أي أثر له... لا في جناحه، ولا في القصر، ولا حتى بين الحرس.
الورقة التي كانت في كمه؟ لم تُعثر.
اقترب المساعد من جناح الملك بخطوات متسارعة، وعلى وجهه علامات قلق واضحة.
توقف أمام الباب لحظة، ثم التفت إلى الحارسين الواقفين بجانبه.
قال بصوت منخفض:
"أمر طارئ، عليّ أن أكلّم جلالته فورًا."
تبادلا النظرات للحظة، ثم أومأ أحدهما، وفتح الباب بهدوء، مشيرًا له بالدخول.
كان الملك واقفًا قرب النافذة، يتأمل السماء الرمادية. التفت ببطء عند دخول المساعد، وقد قرأ في وجهه أن هناك ما يستحق الإنصات.
تقدم المساعد خطوة وقال بصوت متوتر:
"جلالتكم... لم أرَ المستشار داريوس منذ ليلة الأمس. ظننت في البداية أنه عاد إلى جناحه، لكن حين لم يظهر هذا الصباح، بدأت بالبحث.
لقد فتشت معظم أروقة القصر، حتى مخازنه السفلية، وسألت الحرس... لا أحد رآه، ولا أحد يعلم أين ذهب."
سكت لحظة، ثم أضاف:
"وكأنّه اختفى تمامًا."
ظل الملك صامتًا للحظات، ثم اقترب من مكتبه وقال بنبرة هادئة لكنها حازمة:
"لا نعلم من يراقبنا أو ينقل الأخبار... لا أريد أن يعلم أحد اختفاء داريوس في وقت كهذا، لأنه سيزيد المملكة توترًا.
سأخفي الخبر مؤقتًا، وأحقق فيه مع غارون وبيران وبعض جنودي فقط.
الحفاظ على الهدوء الآن أهم من أي شيء آخر."
جناح داريوس ظلّ مغلقًا، ولم يُسمح لأحد بدخوله.
الحراس الذين تمركزوا على الممر المؤدي إليه، أُمروا بالصمت التام، وهددتهم القيادة بعقوبات شديدة إن تفوّه أحدهم بكلمة.
وفي صدر الملك، جملة واحدة لم تفارقه:
"داريوس لم يختفِ عبثًا... وغيابه في هذا الوقت بالذات ليس محض صدفة."
ثم نظر إلى الأفق من خلف زجاج النافذة، وقال لنفسه:
"هناك من يتحرك في الخفاء... وإن لم نكن حذرين، فلن نُمسك إلا دخان النهاية.