الفصل الخامس و السادس: كشف أول الخيوط.
شدّ الخصم ذراعه حول عنق بيران بإحكام، والنفس يكاد ينحبس في صدره.
بيران، رغم المفاجأة،حاول سحب سيفه، لكن يد المهاجم كانت ضاغطة على ذراعه.
بعزم، ضرب بيران مؤخرة رأسه إلى الوراء، ارتطمت بأنف الرجل خلفه.
شهق المهاجم من الألم، وخفف قبضته للحظة.
اغتنم بيران الفرصة، ومال بجسده إلى الأمام بقوة، ثم انقلب بجسده إلى الجانب، مرتميًا مع المهاجم أرضًا.
ارتطم الاثنان بخشب السفينة، ودارا فوقه كأنهما حيوانان يتصارعان.
سحب بيران خنجره الصغير من حزامه الجانبي، ووجّهه مباشرة نحو المهاجم… لكن الأخير أمسك بمعصمه في اللحظة الأخيرة.
تقابلت عيونهما لثوانٍ.
ببطء، بدأ بيران يضغط الخنجر نحو عنق المهاجم، عضلات ذراعه مشدودة، وعيناه لا تزيغان عن نظرات الخصم المتحفزة.
المهاجم حاول صد النصل بكل قوته، لكن ضغط بيران كان حاسمًا.
بقبضة حرة، وجّه بيران لكمة خاطفة إلى فك الرجل، جعلت رأسه يرتد، وسرعان ما انتزع يده من قبضته.
وفي حركة حادة، غرز الخنجر في كتف الخصم، فصرخ الأخير وتأرجح جسده إلى الجانب.
بيران نهض بسرعة، مترنحًا قليلًا… لكنه منتصر. ،من انت و لمن..
وفجأة قبل ان ينهي السؤال.
صفير مفاجئ اخترق الظلام.
وغرس سهم حاد نفسه في ساقه اليمنى.
شهق من الألم، وارتبك توازنه، سقط على ركبته.
رفع عينيه… وفي أعلى السطح، عند حافة الظل، ظهرت شخصية ثانية، تحمل قوسًا منخفضًا… وقلبها ينبض بهدوء.
ظلت ساكنة للحظة، ثم بصوت هادئ وواثق، قالت: كنتَ أسرع مما توقعت… لكن ليس بما يكفي.
ثم أنزلت القوس ببطء، وأكملت، بنبرة لا تخلو من سخرية: لو كنت مكانك، لما أضعت وقتي في القتال... بل في الهرب.
انت من القصر صحيح؟... كننا في انتظار قدومكم لكننا لم نتوقع ان تأتوا مبكرا... كم عددكم؟... ام أنكم انتم الاثنان فقط؟
نحن الاثنان؟ كان هذا رد بيران و هو ينظر نحو عينيها بغضب حارق .
بل أنا لوحدي
ساد الصمت قليلا... ثم...
أرسلنا مسبقا من سيتخلص ممن دخل إلى المخزن الكبير.
ليانا؟... رد بيران وهو في دهشة لا تفارق وجهه.
...إياكم ان تلمسوها... لا علاقة لها بالقصر
لا يهمني الامر فمن لاحقها يحمل ماضيا غير مرضي معها و ضغينة لم تسبق لي رؤيتها... فليفعل ما يحلو له بها.
...سأكرر مجددا... كم عددكم؟، قالتها و هي ترفع القوس مجددا نحو رأس بيران.
ستتحدث ام لا؟
فجأة سمع صوت أسفل سلالم السفينة، شخص ما يصعد الى السطح بسرعة فائقة.
سيدتي سيدتي، وهو ينهث،... لقد حدث اشتباك بالسيوف داخل المخزن
هذا ما قاله فور بلوغه السطح وهو متجه نحو حاملة القوس.
ردت: تبا لكن أخبرنا بقدومهم دون تقديم عددهم... أدخل هذا الوغد الى السفينة و قيده جيدا... سأتفاهم معه لاحقا، وهي تشير بيدها نحو بيران.
قم بإستدعاء راسلين،ليورا و أدريان عند دخولك ، سنتوجه نحو المخزن... أما صديقنا المصاب فأخبر أحدا بمعالجته.
_في المخزن.
إيرمان لم يتراجع، بل دفع بسيفه إلى الأمام، محاولًا كسر دفاع غارون بقوة غاشمة.
لكن غارون ثبت قدميه، وصدّ الضربة الثانية، ثم الثالثة، وكل واحدة منها كانت أثقل من التي قبلها.
بدا كأن الأرض تهتز تحت أقدامهما.
ثم، بخفة مفاجئة لجسده الضخم، لفّ غارون معصمه ودفع سيف إيرمان جانبًا، مستغلًا اندفاعه المفرط.
بقبضة حرة، وجّه له لكمة مباشرة إلى وجهه.
مسح إيرمان الدم من زاوية فمه، وغمغم بتهكم:
ومن أنت بحق الجحيم؟
لكن غارون لم يرد.
كان صمته أشد وقعًا من الكلمات، وسيفه هو الجواب الوحيد.
اندفع من جديد، وهاجم بحركة سريعة، خدعت عين الخصم, ضربة أولى نحو الأعلى... ثم التوائية مفاجئة، وانقضاض منخفض نحو ساق إيرمان.
السيف شقّ الهواء، واقترب من هدفه.
إيرمان قفز إلى الوراء في اللحظة الأخيرة، لكن ليس بما يكفي.
حافة النصل شطّت على فخذه، فتراجع متألمًا، وعيناه تتسعان غضبًا.
زمجر، واندفع بعنف نحو غارون، ضاربًا سيفه من الأعلى بقوة ساحقة.
غارون رفع سلاحه للصد، واصطدم المعدن بالمعدن، الشرر تناثر، والهواء ارتجف من شدة الضربة.
لكن غارون لم يتراجع.
ثبت ذراعيه، ثم دفع إيرمان للخلف بكتفه، واستدار نصف دورة… واستغل الانفتاح.
وجه له ضربة جانبية خاطفة نحو ضلوعه المكشوفة.
الضربة اخترقت دفاع إيرمان.
طرفت عينه من الألم، وارتد جسده جانبًا، لكنّه تماسَك، ساحبًا أنفاسًا غاضبة.
بقبضته الحرة، وجّه لكمة قوية إلى فك غارون، أصابت هدفها بدقة.
رأس غارون ارتد للحظة، لكنه لم يسقط… بل زادته اللكمة غضبًا.
عاد بسرعة، ووجه رأسه للأمام بقوة، ضاربًا جبهة إيرمان بجبهته.
ارتطم العظم بالعظم، وارتبك كلاهما للحظة من الصدمة… لكن إيرمان كان الأضعف.
ترنّح إلى الوراء، أنفاسه متقطعة، ونقطة دم سالت من حاجبه.
غارون لم يمنحه فرصة ليلتقط أنفاسه.
اندفع للأمام كالإعصار.
بخطوتين سريعتين كان أمام إيرمان، وسيفه ينقض من الأعلى، ثم يغير اتجاهه في اللحظة الأخيرة بضربة سفلية خادعة.
إيرمان بالكاد رفع سيفه للصد، لكن توازنه كان مكسورًا.
ركلة مباغتة من غارون ارتطمت بصدره، أطاحت به إلى الخلف، واصطدم بالجدار الحجري للمخزن.
شهق إيرمان من الألم، وانحنى للحظة، سيفه يسقط من يده.
وقف غارون أمامه، لا يلهث، لا يتردد، عيناه مصوبتان إلى صدر خصمه.
رفع سيفه عاليًا.
توقف!
صرخة ليانا اخترقت الظلام، حادة، مرتجفة، كأنها مزجت الخوف بالغضب.
تجمّد غارون، والسيف لا يفصله عن عنق إيرمان سوى بضع أنامل.
التفت إليها، حاجبه مرفوع، وعيناه مشتعلة.
قالت بصوت أقرب إلى الرجاء: لا تقتله... ليس الآن.
إيرمان كان يلهث، نصف ساقط، الدم يلطخ قميصه، وعيناه تترنحان بين وعي وخدر.
لدينا أسئلة، تابعت ليانا، وهي تمشي نحوهما رغم ألمها:
وهو يملك أجوبتها.
خفض غارون سيفه ببطء، لكن عينيه لم تفارقا إيرمان، كأنهما لا تزالان تقرأان كل نية في ملامحه.
قال ببرود: إن حاول الحركة… سأكمل ما بدأته.
ثم تراجع خطوة، تاركًا المساحة لليانا.
اقتربت منه، أنفاسها ثقيلة، وكتفها لا يزال ينزف بخفة.
جثت إلى جانبه، تنظر إليه من الأعلى، نظرة لا تحمل شفقة.
لماذا كنت تلاحقني، إيرمان؟
سؤالها كان مباشرًا، لا يرحم.
رفع رأسه بصعوبة، شفتاه مغطاتان بالدم، ثم تمتم: أنتِ... لا تعرفين نصف الحقيقة.
أمسكت ليانا بكتف إيرمان المهترئة وهزّته قليلًا، لكن رأسه ارتخى.
تنهّدت، ثم قالت لغارون:
فقد وعيه… لكن ليس بسبب النزف، هذا الرجل تعوّد الألم.
غارون اقترب، نظر إلى ملامحه للحظة، ثم قال: علينا أن نقيّده، وننقله إلى مكان آمن قبل أن يُكمل ما بدأه… أو يُكمله أحد آخر.
أومأت ليانا برأسها، تنهض بصعوبة، تمسح دمًا جفّ على ذراعها:
نحتاج إجابات، وغرفة مظلمة أهدأ من هذا الميناء.
نظر غارون حوله، متيقظًا:
المكان هنا لم يعد آمنًا. إن كان واحد مثل هذا في الداخل، فمن يدري من ينتظرنا في الخارج.
صمت قصير… ثم أضاف:
سآخذكما من ممر خلفي لا يعرفه إلا رجال البحرية القدماء. يُفضي إلى ساحة التفتيش خلف المخازن.
أشارت ليانا إلى الصندوق الحجري الذي كان موضوعًا في الزاوية، حيث بدأ كل شيء:
لن أتركه.
غارون نظر إليه، ثم إلى عينَيها:
لا أفهم ما سرّه، لكن… إن كنتِ مصرّة، نحمله معنا.
اتجه إلى الصندوق، ثم رفعه من طرفه بصعوبة، يعلّق ساخرًا:
يا له من شيء ثقيل… كأنّ داخله تاريخًا.
سحبت ليانا نفسًا عميقًا، ثم اقتربت لتساعده في رفع الطرف الآخر من الصندوق.
تحرك الاثنان بحذر عبر الممر الجانبي الضيق في المخزن، خشب الأرضية يئن تحت أقدامهم، والهواء يزداد كثافة كلما اقتربوا من الباب الخلفي.
وراءهما، كانت أنفاس إيرمان متقطعة، وملامحه الجامدة تزداد شحوبًا تحت ضوء المصباح الخافت.
غارون توقف عند باب صغير شبه مخفي خلف ستارة قماش قديمة، نزعها، ثم قال:
هنا. بعده درج حجري ضيق… يؤدي إلى القبو، ومنه إلى الخارج.
نظرت ليانا إلى الدرج ثم إلى إيرمان:
لن نستطيع إنزاله وحدنا.
أومأ غارون، ثم أنزل الصندوق برفق إلى الأرض.
أحمليه أنتِ، سأتكفّل به.
ولمّا رأت ليانا الحدة في عينيه، لم تعارض.
رفعت الصندوق بكل ما تملك من قوة وثبات، وغارون حمل جسد إيرمان على كتفه، ينزل الدرج خطوة بخطوة.
هدير خافت بدأ يعلو من الطابق العلوي.
صوت أقدام… أكثر من زوج.
غارون تمتم وهو يسرع: علينا الخروج… فورًا.
في منتصف الطريق إلى القبو، توقف غارون للحظة، وصوته منخفض لكنه حاسم:
ارسلت الحارس الذي رافقنا ليطلب الدعم من القصر… بعض الجنود يجب أن يكونوا في طريقهم الآن.
ليانا نظرت إليه بدهشة قصيرة، ثم قالت:
ظننتك لا تثق بأحد.
رد دون أن يلتفت، وهو يعدّل وضع جسد إيرمان على كتفه:
لا أثق… إلا بمن جربت خيانته مرتين، ولم ينجح.
رغم ثقل الصندوق، لم تستطع كتم ابتسامة صغيرة، سرعان ما تلاشت حين دوّى صوت خافت من الأعلى، وكأن شيئًا سقط أو انكسر.
غارون أسرع في النزول وهو يقول:
الدعم قد يتأخر… لكن من يلاحقنا لن يفعل.
نزلت ليانا خلفه بحذر، قدماها تهبطان على درجات حجرية زلقة، والصندوق يضغط على ذراعيها بثقلٍ لا يرحم.
الهواء في الدرج كان أبرد، وأكثف… رائحة الرطوبة والحديد الصدئ كانت خانقة.
في الأسفل، فتح غارون بابًا خشبيًا صغيرًا يكاد يلامس السقف، ثم دخل أولًا، وغمغم:
احذري رأسك.
تبعته ليانا، تنحني قليلاً لتدخل إلى ممر منخفض، مظلم، لا يكاد يُرى فيه شيء.
أضاء غارون شعلة صغيرة من الجدار، كشفت عن ممر حجري قديم، محفور بيدٍ خبيرة، تعبره أنابيب مائية نحيلة مغطاة بالغبار.
قال غارون و هو يتقدم: هذا المكان لم يستخدم منذ سنوات. كان ممر تهريب في زمن الحرب، قبل أن تنظّف البحرية الميناء.
ليانا تمتمت وهي تراقب الجدران:
وكيف تعرفه؟
أجاب دون تردد:
كان لي زمن… قبل أن أكون غارون القصر.
لم تسأله أكثر.
مضوا بصمت، لا يُسمع فيه سوى صدى خطواتهم، وأنفاس إيرمان الثقيلة، وصوت خافت للتنقيط في مكان بعيد.
لكن بعد بضع خطوات…
توقف غارون فجأة.
ثم رفع يده.
صوت خافت أمامهم… همسات؟ لا.
خطوات.
شخص ما… في نهاية الممر.
ظلّ واقفًا في العتمة، ظهره للضوء الخافت المتسلل من الخارج. لم تُرَ ملامحه بوضوح، لكن وقفته كانت عسكرية، مشدودة.
رفع غارون يده بصمت أمام ليانا وإيرمان، إشارة للتوقف والحيطة.
خطوات بطيئة… محسوبة، ثم صوت أجشّ نادى بنبرة احترام:
سيدي غارون… كنت أعلم أنني سأجدك هنا.
لم يتزحزح غارون، لكنه رد بلهجة حذرة:
ألين؟
الظلّ اقترب أكثر حتى انكشفت ملامحه، رجل في أواخر الثلاثينات، زيّه داكن يحمل شارة الحرس الملكي، وملامحه متعبة من الطريق.
أومأ الرجل بتحية عسكرية قصيرة:
أجل، سيدي. "لوكان" أوصل الرسالة… جمعنا خمسة عشر رجلًا وتوجهنا فورًا إلى الميناء.
غارون أطلق زفيرًا خافتًا وقال:
لم أتوقع أن تصلوا بهذه السرعة.
ألين ابتسم بخفة:
أمر مباشر منكم يا سيدي… لا يُؤخر.
ثم نظر إلى إيرمان الملقى، فاستقام أكثر وقال: هل من أوامر؟
غارون أشار إلى الصندوق:
ننقل هذا أولًا، ثم نأخذ هذا الرجل لاستجوابه… لكن بعيدًا عن هذا المكان. الميناء أصبح مكشوفًا.
ثم التفت إلى ليانا، صوته أخف قليلًا:
لن يقترب أحد من الصندوق… ولا منه.
هزّت ليانا رأسها، متعبة لكنها ثابتة، وقالت:
سأرافقكما… لن أتركه بعد الآن.
الهواء تغيّر فجأة… أوسع، أبرد، مشبّع برائحة الرطوبة والحديد.
كانت ساحة قديمة خلفية، أرضها مرصوفة بحجر غير مستوٍ، تتخلله بقع من طين البحر الجاف.
وفي منتصفها تقريبًا…
وقفوا.
خمسة عشر جنديًا، مصطفين بهدوء، أنظارهم متجهة نحو الخارج، وكأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة بالضبط.
تقدّم غارون خطوة إلى الأمام، يتفحّص وجوه الجنود واحدًا تلو الآخر، ثم قال بصوت واضح وجاد:
أُرسلتُ إلى هنا بأمر مباشر من جلالة الملك.
ساد صمت قصير.
ثم تابع، ونبرته ازدادت ثباتًا:
لنتحرى عن شحنات مشبوهة تمرّ عبر هذا الميناء دون تسجيل… وصندوق كهذا ، وأشار برأسه نحو ما كانوا يحملونه: كان أول دليل حقيقي بين أيدينا.
التفت نحو ألين، ثم إلى الجنود خلفه:
الليلة لم تنتهِ بعد. نحتاج لمكان آمن نستجوب فيه هذا الرجل أشار نحو إيرمان ، ونفحص محتوى هذا الصندوق. دون ضجة. ودون أن تصل أنباؤنا إلى من لا يجب أن يسمع.
أخذ غارون نفسًا عميقًا، ثم أضاف بنبرة ثقيلة:
هذا الميناء… لم يعد تحت سيطرة رجال التاج.
نظر إلى الوجوه المتشنّجة أمامه، وأكمل:
قبل عدّة أيام، احتلّته مجموعة من تيهان… عصابة منظّمة، تتحرك بخفاء، وتدفع بسخاء.
أشار نحو المخزن خلفهم، ثم إلى الأرجاء بصمت لحظة، قبل أن يتابع:
دُفِع ما يكفي من العملات الذهبية للحراس هنا… ليصمتوا. ليغضّوا النظر. وليمنعوا الخبر من بلوغ مسامع الملك.
تبادل بعض الجنود نظرات مشدودة، وظهر على البعض الغضب المكتوم.
أنهى غارون كلامه بنبرة حازمة:
لكن الملك يعلم الآن… ونحن هنا، لنُنهي ما بدأه هؤلاء… ولنكشف من يدفع، ومن يخون.
أومأ غارون ببطء، ثم التفت نحو صف الجنود الواقفين أمامه، وعيونه تمسح الوجوه بدقة.
رفع يده وأشار بخمسة أصابع: أنتم الخمسة، توجّهوا فورًا إلى السفينة المشبوهة الراسية عند الرصيف الشرقي. ستجدون رجلًا هناك… اسمه بيران، وهو من أفراد القصر الملكي.
تقدّم أحد الجنود، حاجباه مرفوعان بدهشة خفيفة، وسأل: بيران؟ أهو ذاك الذي يُقال إنه دماغ القصر؟
رمقه غارون بنظرة حذرة، ثم قال: هو… لكن ليس وقت الأسئلة.
ثم تابع الجندي، وقد أصبحت نبرته أكثر قلقًا: هل هو بخير، سيدي؟
رد غارون بصرامة: لا نعلم، لكنه تأخر… وهذا وحده يدعو للقلق. تأكّدوا من سلامته، واعتقلوا أي شخص يبدُ عليه التورّط. لا تفتحوا فمًا، ولا تطلقوا سيفًا… إلا عند الضرورة القصوى.
ثم أضاف بنبرة أثقل: وإن وجدتم شيئًا مريبًا… لا تلمسوه، فقط أبلغوني فورًا.
تحرّك الجنود الخمسة بسرعة، خطواتهم ثابتة وصارمة وهم يتّجهون نحو الرصيف الشرقي، حيث تنتظر السفينة التي خيّمت حولها الشكوك.
وقف آلين بجانب غارون، يراقبهم حتى غابوا بين الظلال، ثم قال بنبرة منخفضة:
لو كان ما تظنه صحيحًا… فبيران قد يكون في قلب عش الأفاعي.
لم يردّ غارون على الفور، عيناه كانتا تتابعان الأفق المعتم كأنهما تبحثان عن خيط متبقٍ من الضوء.
ليانا، التي كانت قد جلست على إحدى الصناديق الحجرية، تنفّست بعمق، ثم قالت وهي تمسح على جرحها:
نحن نعرف القليل… وما لا نعرفه، قد يكون الأخطر.
هزّ غارون رأسه موافقًا، ثم قال بهدوء مشوب بالتوتر:
لهذا علينا أن نتحرّك نحن أيضًا. لا يمكننا انتظار الجنود فقط.
ثم التفت إلى آلين وقال:
أبقِ الجنود المتبقين هنا. افتحوا المخازن واحدًا تلو الآخر، لكن بهدوء. لا نريد إثارة الهلع… ليس بعد.
آلين أومأ دون تردّد:
مفهوم، سيدي.
غارون ألقى نظرة أخيرة على الممر خلفهم، ثم قال وهو يشد قبضته على مقبض سيفه:
هيا، ليانا… لنكمل الطريق.
تقدّمت ليانا خُطوة، تتبع نظرة غارون، ثم قالت بنبرة هادئة لكن مشحونة بالقلق:
إلى أين؟ لا تقل إنك ستترك هذا المكان الآن؟
أجابها دون أن يحوّل نظره:
سنتبع الجنود… إلى السفينة.
رفعت حاجبها، مستغربة:
بنفسك؟
أجاب، وصوته منخفض لكنه حازم:
إن كان هناك خطر، فلن أترك بيران يواجهه وحده… وهو ليس شخصًا يمكن تعويضه. وإن كانت السفينة تحمل شيئًا أكبر مما نظن، فلا مجال للخطأ.
نظرت ليانا إلى الساحة التي بدأت تزداد صمتًا، ثم قالت:
حسنًا… لنذهب. لكن إن أصبح الوضع سيئًا هناك، لا تتوقع أن أعود أدراجي.
أومأ لها دون أن ينظر إليها، ثم استدار مغادرًا الساحة بخطى سريعة، متجهًا نحو الطريق المؤدي إلى السفينة.
تبعته ليانا، تحاول مجاراة سرعته، لكن بعد خطوات قليلة، تهاوت فجأة وسقطت على ركبتها.
شهقت، وامتدت يدها إلى الجدار لتستند، بينما الدم يقطر من كمّها الممزق.
استدار غارون فورًا، وعاد إليها مسرعًا: ليانا!
رفعت رأسها ببطء، وجهها شاحب، وأنفاسها متقطعة: كتفي… يبدو أنني… لم أكن بخير كما ظننت.
انحنى بجانبها، وعيناه تتفحصان الجرح النازف: الجرح أعمق مما توقعتِ… لا يمكنك الاستمرار بهذا الشكل.
زمّ شفتيه للحظة، ثم استدار بسرعة وعاد أدراجه نحو الساحة.
حين وصل إلى حيث ينتظر ألين، صاح بصوت حازم:
ألين! خذها، وأبقها تحت رعايتك. لا تدعها تتحرك من هنا حتى أعود.
اقترب ألين بسرعة، وعيناه تتفقدان الدماء على كتف ليانا: هل هي بخير؟
أجابه غارون وهو يسلمها إياه بحذر: نزفت كثيرًا… عالجها، ولا تتركها وحدها.
نظرت ليانا إليه بعينين نصف مغمضتين، وهمست: لا تذهب وحدك…
ابتسم قليلًا، وضع يده على كتفها وقال: سأعود… أعدك.
ثم استدار، وانطلق نحو السفينة بخطوات ثابتة.
_في السفينة:
كانت الخطوات تتردد على الخشب الرطب كأنها طبول إعلان هزيمة. قيدٌ خشن يشد يدي بيران خلف ظهره، والألياف تحفر في جلده كلما حاول مقاومة الدفع أو استعادة توازنه. لم يكن يرى وجه من نقله.
مرّوا عبر ممر ضيق تتأرجح فيه فوانيس باهتة، تشعل الجدران بظلال مشوّهة تُشبه كوابيس نصف مستيقظة. العفن يتسلل في الزوايا، ورائحة الملح والحديد تطغى على الهواء. من خلف باب موارب، تسللت همسات رجال، حديثٌ خافت بلغ بيران كوقع قطرات تتساقط على حجر بارد. لم يلتقط الكلمات، لكن شيئًا فيها أيقظ الحذر داخله.
ثم توقف فجأة أمام جدار خشبي، يحمل نقشًا باهتًا بالكاد يُرى تحت الضوء المتراقص. لم يكن مجرد خدش... بل رمز: دائرة يتوسطها رقم صغير محفور بشكل دقيق، الرقم ذاته الذي رأته ليانا بين الصناديق في الميناء. لم يعرف بعد دلالته.
دُفع إلى الأمام، وفُتح باب حديدي بصرير يثير القشعريرة. الزنزانة بالكاد تصلح للوقوف أو الجلوس، مبللة، متآكلة الجدران، تفوح منها رائحة الوحدة القديمة.
"ابقَ هادئًا، سيأتي من يكلّمك، قال الشخص دون أن ينظر إليه، ودفعه للداخل بعنف.
أُغلق الباب خلفه. عاد الصمت، سوى من الموج وأنفاسه المتعبة... وبيران، يحدق في الظلام، يحاول أن يربط بين الرقم… وبين ما قد يكون قادمًا، مع صوت الالم الصادر من فخذه.
…لحظات مرّت كأنها دهر. كل صوت صغير داخل الزنزانة صار يضخم داخل أذنه المضطربة نقطة ماء تتساقط من السقف، صوت حشرة تتحرك في زاوية مظلمة، تنفسه الثقيل المرتجف.
ثم جاء الصوت.
نقرة خفيفة… لا، ليست من الباب، بل من الجدار ذاته، الجدار الذي يحمل الرمز. أنصت. مرة أخرى… نقطة، نقطة، ثم سكون. قلبه خفق بقوة. اقترب ببطء رغم الألم، يسند كتفه إلى الخشب، يحاول أن يلمح شيئًا في الظلال المتراقصة.
لكنه قبل أن يدنو أكثر، سُمع من الخارج صوت خطوات مختلفة... أهدأ، أكثر ثقة. تبعها دوران المفتاح في القفل.
بيران تراجع قليلاً، يعتدل قدر ما تسمح له القيود، وعيناه تترقبان القادم.
انفتح الباب ببطء، وانسكب ضوء خافت إلى الداخل. لرجل، جسده مائل، وكأنه يختبئ خلف الظل عمدًا. لم يقل شيئًا في البداية، فقط وقف هناك، ينظر...
ثم قال بصوت هادئ، كمن يستمتع بلحظة انتظار طال تحضيرها:
لم أصدق أن ألتقيك مجددًا، يا ابن آل إيرموند.
جمُدت ملامح بيران لوهلة. الصوت مألوف… لكن من؟ أين سمعه؟ لم يجب، فقط شدّ قبضته خلف ظهره، وصدره يرتفع وينخفض بثبات.
الشخص اقترب خطوة، ودخل النور وجهه.
عينا بيران اتسعتا، لكن صوته لم يخرج… فقط اسم واحد تردد في ذهنه، ممزوجًا بصدى المفاجأة والغضب:
أنت…؟
الشخص تقدم خطوة أخرى، حتى انكشفت نصف ملامحه تحت الضوء الشاحب للفانوس المعلق خارج الزنزان.
كان يرتدي معطفًا داكن اللون، أطرافه مبتلّة، كأن الرجل خرج لتوه من المطر... أو البحر.
ببطء رفع رأسه، والعينان التقتا.
عينان رماديتان، باردتان، لا تخلوان من شيء يشبه الشفقة... أو الندم.
قال بصوت أكثر خفوتًا، كأنّه يحادث ماضيًا لا رجلًا أمامه:
لقد تغيرت... لكن ما زلت تحمل نفس النظرة، بيران.
همس بيران، وصوته مشوب بدهشة مرتجفة:
…عمي نير؟
الاسم خرج كأنما انتُزع من أعماق ذاكرة نازفة، ثقيلًا، حادًا، كأن نطقه وحده قد أيقظ زمنًا كاملاً من النسيان.
بصوت خافت، جاف، قال بيران: ما الذي تفعله هنا؟
كانت الكلمات كالسكاكين، لا تسأل بل تتهم.
لم يجب نير مباشرة. اكتفى بالتحديق فيه، نظرة لا تحمل دفئًا ولا قسوة، بل شيئًا ثالثًا… مزيجًا غريبًا من الندم والحذر، كأنما يزن وقع كل حرف قبل أن ينطق به.
اقترب خطوة. صوت الخشب تحت حذائه بدا كأن السفينة كلها تأوهت من ثقله. ثم قال بصوت هادئ، لا يشبه صوته كما يتذكره بيران:
علمت انك ستأتي.
شدّ بيران قبضتيه، رغم القيود، وارتفعت أنفاسه:
وأنا؟ ظننتك ميتًا. منذ تلك الليلة…
قاطعته نظرة نير الحادة. رفع يده ببطء، كأنه يوقف سيل ذكريات لا يريد لها أن تندفع.
تلك الليلة انتهت منذ زمن، يا بيران… وما تبقّى منها، يعيش هنا، في الظل. كما ترى.
ثم أدار نظره في الزنزانة، كأنما يسخر من مكان اللقاء
سكن بيران لحظة، أنفاسه تنقطع ما بين صدمة اللقاء وغضب الأسئلة المتراكمة. نظراته لا تترك عيني نير، كأنه يبحث عن كذبة معلقة أو شرارة صدق نادرة. قال بحدة منخفضة: كيف… لم تمت في الحصار؟ تلك الليلة… رأيتك تسقط.
اقترب خطوة، رغم الألم، رغم القيد.
وكنت تعمل في القصر… في جناح أبي، كيف انتهى بك الأمر هنا؟ مع هؤلاء؟
لم يكن الاتهام في صوته، بل شيء أقسى: الخذلان.
ظل نير صامتًا لثوانٍ، طالت كأن الزمن نفسه توقف ليراقب، قبل أن تومض في عينيه لمحة من ماضٍ لم يمت. رفع رأسه ببطء، وقال بصوت لا يكاد يُسمع: لأن القصر… لم يكن كما تظن.
ارتفع صوت بيران قليلًا، مشوبًا بالدهشة والغضب: كيف لم يكن كما أظن؟ ماذا تعني بذلك؟
شد على قبضتيه المقيدتين، وكأن الكلمات وحدها لم تعد تكفي.
كنت هناك، رأيتك تخدم أبي، وثق بك الجميع… فكيف لك أن تعمل مع هؤلاء؟! كان عليك أن تعود! أن تشرح ما حدث! لا أن تختبئ بينهم كخائن.
توقفت أنفاسه للحظة، نظراته تتوسل إجابة، أي إجابة... تحمل له معنى لما انقلب من زمنه رأسًا على عقب.
عدت، بيران... عدت في تلك الليلة. زحفت بين الجثث، ملطخًا بدمي، وبدم غيري. لم يعرفني أحد… ولم يرد أحد أن يعرف.
رفع عينيه أخيرًا، ونظراته كانت تحمل شيئًا غريبًا… ليس الندم، بل مزيج من المرارة والخذلان: طرقت أبواب القصر، أرسلت رسائل، توسلت. لكن من تبقى هناك لم يكن يبحث عن الحقيقة… كانوا يحتاجون لصمت، لاسم يُدفن دون ضجيج. وأنا… كنت الاسم المناسب.
اقترب خطوة نحو القضبان، صوته أخفض، لكنه أشد وقعًا.
هؤلاء؟… ليسوا كما تظن. ولا أنا كما تظن. لو عرفت ما عرفت، لما ألقيت أسئلتك علي بهذا الشكل.