لفصل الرابع: أصوات في العتمة.
قبل سبع سنوات – قرية صغيرة قرب نهر آرن.
كان الأطفال يركضون بين الحقول، يضحكون، يرمون السنابل اليابسة في الهواء كأنها شرارات ذهبية. جلست ليانا عند حافة النهر، حذاؤها مرمي جانبًا، وقدماها مغمورتان في الماء البارد.
لم تكن في مهمة، ولا تتعقب أحدًا. كانت فقط... تختبئ.
امرأة مسنّة خرجت من كوخٍ قريب، لوّحت لها بقطعة قماش.
"أعددت لكِ حساءً كما تحبينه. لا تجعلي النهر يسرقك من العشاء."
ابتسمت ليانا. تلك الابتسامة، التي لم يرها أحد منذ زمن، كانت حقيقية.
"سآتي حالًا.
دخلت الكوخ الصغير، يتصاعد منه عبق المرق الساخن ونكهة الأعشاب البرية. جلست على المقعد الخشبي المتآكل قرب الموقد، وراحت تدفئ يديها بينما العجوز تملأ لها الطبق.
"أنتِ لستِ من هنا، هذا واضح."
قالتها المرأة وهي تجلس مقابلها، تنظر إليها بعينين شقيقتين للزمن.
"ولا أنوي البقاء."
أجابت ليانا بهدوء، وهي تذوق الحساء. كان دافئًا بما يكفي لينسيها الطريق، وبسيطًا بما يكفي ليوقظ الذاكرة.
"لكنّكِ بقيتِ ثلاثة أيام."
ضحكت العجوز، وسكبت لنفسها كأسًا من الماء.
الذين يهربون لا يتوقفون، إلا إذا كانوا يفتّشون عن شيء ضائع.
سكتت ليانا. رفعت عينيها عن الطبق، وكأنها تحاول تذكّر ما كانت تبحث عنه أصلًا.
هل فقدتِ أحدًا؟
سؤال المرأة كان بسيطًا، لكنه اخترق صدعًا لم يُغلق بعد.
نعم...
قالتها ليانا بصوت خافت، ثم وضعت الملعقة جانبًا ونظرت إلى اللهب الذي يرقص في الموقد.
فقدت أمي بعد ولادتي... وأبي، لا أعرفه.
توقفت لحظة، ثم تابعت، لكني لا أبحث عنهما. لقد قبلت رحيلهما منذ زمن.
رفعت نظرها إلى المرأة، عيناها تشعّان بتصميم هادئ.
أنا أبحث عن أخي.
ارتسمت الدهشة على ملامح العجوز. قلتِ إنك لا تعرفين أباك... فكيف؟
أجابت ليانا ببطء، كما لو كانت تسترجع حكاية قديمة حُفرت في قلبها أكثر من ذاكرتها:
قبل أن تموت أمي، أوصت مربيتي أن تخبرني بشيء واحد فقط حين أكبر: أبوك كان يخفي طفلًا آخر. أخوك.
هل تعرفين اسمه؟ أين هو؟
هزّت ليانا رأسها. لا... لا شيء. لا صورة. لا وصف. فقط تلك الكلمات.
صمتت لحظة، ثم أضافت:
أنا أبحث عن وجه لم أره قط... عن شخص قد لا يعرف بوجودي أصلًا. لكني لا أستطيع أن أتوقف.
لم تكن على وجهها ملامح حزنٍ واضحة، بل شيء أكثر هدوءًا... وأعمق.
نظرتها كانت صلبة، لكن خلف صلابتها وميض لشيء يشبه الفقد، لا يبكي ولا يصرخ، بل يعيش بصمت في أعماقها.
شفتيها كانتا ثابتتين، ونبرة صوتها خالية من الارتجاف. لم تكن تتحدث كمن يعيش على أمل، بل كمن عقد عهدًا لا يستطيع التراجع عنه.
العجوز لم تقل شيئًا، فقط نظرت إليها طويلًا، وكأنها ترى فيها ما لم تقله بعد.
أخذت ليانا نفسًا عميقًا، وكأنها تُغلق على الكلمات داخل صدرها.
سترحلين غدًا؟ كان هذا سؤال العجوز، صوتها دافئ وفيه شيء من العتب الأمومي.
أومأت ليانا ببطء: مع أول ضوء.
_في صباح اليوم التالي:
وقفت ليانا، وتقدمت نحو الباب، لكنها توقفت عند العتبة. نظرت إلى المرأة، إلى الأواني المعلقة، ورائحة الدفء التي ستبقى في ذاكرتها طويلًا.
قالت بصوت رقيق، لكنه واضح:
شكرًا على الحساء... وعلى الثلاثة أيام التي جعلتني أشعر كأنني أنتمي.
ثم خرجت، تاركة الباب يُفتح قليلًا خلفها، كما لو أنها لا تريده أن يُغلق بالكامل.
_ في الحاضر .
…لكنها لم تدر ظهرها هذه المرة.
ثبتت قدميها أرضًا، يدها على مقبض الخنجر، أنفاسها متسارعة لكن عينيها ثابتتان.
الخطوات توقفت، والصمت عاد… لكنه لم يكن هدوءًا هذه المرة، بل توترًا مشحونًا على وشك الانفجار.
وفجأة.
ظهر!
رجل، طويل، مهيب، وقف إلى جانب الباب الخشبي، جسده نصفه غارق في العتمة، والنصف الآخر تقطعه خطوط الضوء الفضّي من الكوة.
لم يقل شيئًا… فقط حدق بها.
ثم قال بصوت أجش منخفض، بالكاد يُسمع:
لم يكن يُفترض أن تري هذا، يا ليانا...
صمت.
هي لم ترد.
ابتسم، لكن تلك الابتسامة لم تحمل دفئًا… بل وعيدًا.
انطلق نحوها!
ردت فورًا
تراجعت نصف خطوة، اندفعت جانبًا، جسدها ينزلق بين الصناديق.
يداه امتدتا نحوها، لكنها أفلتت بشق الأنفُس.
زمجر بصوت خافت، وانقض من جديد.
رفعت الخنجر!
ضربة جانبية، قطع هواء فقط.
ثم رفسته بكل ما أوتيت من قوة نحو صدره… ارتدّ خطوة، لكن لم يسقط.
اقترب أكثر.
هي الآن في الزاوية.
حدّق بها للحظة طويلة… نظراته لم تكن نظرات غريب، بل نظرات من يعرفها، من يحفظ ملامحها عن ظهر قلب.
قال بصوت أجشّ، منخفض، مشوب بنبرة لم تعرف كيف تفسرها:
لم أتوقع أن أراكِ هنا يا ليانا… بعد كل تلك السنين.
لم تجبه. قلبها كان يقرع بقوة، يضرب أضلاعها كطبول حرب.
همست أخيرًا، بشكٍّ أكثر منه يقينًا:
إيرمان؟
أومأ ببطء… خطوة صغيرة إلى الأمام.
ظننتِني متُّ في النهر، أليس كذلك؟
انقبضت أنفاسها.
ذاك المشهد… المياه الباردة، يده التي أفلتت… وصرختها التي اختنقت بين العاصفة.
أخفض نظره للحظة، كما لو أن الذكرى أثقلته هو أيضًا، ثم رفعه مجددًا، هذه المرة وقد تغيرت نبرته:
كنت أراقبك منذ دخلتِ الميناء. توقعت أن تُبعثي إلى هنا… لكنني لم أكن أعلم أنك ما زلتِ تحاولين لعب دور البطلة.
تقدّم خطوة أخرى، ويده تحرّكت ببطء نحو خصره، حيث يلمع مقبض سيفٍ قصير.
عودتك… أربكت البعض. وهناك من لا يمانع التخلص من الإرباك.
شهقت ليانا بقوة، كأن الهواء صفع صدرها فجأة. لم تحاول إخفاء دهشتها، بل ارتجف جسدها لحظة، وانفرجت شفتاها عن سؤال لم تُكمله.
أصابعها اشتدت على مقبض الخنجر، وظهرها التصق بالحائط البارد، كأنها تحتاجه ليثبتها في هذا الواقع الجديد.
عيناها لم تتركا عينيه، تائهتين بين الذهول والغضب.
قالت، بصوت متوتر لكنه واضح:
أنت… تعمل معهم؟
ارتفع حاجباه قليلاً، كما لو أن السؤال أزعجه أكثر مما فاجأه.
،قال بصوت عميق، واثق، يحمل نبرة تهديد خفي: انا اعمل لنفسي.
خطا خطوة إلى الأمام، فارتفع ظلّه على الجدار خلفها:
لكن يبدو أنك نسيتِ الدرس… ليانا.
شدت قبضتها على الخنجر أكثر، وقالت ببطء:
بل أتذكره جيدًا.
تبدلت ملامحه لوهلة ، ما بين سخرية وشيء يشبه الحزن.
ثم قال، بنبرة منخفضة:
إذًا فلننهي ما بدأناه.
واندفع نحوها بكل عنف، بكل غضب مكتوم.
ضغط عليها، جسده يملأ المساحة، ظله يغمرها.
أنتِ..
قال بصوتٍ متقطع، كبُرتِ كثيرًا، ليانا… لكنكِ لم تتعلمي بعد.
اندفع كالسهم، ذراعه ممدودة لتقييدها.
لكن ليانا كانت قد توقعت الهجمة.
انخفضت فجأة، التفّت بجسدها بين ساقيه، ومرّت خلفه كنسمة عاصفة.
استدار بسرعة، لكن ليس بالسرعة الكافية.
ضربته بكعبها في ظهره ، دفعة واحدة أربكته للحظة.
استغلت اللحظة.
قفزت فوق الصندوق القريب، انحنت بسرعة، وركلت الغطاء الخشبي ليسقط بينهما مُحدِثًا ضجّة.
هو شهق… لكن لم يتراجع.
رفع رأسه نحوها،
وعيناه... تومضان بالغضب.
ببطء… وبحركة مهيبة، مدّ يده إلى خاصرته.
صوت احتكاك الحديد بالجلد مزّق الصمت.
وها هو السيف… يخرج من غمده، لامعًا ، طويلًا، نحيفًا، يشبه صاحبه في حدة حضوره.
لوّح به جانبًا،
صرير المعدن في الهواء كان كصفارة إنذار.
ثم قال، بصوت أجشّ:
كفاكِ لعبًا، ليانا...
شهقت، لكن هذه المرة دون خوف.
عيناها اشتعلتا بتلك اللمعة التي لم تظهر منذ سنين
ليانا القديمة… التي لا تهرب.
شدّت قبضة الخنجر في يدها، واستقامت بكل قوامها، كأن التعب اختفى من أوصالها.
قالت بصوت خافت… لكنه كان أشد وقعًا من الصراخ: جربني اذا
ثم اندفعت.
رفع الرجل سيفه بسرعة خاطفة، دار بجسده نصف دورة، ثم سدّد ضربة مائلة نحوها وهي على وشك الوصول إليه.
لكن ليانا لم تكن تتوقع تلك المناورة ،ضهرها انكشف للحظة.
اندفعت الضربة كقوس برق لامست أطراف شعرها، ولامست معها حافة الخطر.
تجمّدت لثانية…
ثم شعرت بشيء ساخن، حارق، يشقّ طريقه في لحمها.
صرخة مكتومة فلتت من بين شفتيها، والدم انفجر من كتفها الأيسر، الجرح كان عميقًا بما يكفي ليخلّ بتوازنها.
كمّها تمزّق تمامًا، والعضلة ارتجفت من الألم.
تهاوت على ركبة، يدها تضغط على الجرح، أنفاسها قصيرة ومتسارعة، نظراتها لا تزال عليه.
على عدوّها، الذي لم يتراجع.
رفع الرجل سيفه من جديد
خطى خطوة واحدة، ثم اندفع نحوها بضربة قاضية، حادة، مباشرة نحو عنقها.
لكن…
انفجر صوت المعدن على المعدن فجأة!
طنّ!
شرارة تطايرت في العتمة.
غارون كان هناك ، سيفه اعترض الضربة في اللحظة الأخيرة، القوة ارتدّت في ذراعيه، وعيناه تشتعلان : ابتعد عنها، أيها الحقير.
صوته كان كهدير البركان.
تراجعت ليانا قليلاً، أنفاسها مرتجفة، لكن عيناها لم تفارقا الاثنين…
المعركة لم تنتهِ، بل بدأت للتو.