الفصل السابع: حافة الإنقسام.
تحت ضوء القمر، مشَت سيرين بخطى ثقيلة إلى جانب أدريان، أرسلين، وليورا نحو المخزن الكبير، ذلك المكان الذي شهد المعركة بين غارون وإيرمان.
دفعوا الباب المهترىء ودخلوا ببطء لكن أدريان بقي في الخارج ليراقب الاوضاع، في صمت ثقيل... المكان كان خاليًا تمامًا. لكن لا شيء يشير إلى ما حدث ماعدا غطاء الصندوق الملقى على الارض و دم ليانا على الارض.
توقفوا وسط المخزن، وعين سيرين تتنقل بحثًا عن أي دليل.
لا شيء... همست سيرين، وقد بدأت التوترات في صوتها.
ربما غادروا قبل أن نصل.
قالت أرسلين متسائلة:
أضافت ليورا بصوت منخفض: لكن أين ذهبوا؟
سيرين توقفت، وتنهدت بعمق قبل أن ترد بصوت متحشرج: إيرمان أيضًا غير موجود... هذا غريب. تأملوا أن لا يكون قد تم القبض عليه.
لحظة صمت مرت، ثم رفعت رأسها وقالت فجأة بصوت محمل بالتوتر و القلق: سأبحث عن إيرمان. يجب أن أجد أي أثر له.
لكن في اللحظة التي كانت على وشك التحرك، سمعوا صوت أدريان يناديهم من الخارج.
سيرين! أرسلين! ليورا! صاح بها من الخارج. السفينة ألقت إشارة إعادة التجمع! يجب أن نعود الآن، بسرعة!
تبادلت سيرين نظرات مع رفيقاتها قبل أن تقرر العودة. قلبها كان مشوشًا، لا زالت تشتعل في داخلها الأسئلة حول إيرمان، لكن الآن كانت لديهم مهمة أخرى.
قالت أخيرًا بكل جدية: لنعد إلى السفينة، لا يمكننا إثارة جلبة.
رغم أن قلبها كان غير مرتاح، إلا أنها علمت أنها مجبرة على الاستجابة للإشارة.
غادروا المخزن، وبدون أن يتبادلوا كلمات أخرى، ساروا في الطريق المؤدي إلى السفينة.
كانت خطوات سيرين أثقل من أن تُخفي قلقها. وبرغم أنها تمشي معهم، إلا أن عقلها ظل معلقًا خلفهم، في ظلال المخزن، حيث لم تجد أي أثر لإيرمان رغم إرسالها له الى هناك. كانت تحاول أن تُقنع نفسها بأنه بخير… أنه فقط تأخر أو اختبأ لأسباب مجهولة…
رفعت بصرها نحو الأفق البعيد، وتنفست ببطء، ثم تابعت السير دون أن تنبس بكلمة.
_في السفينة:
بينما كان نير وبيران داخل الغرفة الصغيرة في السفينة، مستغرقَين في حديثٍ خافت، قاطعهما فجأة صوت خطوات خشنة على اللوح الخشبي خارجًا.
توقف بيران عن الكلام، وحدّق في السقف:
هل سمعت ذلك؟
نير رفع حاجبه:
خطوات… أكثر من شخص، أليس كذلك؟
ردّ بيران وهو ينهض ببطء:
نعم، ويبدو أنهم مستعجلون.
اقترب نير من الباب، ووضع يده على مقبضه دون أن يفتحه:
ربما عادوا... أو هناك أمر جديد.
ركض أحد رجال نير إلى الغرفة، وفتح الباب بسرعة دون طرق، يتنفس بصعوبة:
سيدي! هناك حوالي خمسة رجال يقتربون من السفينة... إنهم يحملون شارات حرس القصر الملكي!
تبادل نير وبيران نظرة سريعة، توتر خفيف ارتسم على وجه الأول، بينما قبض الثاني على مقبض سيفه بعفوية.
قال نير بنبرة منخفضة، لكن حازمة:
هل رأونا؟
هزّ الرجل رأسه:
لا أظن... لكنهم على مقربة. ويبدون وكأنهم يعرفون وجهتهم جيدًا.
ردّ بيران:
إن كانوا من القصر، فلن يأتوا عبثًا.
أومأ ببطء، وعيناه تلمعان بقلق، قال بنبرة واثقة لكنها تحمل توترًا خفيًا:
إنهم قادمون إليّ… لا شك في ذلك. لانني تفاهمت مع غارون ان اتي الى هنا للتحري من امر هذه السفينة، تأخرتُ على العودة… والآن أرسل من يبحث عني.
أومأ نير وهو يرمق الباب بنظرة ثابتة، وقال بصرامة حادة:
خذ من في الغرفة المجاورة… من يحملون الأقواس. أوقفهم قبل ان يصعدوا سلالم السفينة، لا تطلقوا النار فقط قوموا بإخافتهم بتوجيه الاقواس نحوهم.
الرجل أومأ بطاعة: حاضر سيدي، وانسحب بسرعة من الغرفة، خطواته تتلاشى على الخشب بينما ظل التوتر مشحونًا في الهواء.
نظر نير إلى بيران مرة أخرى، هذه المرة كانت نظرته أثقل، كأنها تزن بين الولاء والحذر، بين الحقيقة والكمين.
تنهد بيران، ووضع يده على رأسه لوهلة، بدت على وجهه ملامح التردد، وعيناه التمعتا بخليط من الذكريات والقلق.
قال في صدره وبنبرة هادئة، لكنها مشحونة بشيء من الانفعال، وعيناه تحملان مزيجًا متناقضًا من الحزن والغضب:
لا أرغب بخلق عداوة مع غارون… لطالما كنا في صف واحد، نقاتل سويًا في الحروب، وننجز المهام كما لو كنا نفهم بعضنا البعض من دون كلمات. لكنه القصر… القصر الذي خذل والدي، وخدع عائلتي، ومزّق كل شيء عزيز. لا أنكر أن نار الانتقام تسري في صدري، تحثني على المواجهة، على كشف كل ما خفي… لكنني ممزق، ممزق بين رغبتي في الانتقام، وبين رغبتي في الحفاظ على ما تبقى من صداقات لم تطعنني بعد.
على سطح السفينة، اصطف رجال نير بصمت مدروس، حاملين أقواسهم، جاهزين للرد في أي لحظة. أصابعهم مشدودة على الأوتار، والعيون تراقب القادمِين بثبات متوتر.
وقف أحدهم في المقدمة، رفع صوته بتحذير حازم، دون أن يخفي نبرته الجادة:
لا نريد المشاكل، ولا نسعى لإثارة متاعب... لكن إن اقتربتم أكثر، فسنعتبر ذلك تهديدًا مباشرًا.
الهواء بين الطرفين كان مشحونًا، لا حركة ولا صوت سوى وقع الخطى الخفيفة للجنود الملكيين، الذين بدوا مترددين للحظة، يتفحصون وجوه الرجال أمامهم، وحسابات الاحتمالات تدور في رؤوسهم.
تقدم أحد الحرس خطوة إلى الأمام، كان شابًا ذا ملامح صارمة وعينين تلمعان بالعزيمة، لكنه لم يمد يده نحو سلاحه. رفع صوته بثبات، متحديًا دون أن يكون عدائيًا:
لسنا هنا لنقاتل... لكننا لن نتراجع أيضًا. لدينا أوامر واضحة بإحضار من في السفينة، ونُفضّل أن يتم الأمر بلا دماء!
تبادل الجنود الملكيون النظرات بينهم، وهم يشدّون قبضاتهم على مقابض سيوفهم، دون أن يسحبوها. الجو ازداد توترًا، كأن أي حركة طائشة قد تشعل الشرارة الأولى.
صاح الرجل من فوق سطح السفينة، وهو لا يزال يصوب قوسه بثبات:
ومن الذي تحتاجونه من السفينة؟ سمِّ لنا الاسم قبل أن تخطو خطوة أخرى.
ردّ الحارس بصوت مرتفع، ونبرته حماسية لكنها خالية من التهديد:
لا نبحث عن قتال! جئنا بطلب مباشر من القائد غارون… نحتاج إلى استرجاع بيران فقط.
خرج نير إلى سطح السفينة بخطى واثقة، يقف بين رجاله الذين يصوبون الأقواس، وعيناه تحدقان بصلابة في الحرس دون أي تردد. وقف عند الحافة، ثم بصوته الذي بدأ منخفضًا وسرعان ما أصبح واضحًا كالسيف، أعلن:
لن تسترجعوه.
ساد صمتٌ كئيبٌ للحظة، قبل أن يُكمل بنبرة أكثر حدة وجمودًا:
ولن تقتربوا أكثر، إلا إن كنتم راغبين في الموت. أنتم الجزء الأضعف هنا فسلاحكم قريب المدى، وأنتم تعلمون ذلك.
تقدم نير خطوة أخرى إلى الأمام، ونظرته ظلّت ثابتة، ونبرته ارتفعت لتصبح أشد صلابة:
إياكم أن تتقدموا ولو نصف خطوة.
كان صوته كأنه يُجمّد الهواء نفسه، فأخذت نظرات الحرس الملكي تتبادل بين التوتر والغضب والريبة، بينما كتلة رجال الأقواس بقيت صامتة، وأصابعهم متشبثة بالأوتار، تنتظر اللحظة المناسبة للإفراج.
و بينما كانوا يتبادلون النظرات لمحوا اشخاصا خلف الحرس،إنهم اتباع نير الاوفياء.
ثم، دون تأخير، أشار نير إلى سيرين ورفاقها بالصعود، ونظر للحرس نظرة تهديد قائلا: إياكم ان تلمسوهم لانكم موتى بعد ذلك. و نظر إليهم نظرة أخيرة كإنذارٍ أخير قبل أن ينقلب كل شيء.
اقتربت سيرين بخطوات متسارعة، وعيناها متعلقتان بنير، فقالت بصوت خافت:
لم أجد إيرمان.
تنهد نير قليلاً، ثم نظر إليها:
متأكدة؟ ألم يترك خلفه أي أثر؟
هزّت سيرين رأسها وهي تلمس كتفها، وأجاب بصوت رخيم:
لا شيء. بعض آثار الدم، لكن لا جثث… ولا هو.
لم ينتظر المزيد من النقاش. عينيه تنظران إلى الفوضى التي بدأت تلتهم الميناء من حولهم. استدار سريعًا نحو الطاقم، وصوته الآن صارمًا وواقفًا:
أطلقوا الحبال... الآن.
ظهر غارون عند أطراف الرصيف، عينيه اتسعتا وهو يرى السفينة قد بدأت بالابتعاد عن الميناء ببطء، أشرعتها ترتفع، والحبال انفلتت .
أطلق صرخة غاضبة: أوقفوهم! بيران لايزال على متنها.
لكن الوقت كان قد فات.
رجال نير كانوا قد صعدوا جميعًا، والأقواس لا تزال مشدودة نحو الرصيف، تراقب أي حركة متهورة.
غارون شدّ على فكيه، والشرر يتطاير من عينيه وهو يرى السفينة تبتعد بثبات، تسرق بيران من أمامه كما لو كانت تنتزع قطعة من روحه. قبضته ارتجفت على مقبض سيفه، لكنه لم يجرؤ على سحبه.
صرخ من بين أسنانه، كمن يخاطب البحر نفسه:
لا... ليس بهذه الطريقة.
ثم التفت بغضب نحو أحد الحراس وصاح:
كان يجب أن نستعيده! لا يمكن أن يرحل معهم…
حدّق مجددًا في السفينة، ونبرته امتلأت بالإصرار المكبوت:
بيران لن يبتعد كثيرًا… لن أدعه يضيع كما ضاع غيره.
لكن من هؤلاء الاوغاد و إلى اين اخذوه.
بعد أن ابتعدت السفينة بما يكفي عن الميناء، وانغلقت خلفها أصوات المدينة المشتعلة، دخل رفاق نير إلى باطنها واحدًا تلو الآخر. ساد صمت ثقيل بينهم، وكأن البحر ذاته ابتلع ضجيج ما حدث.
نير لم يدخل بعد. وقف على الحافة للحظات، يرمق الأمواج بعينين يقظتين، ثم التفت إلى اثنين من رجاله وقال بصوت خافت:
أنتما تبقيان هنا… راقبا المحيط جيدًا، خاصة من جهة الشمال. لا نريد مفاجآت.
أومأ الرجلان بصمت، واعتليا المنصة العليا، يحملان أقواسهما ويحدقان في الأفق المتماوج كأنهما يطاردان شبحًا في العتمة.
ثم، بخطى ثابتة، نزل نير إلى داخل السفينة.