الفصل الثامن والأربعون:توتر العصابات
كان فيكتور يمشي جيئة وذهاباً في غرفته الخاصة، خرائط المدينة منتشرة على كل سطح متاح، علامات حمراء تشير إلى كل موقع محتمل قد يكون القصر الأصلي فيه، لكن دون نتيجة حقيقية بعد.
"لا بد أن أحداً يعرف!" صرخ في وجه أحد رجاله، ودفع الخريطة أمامه بعنف. "قصر بهذا الحجم لا يختفي هكذا بلا أثر!"
"بحثنا في كل السجلات العقارية القديمة، سيدي، لا يوجد تسجيل واضح تحت اسم عائلتها—"
"إذن ابحثوا أعمق!" قاطعه بغضب متصاعد. "استجوبوا كل من عمل يوماً في خدمة عائلتها، كل خادم قديم، كل حارس متقاعد، حتى لو اضطررتم لاقتحام كل بيت في هذه المدينة!"
خرج الرجل مسرعاً، تاركاً فيكتور وحيداً وسط فوضى الخرائط، يشد شعره بيديه بإحباط لم يعرفه من قبل بهذا الحجم.
"ستدفعين ثمن هذا الاختباء، إلينا." همس لنفسه بحقد متصاعد. "أعدكِ بذلك."
في القصر الأصلي، تجولت إلينا وحدها في الممرات الجانبية الضيقة تلك الليلة، عاجزة عن النوم بعد كل ذكريات النهار المتلاحقة. كانت تمشي بلا هدف محدد، حتى توقفت أمام باب خشبي قديم لم تلاحظه من قبل، منسي في نهاية ممر مظلم ضيق، مغطى بطبقة كثيفة من الغبار توحي بأنه لم يُفتح منذ عقود.
حاولت أن تدير المقبض الصدئة، دفعت الباب بكل ما تملك من قوة، لكنه لم يتزحزح قيد أنملة، وكأنه مقفل بشيء أعمق من مجرد قفل عادي.
"غريب." همست لنفسها، وتراجعت خطوة، محاولة تفقد المكان بعينيها بحثاً عن مفتاح أو آلية أخرى.
استدارت لتغادر، محبطة، حين سمعت خلفها صوتاً خافتاً، صرير خشب قديم يُفتح ببطء، وكأن يداً غير مرئية دفعته من الداخل.
جمدت في مكانها للحظة، قلبها يخفق بعنف، ثم استدارت ببطء شديد لتجد الباب مفتوحاً بالفعل على مصراعيه، الظلام خلفه كأنه يدعوها للدخول.
"من هناك؟" سألت بصوت مرتجف، لا جواب، فقط صمت ثقيل يملأ الممر.
خطت للداخل بحذر، يدها تتحسس الجدار بحثاً عن مفتاح إضاءة، حتى وجدته أخيراً، فأضاءت الغرفة بضوء خافت أصفر يكشف عن مكتبة سرية صغيرة، رفوف مكتظة بكتب قديمة، وطاولة خشبية في المنتصف عليها أوراق متناثرة اصفرّت مع الزمن.
اقتربت من الطاولة، وبمجرد أن لمست أصابعها حافة أحد الكتب القديمة، عاد الصداع بقوة مفاجئة، وومضت الذكريات مجدداً.
"أبي كان يجلس هنا." تمتمت لنفسها، عيناها نصف مغمضتين وهي تحاول استيعاب الصور المتدفقة. "كان يكتب شيئاً هنا، دائماً في الليل، حين يظن أن الجميع نائمون."
مرّت يدها على الطاولة، وتذكرت فجأة، بوضوح غريب، أنها كانت تجلس تحت هذه الطاولة بالذات وهي طفلة صغيرة، تلعب بصمت بينما كان والدها يكتب فوقها، غافلاً عن وجودها أحياناً لساعات طويلة.
"ماذا كنت تكتب يا أبي؟" همست للغرفة الفارغة، وكأنها تتوقع إجابة لن تأتي أبداً. "ولماذا هذا المكان بالذات كان مخفياً عن الجميع؟"
استيقظت سيلين فجأة في منتصف الليل، شعرت بغياب غريب في الغرفة المجاورة التي كانت تتشارك حراستها بالتناوب مع أحد الخدم. فتحت باب غرفة إلينا بهدوء لتطمئن عليها، لكنها وجدت السرير فارغاً تماماً.
"إلينا؟" همست بقلق متصاعد، ثم رفعت صوتها أكثر. "إلينا، أين أنتِ؟"
اندفعت نحو الممر بذعر متزايد، تبحث في كل غرفة قريبة، قلبها يخفق بعنف من الخوف على صديقتها.
في مكتب إلسيان، كان هو وكايدن غارقين في مراجعة كومة ضخمة من الملفات القديمة التي جلبوها من القصر السابق، أوراق تحمل تفاصيل عمليات فينوم القديمة، أسماء، تواريخ، تحالفات مشبوهة.
"انظر إلى هذا." أشار كايدن إلى صفحة معينة بحماس مكتوم. "هذه العملية، قبل خمسة عشر عاماً تقريباً، تطابق توقيت مقتل والد إلينا تقريباً، بفارق أسابيع قليلة فقط."