الفصل التاسع والأربعون:مكتب الاسرار
اندفع إلسيان في الممرات المظلمة كسهمٍ لا يعرف التردد، وصوت سيلين المذعور لا يزال يتردد في رأسه: "لقد اختفت! لم أجدها في أي مكان!"
كايدن كان يجاريه خطوة بخطوة، سلاحه في يده، عيناه تفحصان كل زاوية.
"القصر محاط بأسوار لا يمكن اختراقها، إلسيان. لم تخرج. هي في الداخل، بالتأكيد."
لم يرد إلسيان. كان عقله يعمل بسرعة أكبر من قدميه، يستحضر كل ممر وكل باب رآه في الجولة الأولى حين وصلوا. توقف فجأة عند تقاطع ممرين، والتفت نحو الجناح الشرقي الذي لم يُستكشف بالكامل بعد.
"من هنا."
وصلا إلى الباب الخشبي القديم الذي وصفته سيلين. كان مفتوحاً على مسافة ضيقة، وخيط من الضوء الشاحب يتسرب منه إلى الممر المعتم.
دفعه إلسيان بيده، فانفتح دون صوت يُذكر، كأنه كان ينتظر لمسته وحدها.
الرائحة أول ما استقبله: ورق قديم، وحبر جاف، وغبار عقود من الصمت. رفوف تمتد من الأرض إلى السقف، مكتظة بكتب جلدية الأغلفة، بعضها مفتوح على طاولة خشبية ضخمة في الوسط. وعلى الأرض، بين ظلال الرفوف، كانت إلينا.
جالسة القرفصاء، ظهرها إلى قاعدة الطاولة، وجهها بين يديها.
"إلينا."
لم ترفع رأسها فوراً. حين فعلت، كانت عيناها زائغتين، كمن يعود من مكان بعيد جداً.
"إلسيان... كنت هنا. كنت أجلس هنا تماماً، تحت هذه الطاولة، وهو يكتب فوقها. كان يكتب طوال الليل، وأنا أنام على قدميه."
جلس أمامها على ركبتيه، دون أن يلمسها، منتظراً أن تعود إليه بنفسها.
"من كان يكتب، إلينا؟"
"أبي." همست الكلمة كأنها تكتشفها لأول مرة، رغم أنها قالتها من قبل. "هذا مكتبه السري. لا أحد كان يعرف به. حتى أمي لم تكن تعرف، أظن."
كايدن، الذي بقي عند الباب، أدار عينيه في المكان ببطء، ثم توقف عند رفٍّ معين، وسحب دفتراً جلدياً رقيقاً بعناية.
"إلسيان... انظر إلى هذا."
فتحه. صفحات مليئة بخط يد دقيق، وتواريخ، وأسماء مشفرة برموز لا يفهمها أحد منهم بسهولة. لكن اسماً واحداً تكرر في الصفحات الأخيرة، مكتوباً بحبر أحمر مختلف عن باقي النص، كأنه أُضيف في لحظة قلق متأخرة:
"المستثمر الصامت."
توقف قلب إلسيان للحظة. رفع عينيه إلى إلينا.
"هل هذا اللقب يعني لك شيئاً؟"
هزّت رأسها بضعف في البداية، ثم توقفت. أغمضت عينيها، وأصابعها بدأت ترتجف قليلاً على ركبتيها.
"رجل... كان يزور أبي ليلاً، من الباب الخلفي دائماً، لا الباب الأمامي. لم أكن أرى وجهه أبداً، الغرفة كانت مظلمة حين يأتي. لكنني أتذكر صوته. عميق، هادئ جداً، هادئ بطريقة تجعلك تشعر بالخوف أكثر من الصراخ."
"هل هو من قتل والدك؟" سأل كايدن مباشرة، متجاهلاً نظرة إلسيان التحذيرية.
"لا أعرف." كانت إلينا صادقة تماماً في حيرتها. "لكن أبي كان يخاف منه أكثر مما كان يخاف من أي شخص آخر ذكرته الدفاتر."
فتح إلسيان الدفتر على الصفحة الأخيرة المكتوب بها. كانت جملة واحدة، غير مكتملة، كأن الكتابة توقفت في منتصف الليلة الأخيرة:
"إن حدث لي شيء، فالمستثمر الصامت هو من يجب أن تخافوا منه، لا فينوم. فينوم مجرد يد. هو من يحرك..."
الجملة تنتهي هناك. لا كلمة أخرى بعدها.
ساد صمت ثقيل في المكتبة الصغيرة. كايدن أغلق الدفتر ببطء، وكأنه يخشى أن يوقظ شيئاً نائماً بداخله.
"هذا يغيّر كل شيء." قال كايدن أخيراً. "فينوم ليسوا الخصم الحقيقي. هم أداة."
"وإذا كانت فينوم أداة..." أكمل إلسيان بصوت بارد كالحديد، "فمن يحرّكها موجود منذ سبعة عشر عاماً على الأقل، ولم يظهر مرة واحدة. ولم يخطئ مرة واحدة."
نظر إلى إلينا، التي كانت تحدق في الدفتر المغلق كأنها تحاول اختراق غلافه بعينيها.
"لهذا لم يجدونا الليلة في القصر الأصلي." همست. "لأن الرجل الحقيقي لا يبحث بالطريقة التي يبحث بها فيكتور. هو ينتظر."
مدّ إلسيان يده وأمسك يدها المرتجفة، بلا كلمات هذه المرة. كان يعرف أن الحديث انتهى، وأن ما بدأ الليلة أعمق بكثير من كل ما واجهوه حتى الآن.
من الجهة الأخرى من المدينة، وفي مقرّ مؤقت أقامه فيكتور بعد فشله في اقتحام القصر الأصلي، كان الغضب يحرق كل ما حوله. رمى كرسياً عبر الغرفة، وصرخ في وجوه رجاله الذين لم يجرؤ أحد منهم على الرد.
توقف حين رنّ هاتف قديم على الطاولة، خط اتصال لم يُستخدم منذ سنوات. نظر إليه طويلاً قبل أن يرفعه.
"نعم؟"
صوت هادئ، عميق، بلا أي انفعال، أجاب من الطرف الآخر:
"فشلتَ الليلة، فيكتور. للمرة الثالثة."
ابتلع فيكتور ريقه، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، بدت يده ترتجف حول الهاتف.
"سأصلح هذا."
"لا وقت لديك لتصلحه." توقف الصوت لحظة، ثم أضاف بهدوء أكثر رعباً من أي صرخة: "أعطِها لي، أو سأحضرها بنفسي. وحينها، لن تكون لك حاجة بعد ذلك."
انقطع الاتصال. بقي فيكتور واقفاً، الهاتف الصامت بين يديه، ووجهه الذي لم يعرف الخوف منذ سنوات، أصابه شيء أقرب إليه من أي وقت آخر.