الفصل الثالث والأربعون:مكان دفئ
جلست إلينا على حافة السرير، ملفوفة ببطانية دافئة، وإلسيان يجلس أمامها على كرسي قريب، صبوراً، منتظراً دون أن يضغط عليها بكلمة واحدة.
"رأيت أبي." بدأت أخيراً، صوتها هادئ لكنه مثقل. "كنت مختبئة خلف ستارة، طفلة صغيرة، أراقب من شق ضيق. كان معه رجل آخر، لم أستطع رؤية وجهه، الضوء كان خلفه تماماً. تحدثا بغضب، ثم... سمعت صوت رصاصة."
توقفت للحظة، ويدها ترتجف قليلاً، فأمسك إلسيان بها بلطف دون أن يقاطعها.
"بعدها، تذكرت نفسي، يدي الصغيرة، أخفي شيئاً تحت لوح خشبي مفكك في غرفة الألعاب. لا أعرف ماذا كان بالضبط، لكنني أعرف أنه كان مهماً بما يكفي لأخبئه بنفسي، دون أن يطلب مني أحد ذلك."
"غرفة الألعاب." كرر إلسيان الكلمتين بجدية، يسجلهما في ذهنه فوراً. "هل تتذكرين أي تفاصيل أخرى عن الرجل؟ صوته، طوله، أي شيء؟"
"صوته كان... عميقاً، هادئاً بشكل مخيف، أهدأ مما ينبغي لرجل يحمل سلاحاً." أغمضت عينيها محاولة استرجاع المزيد. "وكان يرتدي خاتماً، تذكرت هذا للتو، خاتماً فضياً بحجر أسود، لمعانه اصطدم بالضوء للحظة حين مدّ يده."
فجأة، ودون سابق إنذار، انطفأت الأنوار في الغرفة بالكامل، وارتفع صوت إنذار حاد يجتاح القصر بأسره.
"ماذا يحدث؟" سألت إلينا، وقد تجمد الخوف في صوتها من جديد.
"ابقي هنا!" أمر إلسيان وهو ينهض بسرعة، سلاحه في يده فوراً.
اندفع نحو الممر، ليجد كايدن يركض نحوه من الاتجاه المعاكس، وجهه شاحب.
"الخائن." قال كايدن بلا مقدمات. "أعتقد أننا وجدنا أثره أخيراً. أحد الحراس رآه يعبث بغرفة التحكم بالكهرباء قبل دقائق."
"أين هو الآن؟"
"هرب نحو الجناح الغربي، لكنه محاصر، لا مخرج من هناك سوى الباب الذي يراقبه رجالنا."
اندفعا معاً عبر الظلام، مصابيح يدوية تمسح الجدران، حتى وصلا إلى الجناح الغربي حيث كان ثلاثة من الحراس يحاصرون رجلاً يقف في الزاوية، وجهه مغطى جزئياً، لكن شيئاً في وقفته بدا مألوفاً بشكل مقلق.
"استسلم الآن." أمر إلسيان بصوت لا يقبل الجدال.
لم يستسلم الرجل، بل اندفع فجأة نحو أقرب حارس، اشتباك عنيف قصير انتهى بإسقاطه أرضاً بصعوبة، وسط صراخ وفوضى، حتى تمكن كايدن أخيراً من انتزاع القناع عن وجهه.
كان أحد أفراد الحراسة القدامى، رجل عمل في رافين منذ سنوات طويلة، وجه يعرفه الجميع في القصر.
"مارتن؟" همس كايدن بصدمة واضحة. "أنت؟ منذ متى؟"
ضحك مارتن ضحكة مريرة، دم يسيل من شفته المشقوقة. "منذ أن أدركت أن فينوم يدفع أفضل بكثير مما يقدّره إلسيان لولاء عشرين عاماً."
اقترب إلسيان منه ببطء، عيناه باردتين كالجليد، صوته منخفضاً بشكل يزيد الخطر وضوحاً بدل أن يخفف منه. "عشرون عاماً من الثقة، بيعت مقابل ماذا بالضبط؟"
"مقابل مستقبل، بدل موت بطيء في خدمة رجل بارد لا يرى في رجاله سوى أدوات." تحدى مارتن بنظرة صامدة رغم وضعه المهزوم. "لن أخبرك بشيء آخر."
"ستفعل." رد إلسيان بحزم قاتل. "لكن ليس الليلة. الليلة، سأتأكد فقط أنك لن تؤذي أحداً آخر في هذا القصر مجدداً."
بينما كانوا يقتادون مارتن مقيداً بعيداً، عاد إلسيان مسرعاً نحو غرفة إلينا، قلبه لا يزال يخفق بقوة من التوتر المفاجئ، ليجدها واقفة عند الباب، شاحبة، لكن سليمة.
"هل انتهى الأمر؟" سألته بصوت مرتجف قليلاً.
"انتهى جزء منه." اقترب منها، وأحاطها بذراعيه دون تفكير، كأن جسده تحرك قبل عقله هذه المرة. "لكن يبدو أن قصتنا، مهما حاولنا، لن تمنحنا ليلة هادئة واحدة قريباً."
"طالما أنك هنا." همست إلينا، ووجهها مدفون في صدره. "يمكنني تحمّل كل شيء آخر."