NOVELFLEX

الفصل الرابع والأربعون:لن ارحم من يلمس الماستي

حين يبتلع الليل · بقلم Maria Ait el hocine

الفصل الرابع والأربعون:لن ارحم من يلمس الماستي

دخل إلسيان غرفة الاستجواب في الصباح الباكر، وقد استعاد قناعه البارد بالكامل، كأن الحنان الذي أظهره الليلة الماضية لم يكن سوى استثناء عابر لا يتكرر أمام الآخرين. لم يجلس هذه المرة. وقف عند الطاولة المعدنية التي رتّب عليها بيديه، ببطء متعمد يحمل رسالة أوضح من أي كلام، أدوات معدنية لامعة، واحدة تلو الأخرى، بصوت احتكاكها البارد يملأ الصمت الثقيل في الغرفة.

جلس مارتن مقيداً، وعيناه تتبعان كل أداة توضع على الطاولة بذعر متصاعد لم يستطع إخفاءه هذه المرة.

"ما... ما هذا؟" تلعثم أخيراً.

"خيارات." رد إلسيان بهدوء يقطر برودة، دون أن يرفع عينيه عن الأداة الأخيرة التي وضعها بعناية محسوبة. "لكل مستوى من الصمت، خيار مختلف يقابله."

"أخبرتك بكل ما أعرفه بالأمس!"

"أخبرتني ببعضه." اقترب إلسيان أخيراً، ووقف أمامه مباشرة، ظله يغطي وجه مارتن بالكامل. "لكنني أعرف أن هناك أكثر. اسم "الدائرة الداخلية" وحده لا يكفيني. أريد أسماء، مواقع، تواريخ. كل شيء."

"لا أعرف المزيد، أقسم لك!"

نظر إلسيان إليه طويلاً، بعينين لا تحملان أي رحمة، ثم أخرج مسدسه ببطء، بحركة لا تحمل تردداً ولا غضباً ظاهراً، فقط قرار بارد اتُخذ منذ زمن بعيد.

"تعرف، أم لا تعرف، لم يعد هذا يهمني كثيراً الآن." قالها بصوت هادئ يزيد الرعب وضوحاً بدل أن يخففه. "خنت رجالاً وثقوا بك عشرين عاماً. وضعت إلينا في خطر مباشر بتسريبك. هذا وحده كافٍ لحكم لا رجعة فيه."

"إلسيان، انتظر—"

لم ينتظر. صوت الطلقة دوّى في الغرفة المغلقة، حاداً، نهائياً، وسقط مارتن على الفور، بلا حراك، بلا فرصة أخيرة لكلمة لم تعد تعني شيئاً.

خرج إلسيان من الغرفة بخطى ثابتة، وجهه خالٍ تماماً من أي أثر لما فعله للتو، وكأن الرصاصة التي أطلقها كانت مجرد إجراء روتيني آخر، لا نهاية حياة رجل عرفه لسنوات.

"نظّفوا المكان." أمر أقرب حارس بجفاف. "ثم أعدّوا القافلة. نتحرك خلال ساعة."

توقف عند الباب للحظة، واستدار نحو كايدن الواقف خلفه بصمت.

"أحضر صندوقاً بارداً، واحفظ الرأس بعناية." قالها بجفاف تام لا يحمل أي أثر انفعال، وكأنه يطلب توصيل رسالة عادية. "ثم أرسله إلى أقرب نقطة تواصل نعرفها مع فينوم، بلا رسالة مكتوبة، بلا تفسير. سيفهمون المعنى وحدهم."

ارتعش كايدن رغماً عنه، لكنه أومأ برأسه دون اعتراض، مدركاً أن هذا القرار، مهما كان قاسياً، يحمل رسالة واضحة لا تحتاج كلمات: من يخون رافين، ومن يهدد إلينا، لن يُمنح رحمة، ولن يكون هناك تفاوض على هذه النقطة.

وصل الطرد بالفعل إلى إحدى نقاط فينوم المعروفة قبل غروب ذلك اليوم، وسط صمت رعب انتشر بسرعة بين صفوفهم، رسالة دموية لم تحتج توقيعاً ليعرف الجميع مصدرها.

كانت القافلة صغيرة عمداً: سيارتان مصفحتان فقط، تحملان إلسيان وإلينا وكايدن وسيلين، وخلفهما سيارة ثالثة أصغر تقل عدداً محدوداً من الخدم الموثوقين الذين اختارهم إلسيان بنفسه بعد خيانة مارتن.

جلست إلينا بجانب النافذة، تراقب الطرق الريفية المتعرجة تمر أمامها، حين بدأ صداع مفاجئ يضغط على رأسها بقوة غير متوقعة.

"إلينا؟" لاحظ إلسيان توترها فوراً، ويده تمتد نحو يدها بقلق صامت.

"رأسي..." همست، وأغمضت عينيها من شدة الألم المفاجئ.

انهمرت الصور عليها مجدداً، أخف حدة من جلسة التذكر القسري، لكنها أكثر وضوحاً بغرابة، وكأن اقترابها الفعلي من القصر الأصلي كان يفتح أبواباً في ذاكرتها لم تكن جلسات فيكتور القسرية قادرة على فتحها بالكامل.

رأت نفسها تركض في حديقة واسعة، ضحكة طفولية تصدح، امرأة تنادي عليها بحنان من بعيد، ثم مشهد آخر يتداخل فجأة: يد كبيرة تمسح على شعرها، صوت والدها يهمس "ستكونين بخير دائماً يا صغيرتي، مهما حدث لي."

"أبي كان يعرف." همست إلينا بصوت مبحوح، عيناها لا تزالان مغمضتين. "كان يعرف أن شيئاً سيحدث له. كان يودّعني، دون أن أفهم حينها."

أمسك إلسيان يدها بإحكام أكبر، صوته أخفض من همسة تقريباً. "لن أدعهم يؤذونك مرة أخرى، إلينا. مهما اكتشفنا في ذلك القصر."

فتحت عينيها ببطء، الألم يتراجع تدريجياً، ونظرت إليه بامتنان صامت لم تحتج فيه لكلمات إضافية.

من المقعد الأمامي، تبادل كايدن وسيلين نظرة قلقة صامتة، مدركين أن الطريق أمامهم، رغم اقترابهم من القصر الأصلي، ما زال محفوفاً بأسئلة أكثر بكثير من الإجابات التي يملكونها حتى الآن.