NOVELFLEX

الفصل السادس: فناجيل القهوة

حين يبتلع الليل · بقلم Maria Ait el hocine

الفصل السادس: فناجيل القهوة 

مرّ أسبوع كامل، وإلينا لم تتوقف عن التفكير فيه.

حاولت أن تشغل نفسها بالجامعة، بالمقهى، بالكتب التي التهمتها بشراهة أكبر من المعتاد، لكن صورته كانت تعود إليها في أوقات غير متوقعة — أثناء تحضير القهوة، في منتصف محاضرة مملة، وقبل النوم مباشرة، حين كانت عيناه الداكنتان تطاردانها في الحدود الغامضة بين اليقظة والنوم.

"أنتِ شاردة مرة أخرى،" لاحظت سيلين وهما تسيران معاً بعد المحاضرة الأخيرة.

"آسفة،" ابتسمت إلينا بخفة. "فقط متعبة قليلاً."

"متعبة منذ أسبوع كامل؟" رفعت سيلين حاجبها بشك ودود. "هل هناك شيء تخفينه عني؟"

"لا شيء يستحق الذكر."

لم تكن إلينا كاذبة بطبعها، لكنها لم تكن تعرف كيف تشرح لسيلين ما حدث دون أن يبدو الأمر جنونياً تماماً: رجل غريب دخل حياتها ذات ليلة ماطرة، أنقذته، شعرت تجاهه بألفة غامضة لا تفهم مصدرها، ثم اختفى دون أثر في الصباح التالي كأنه لم يكن موجوداً قط.

كانت مناوبتها في المقهى ذلك المساء هادئة كالعادة، حتى فُتح الباب ودخل رجل بمعطف داكن أنيق، يجلس على الطاولة القريبة من النافذة دون أن ينظر مباشرة نحوها.

توقف قلب إلينا للحظة.

كان هو.

اقتربت منه ببطء، محاولة إخفاء الاضطراب الذي اجتاحها فجأة، ووقفت أمام طاولته بهدوء مصطنع.

"ماذا تفعل هنا؟" همست أخيراً، حين تأكدت أن لا أحد يسمعهما.

رفع إلسيان عينيه إليها، وشيء في نظرته بدا مختلفاً هذه المرة — أقل حذراً، وإن كان لا يزال بعيداً عن الصراحة الكاملة.

"جئت لأطلب قهوة،" قال بجدية مصطنعة. "أعتقد أن هذا ما يفعله الناس عادة في المقاهي."

"لا تتحايل عليّ." عبست إلينا رغم الابتسامة التي كادت تفلت منها. "غادرت دون كلمة، دون وداع، وتظهر الآن وكأن شيئاً لم يحدث؟"

"كان عليّ المغادرة."

"في منتصف الليل؟ بينما كنت لا تزال بالكاد قادراً على الوقوف؟"

"كانت هناك أسباب."

"أسباب لا تريد إخباري بها، كالعادة."

ابتسم إلسيان بخفة، لأول مرة منذ دخوله. "ألاحظ أنك تحفظين أسلوبي في الإجابة جيداً."

"من الصعب أن أنسى شخصاً بهذا الغموض." جلست إلينا مقابله دون استئذان، متجاهلة نظرات سيلين الفضولية من بعيد. "إذاً؟ لماذا عدت حقاً؟"

توقف إلسيان للحظة، يبحث عن إجابة لا تكشف الكثير، لكنها في الوقت نفسه لا تكون كاذبة بالكامل.

"أردت أن أطمئن أنك بخير،" قال أخيراً. "بعد كل ما حدث."

"أنا بخير." نظرت إليه بحذر. "هل أنت الذي يجب أن أقلق عليه؟ هل ما زال هؤلاء الأشخاص يشكلون خطراً عليك؟"

جمد وجهه للحظة. "لا يجب أن تقلقي بشأن ذلك."

"مرة أخرى بهذا الأسلوب." تنهدت إلينا بامتعاض ودود. "هل تعرف أنك تجيب بنفس الطريقة الغامضة دائماً؟"

"وهل تعرفين أنك تطرحين أسئلة كثيرة جداً لشخص التقيتِه قبل أسبوع فقط؟"

"ربما لأنك مثير للفضول أكثر من اللازم."

تبادلا نظرة طويلة، توتر خفيف يملأ المسافة القصيرة بينهما، لكنه توتر مختلف هذه المرة — أقرب إلى ذلك الشعور الذي يسبق اعترافاً لم يجرؤ أي منهما على قوله بعد.

"إلينا!" نادت سيلين من بعيد. "الطاولة الثالثة تحتاج طلبها!"

"قادمة!" ردّت إلينا بسرعة، ثم عادت لتنظر إلى إلسيان. "عليّ العودة للعمل."

"بالطبع." نهض إلسيان، ثم توقف للحظة قبل أن يضيف: "هل ستكونين هنا غداً؟"

سألته إلينا بنظرة متسائلة. "لماذا تسأل؟"

"لأنني، ربما، قد أعود لطلب قهوة أخرى."

ابتسمت إلينا رغماً عن نفسها، شعور دافئ يتسلل إلى صدرها رغم كل الحذر الذي حاولت التمسك به. "سأكون هنا."

غادر إلسيان المقهى بخطوات هادئة، لكن قلبه — ذلك القلب الذي ظن لسنوات أنه تحجّر تماماً تحت وطأة الثأر والمسؤولية — كان ينبض بإيقاع لم يعتده من قبل.

ووقفت إلينا هناك للحظة، تراقب الباب الذي أُغلق خلفه، وشيء في داخلها، ذلك الفراغ القديم الذي طالما سكن أطراف ذاكرتها، بدا وكأنه يهتز قليلاً، كموجة تتحرك في بحيرة راكدة منذ زمن طويل.