NOVELFLEX

الفصل السابع: قطرات الماضي

حين يبتلع الليل · بقلم Maria Ait el hocine

الفصل السابع: قطرات الماضي

كانت الليلة هادئة، بلا مطر هذه المرة، فقط سكون ثقيل يخيّم على المدينة بأكملها. عادت إلينا إلى غرفتها متأخرة بعض الشيء، بعد أن أمضت وقتاً أطول من المعتاد في المقهى، تنتظر — دون أن تعترف لنفسها بذلك — أن يظهر إلسيان مجدداً.

لم يأتِ تلك الليلة.

استلقت على سريرها وهي تحاول قراءة بضع صفحات من كتابها المعتاد، لكن عينيها كانتا تثقلان بسرعة غير معتادة. أغلقت الكتاب، أطفأت المصباح، واستسلمت للنوم دون أن تدرك أن تلك الليلة ستكون مختلفة عن كل الليالي التي سبقتها.

بدأ الحلم بهدوء مخادع.

كانت تركض عبر ممر طويل، جدرانه عالية مزينة بلوحات ذهبية الإطار، وأرضية رخامية باردة تحت قدميها الصغيرتين الحافيتين. كانت طفلة، لا تتجاوز السابعة أو الثامنة من عمرها، وشعرها الطويل يتطاير خلفها وهي تركض بلا هدف واضح، فقط دافع غامض يدفعها نحو الأمام.

توقفت أمام باب ضخم منحوت بزخارف معقدة.

دفعته بيديها الصغيرتين، ودخلت إلى غرفة واسعة يغمرها ضوء خافت من نافذة كبيرة تطل على حديقة مترامية الأطراف. في وسط الغرفة، وقف رجل طويل القامة، يرتدي بذلة داكنة أنيقة، وظهره لها.

"أبي؟" همست بصوت طفولي مرتجف.

التفت الرجل ببطء.

لم تستطع رؤية ملامحه بوضوح — كانت ضبابية، متلاشية عند الحواف، كأن الحلم نفسه يرفض أن يكشف عن سره كاملاً. لكنها استطاعت أن ترى عينيه، عينين داكنتين حزينتين، تنظران إليها بمزيج من الحب والقلق العميق.

"إلينا،" قال بصوت دافئ يعرفه قلبها الصغير رغم أن ذاكرتها لا تحمل أي أثر له. "يجب أن تختبئي. اذهبي مع خالتك الآن. لا تخرجي مهما سمعتِ."

"لماذا؟ ماذا يحدث؟"

لم يجب. فقط انحنى نحوها، وضمها بقوة، وهمس في أذنها بكلمات لم تفهمها طفلته الصغيرة حينها: "مهما حدث، تذكري أنكِ محبوبة. تذكري من أنتِ."

ثم سمعت صوتاً — صراخاً بعيداً، وأصواتاً متلاحقة كأقدام كثيرة تركض عبر الممرات، وصوتاً معدنياً حاداً يشبه إطلاق النار.

استيقظت إلينا فجأة، جالسة في سريرها، قلبها يخفق بعنف، وعرق بارد يغطي جبينها.

جلست هناك في العتمة، تلهث، تحاول استيعاب ما رأته للتوّ. لم يكن حلماً عادياً؛ كان أشبه بذكرى حقيقية، مشحونة بتفاصيل واقعية أكثر من أي حلم عابر — رائحة الخشب القديم في الممر، برودة الرخام تحت قدميها، دفء ذراعي والدها حولها.

والدها.

لماذا خطرت هذه الكلمة في ذهنها بهذا اليقين المفاجئ؟

نهضت من سريرها، متجهة نحو النافذة الصغيرة، تحاول تهدئة أنفاسها المتسارعة. نظرت إلى انعكاسها الباهت في الزجاج المظلم، وسألت نفسها سؤالاً لم تجرؤ على طرحه من قبل بهذا الوضوح:

"من كنت حقاً قبل أن أصبح إلينا التي أعرفها؟"

لم يكن لديها جواب، لكن شيئاً تغيّر تلك الليلة. الفراغ الذي سكن ذاكرتها لسنوات لم يعد فارغاً تماماً؛ بدأت تتسلل إليه ومضات، شظايا صغيرة من ماضٍ ظنت أنه محي إلى الأبد.

وبطريقة ما، عرفت أن هذا التغيّر بدأ في اللحظة التي دخل فيها إلسيان حياتها.

لم تفهم الرابط بينهما، ولم يكن لديها أي دليل منطقي يفسّر ذلك. لكن إحساسها الداخلي، ذلك الصوت الهادئ الذي طالما تجاهلته لصالح المنطق والواقعية، كان يهمس لها بإلحاح متزايد:

كل شيء مرتبط. أنتِ فقط لم تكتشفي كيف بعد.

جلست عند حافة النافذة حتى الفجر، تراقب أول خيوط الضوء تتسلل إلى الشارع الهادئ، وفي داخلها، سؤال جديد بدأ يتشكل، أثقل وأكثر إلحاحاً من كل الأسئلة التي عاشت معها طوال حياتها:

هل كان إلسيان صدفة عابرة في حياتها؟

أم أنه، بطريقة ما لا تزال غامضة تماماً عليها، جزء من ذلك الماضي المفقود الذي بدأ الليل أخيراً يتنازل عن بعض أسراره؟