NOVELFLEX

عالم البرت المهيب

ام الثالوث · بقلم رضوان عباس

بعد سماع التهمة التي نطق بها البرت، شعر ليو بشيء من عدم الفهم، كيف من الممكن ان يكون جاسوسا على منطقة لا يعرف عنها اي شيء، ولا يمتلك خلفية واضحة عن كيف وصلا الى هنا اساسا.

لم يتهمهما البرت بالمعنى الحرفي، لكنه وضح الفكرة التي ستؤخذ عنهما.

مع عدم وجود ذكريات حول كيف وصلا الى هنا، وعدم وجود حجر الانتماء، وفي مكان غريب بقوانين اغرب، كانا بحالة اصعب مما يتصوران.

كان البرت لطيفا معهما وكان متفهما.

في منطقتهما، حيث ولدا وترعرعا، كانت كلمة جاسوس تنص على التنصت فيما بينهما لمعرفة الاسرار الخاصة او شيء من هذا القبيل.

لكن ان كانت كلمة جاسوس توجب الاعتقال هنا، فهي اثقل من فهمهما السطحي لها.

صمت ليو قليلا ولم يسرع بالاجابة.

احس ليام ان شيئا يجب ان يوضح بشكل اعمق، لذلك نطق بتوتر.

"عذرا، ولكن ماذا تقصد باننا سنعتقل بتهمة التجسس؟ انت تعلم هذا مسبقا، نحن ضائعين ولا نعرف تحديدا اين نحن، فكيف ستؤخذ تلك الفكرة عنا؟... لأكون صادقا معك، هذا ظلم لنا، اعني انظر لحالنا لو سمحت، كيف لمثلينا ان يعتقل بسبب تهمة باطلة؟"

سمع البرت كلمات ليام كلمة كلمة، واستشعر ارتباكه من خلال نبرته، كان يومئ ايجابا وهو يلمس شفتيه معا باصابعه، كانت كلماته سريعة وغير دقيقة بالكامل، لان حالهما الان هو تحديدا ما سيجذب الاشتباه لهما.

"هذا ظلم لكما؟ حسنا، سنصيغ الامر بهذا الصورة لتكون اوضح بالنسبة لك، ان دخل احد غريبا بيتك فجأة وقال انه تائه او وجد نفسه فجأة هنا، هل ستصدقه ببساطة؟ الوضع الذي انتما فيه مشبوه جدا، وبصراحة انا شخصيا لا اكذب قصتكما... لكن بالنسبة للحرس الملكي وجنودهم، فتصديقكما يحتاج دلائل واضحة وانتما لا تملكانها، هل فهمت الان؟"

بعد سماع حجة البرت، فهم ليام المنطق وراء ذلك.

لكنه بقي متشبثا بوجهة نظره، ان يطلق عليهما جاسوسان سيكون بلا شك ظلما وبهتانا بحقهما.

لم يشك ليو بكلمات البرت، لكنه كان يريد حلا حقيقيا لمشكلتهما، ان كان سيعتقل بتهمة باطلة فلن يتمكن من توضيح موقفه بالكلمات فقط.

لماذا مجرد دخول منطقة معينة يكون بهذه الصعوبة؟

رفع ليو بصره الى البرت، وفي وسط قزحيته الحمراء نظر.

"سيد البرت، هل يمكننا الاعتماد عليك بهذا الخصوص؟"

شبك البرت يديه على بطنه وصمت ليفكر بطريقة يمكن من خلالها تفادي الشبهات للوصول الى المدينة بسلام.

"بصراحة، اود ان اذهب واتي بشخص يمكنه تقديم المساعدة اللازمة بشكل افضل."

كان البرت يبدو عليه الاستعجال، اراد ان يذهب لمكان معين، لكن رغبته بمساعدتهما لم تترك له القدرة على تركهما بمفردهما ليواجهان مصيرا غامضا.

نظر اليهما بعطف واكمل كلامه بعدما رمقه ليو وليام بنظرة رجاء.

"لكن لا يمكنني ترككما بمفردكما، حسنا، تعالا معي."

ومع نهاية كلماته، استدار البرت بجسده رجوعا حيث كانوا سابقا، وتبعه كليهما بدون اي سؤال اخر.

وعند الشجرة ذات الثمار التي اكلا منها سابقا، توقف البرت، ومن بعده توقفا كليهما ايضا.

"امشيا حيث امشي، وستتمكنان من الدخول لعالمي."

نظر احدهما للاخر، الدخول لعالمي؟ استغربا ليو وليام هذه الجملة، لكنهما لم يعلقا عليها وجهزا انفسهما، كانا يشعران بان شيئا غير طبيعي سيحدث ايضا.

وامامهما مباشرة.

خطى البرت، قدمه اليمنى تلاشى جزء منها وسط شيء غير مرئي.

وما ان دفع جسده بقدمه الاخرى، حتى اختفى جسده كاملا تدريجيا.

فتحت اعينهما الى اقصاهما وسيطر عليهما الشعور بالرهبة.

ارتجفت اقدامهما وهما يحاولان السيطرة على نفسيهما، لكن الخوف سيطر على اعصابهما لدرجة احسا بالاختناق وعدم المقدرة على اخذ نفس.

"لم الخوف؟"

سمعا صوت البرت نطق من العدم امامهما.

ومن بعده انبثق رأس البرت فقط.

"هيا ادخلا."

كان البرت غير متفهم للرهبة التي تملكتهما، كان وجهه يوحي بانه لم يفعل شيئا ذا جلل، لكن ما حدث من جديد امامهما لم يكن طبيعيا بالنسبة لهما ابدا، رؤيته مرة ثانية زادت من ارتباكهما اكثر.

"اووه... س... سادخل."

انتفخ خدا ليو وهو ينطق كلماته، وخطا بعزم مهزوز.

قبض يديه وسار بارتباك واضح.

ليام كان خلفه، حاول رفع يده لامساكه، لكنه تراجع قبل ذلك وتحرك من بعده بخطوات ثقيلة.

ان كان دخولهما لعالم غير مرئي سيساعدهما على اجتياز هذه المعضلة، فهي مهمة يسيرة وان كانت يملؤها الغموض.

«لقد رأيت الكثير من العجائب في غضون يومين فقط، اليكواردو، شجرة الحياة، رؤيتي لاساطير مدثورة، والبرت ايضا، شيء كهذا لن يوقفني، بعد ان قطعت هذا الشوط سافعلها.»

عبس وجه ليو واغمض عينيه وهو يخطو اول خطواته في دخول المكان الذي اسماه البرت بعالمه.

والان هو داخله بالفعل، مستمرا بالمشي.

ليام دخل خلفه، كان مغمض العينين ايضا.

"ما بكما؟ افتحا اعينكما."

قال البرت ذلك دون ان يعير اهتماما للمشاعر التي تملكتهما، لان بالنسبة له هذا شيء طبيعي ولا يستوجب كل هذا الحذر، رفع البرت حاجبيه قليلا وهو يفكر بشيء ما، ثم اوحى وجهه بانه حزم قرارا غامضا.

استشعر ليو جو المكان بانفه، لم يبدو هنالك اختلاف واضح من ناحية الرائحة، الا ان عطر الزهور الفواحة كان اقوى قليلا، والارض تحته كانت... لم تكن كما كان يتصورها، اذ انه لم يمتلك بذاكرته الجسدية احساس مشابه لما يشعر الان بقدميه.

كانت الارضية تحته صلبة وملساء ما جعل جلده يقشعر.

فتح عينيه ببطء.

وكان امامه.

طريق عريض مرصوص مصنوع من مادة غريبة، كانت بيضاء وفي داخلها تتلوى عروق نابضة.

ويمتد الطريق حتى يصل الى بناء ضخم.

وكانت اعمدة ضخمة موزعة بشكل دائري حول المبنى، تمتد فوق بعضها من طابق الى اخر، بينما تقطعها اسقف الطوابق المتعددة، فتبدو الاعمدة وكانها تمتد الى الاعلى بلا انقطاع.

امال ليو ظهره ورفع راسه، محاولا النظر الى نهاية المبنى، لكن لم تبدو بان نهاية المبنى قريبة، اذ انه لم ير نهايته اساسا، كان المبنى يحتوي على غرف ضخمة وهذا مرئي من النوافذ الخاصة بكل غرفة.

لكن مع تعدد الطبقات، لم يكن من السهل احصاء كم غرفة يحتوي هذا المبنى الهائل.

كان المبنى بلون حليبي داكن، اقرب للون الرخام الطبيعي، لكن بوجود الشرايين النابضة كان من الصعب تمييز ان كان المبنى كائنا حيا او مجرد جماد.

كانت السماء تبدو مشوشة بشيء غير مرئي، لكن لا تختلف كثيرا عن السماء التي كانت قبل دخولهما عالم البرت.

نظر ليو الى جانبه، فكانت خيمة شمسية وكراس ووسطهن طاولة من ذات المادة التي صنع منها البناء.

بشكل غريب، كان كل شيء تقريبا يبدو متشابها بمادة الصنع، مع اختلاف الوان النوافذ وزخارف اخرى.

خفق قلب ليو وليام من الرهبة، ووضع ليام يده على صدره، ليو لم يمتلك القدرة على التنفس، اذ انه نسي كيف يتنفس اصلا.

"ما هذا الشيء؟"

كلمة قصر بالنسبة لليو تقتصر على مبنى من الحجر المنحوت، كانت رهيبة بدورها، لكن ما يراه الان لا يقارن بتلك الحجارة المنحوتة، الرهبة التي احس بها من مساحة وضخامة وجمال المبنى امامه فاقت كل الاحداث التي مر بها، وبشكل غير مسبوق شعر ليو بصغر حجمه مقارنة بحجم العالم الذي يعيشه.

كان البرت يقيس شيئا في نظراته.

ينظر حيث ينظران، ويدرس كل حركة يقومان بها وان كانت بسيطة.

"هذا قصر الزجاج خاصتي، اوليس رهيبا؟ همم."

وقف البرت ويداه على خصره وبتفاخر نفخ صدره.

كلمة زجاج لم يفهمها ليو او حتى ليام، لكن من الواضح انها المادة التي صنع منها هذا القصر العظيم.

لكن السؤال الذي شغل بال ليام، لم يكن فقط عن كيف صنع كل هذا وبهذه الدقة، بل شيء اعمق بكثير.

بعدما نظر خارج عالم البرت، كانت الشجرة التي اكلا منها سابقا واضحة لكن بتشويش بسيط، وحتى المكان الذي سارا فيه سابقا كان مرئيا.

ان كان هذا عالم متصلا بالمرج ذاته الذي وجدا انفسهما فيه، فكيف اخفي عنهما شيء بهذا الحجم؟

"البرت، لا اجد طريقة لوصف هذا الشيء، لكن ان كان هذا الشيء موجودا حيث كنا، فكيف لم نستطع رؤيته من قبل؟"

قال ليام كلماته لكنه لم يزحزح نظره عن المبنى، لانه غرق بتفاصيله الكثيرة.

ادرك ليو بان شيئا غريبا لم يكن منتبها له، سأل عنه ليام.

صمت البرت قليلا وما زال يقيس الشيء ذاته بنظرته نحوهما.

"هذا المكان مصنوع من قدرتي."

رفع البرت ذراعه وبسط يده امامهما، ومنه تطاير بخار طفيف يكاد لا يرى، ومن راحة يده انبثقت قطعة بحجم قبضة اليد صلبة وشفافة ولامعة.

اكمل كلامه.

"قدرتي هي الزجاج، ومن خلال محاكاة شرايين وخلايا جسدي، فبامكاني صنع شيء كهذا."

مع نطقه لكلماته، تفرعت شرايين نابضة صغيرة داخل القطعة الزجاجية في يده.

"حاول لمسها."

تقرب البرت من ليام، مع ذهوله بما يرى شعر بالخوف والتردد، لكن فضوله كان اقوى، لذا حاول ليام لمس القطعة باصبعه.

وما ان اقترب اصبعه منها، حتى تراجع جزء صغير من الزجاج امامه، متخذا شكلا مقعرا حول موضع اصبعه، قبل ان يتمكن من ملامستها.

توقف ليام للحظة، ونظر الى اصبعه بدهشة.

لم يشعر باي حركة، ومع ذلك كانت القطعة قد غيرت شكلها دون ان يلمسها.

"ومع عكس الاضاءة باماكن مختلفة، ولكن بطريقة محددة."

قال البرت ذلك، فاختفت القطعة من يده تدريجيا، حتى بدت وكانها غير موجودة، وتركت ليو وليام بذهول تام لدرجة لم يعرفا ما يقولان.

"شيء من هذا القبيل."

ختم البرت كلامه وانزل يده، جعد ليام حاجبيه بشكل معقد وهو يفكر بما راه، ثم قال.

"هل هذا يعني اننا كنا نسير من خلال القصر دون ان نلاحظ وجوده؟"

"اه."

اومأ البرت براسه بفخر وابتسامة صغيرة.

تنهد البرت وفرقع رقبته، وقد شعر براحة كان فجوة كانت تربكه قد اغلقت.

"هذا جيد حقا."

وتمتم مع نفسه بتلك الكلمات.

ليو كان بحالة صمت تامة، يتتبع مسار الحديث، لم يكن هدوءا، بل كانت عاصفة من المشاعر تعصف بصدره.

ان كانت هذه الارض بهذا السخاء والعطاء، فلماذا كانت ارضه التي ولد فيها تفتقر الى ابسط مقومات الحياة مثل الزرع والماء، لماذا عانى الناس في منطقته لدرجة سنوا قانونا بتحريم دفن الموتى واكلهم ليسدوا جوعهم، لماذا توجب عليهم الموت جزاء الفقر المدقع، وفي مكان اخر منها كان الناس يتمتعون بما يفوق الخيال.

هل كانوا الفئة المنبوذة من العالم؟ وهؤلاء الفئة الصالحة والمحبوبة؟

وان كانوا كذلك، فما ذنب الاطفال الذين ولدوا ليموتوا جوعا ومرضا.

ما الذنب الذي اقترفه اسلافهم ليحكم عليهم بالجوع والعار للابد.

احس ليو بحسد مرير، وتشوه وجهه الما.

وضع يده على صدره وهمس.

"الارض ارضك والسماء سماؤك، ونحن اولادك، فكيف لام ان تفرق بين اولادها هكذا؟"

خاطب ليو الارض معاتبا، ليس في كونها جمادا لا يشعر ولا ينطق، بل كروح اخرى، ام اخرى.

رفع ليو نظره الى البرت قائلا بصوت مهزوز، وفي داخله امل لا يدري ان كان حقيقيا او مجرد وهم.

"سيد البرت، منطقتي... وطني، فيه الناس يموتون جوعا كل يوم. هل بامكاننا نقلهم الى هنا؟"

نطق ليو كلماته بنبرة رجاء.

وفي عيني ليام لمع الامل الذي نطق به ليو، وشعر في صدره بما كان ينبغي التفكير به عوضا عن الانبهار بالمكان.

صمت البرت قليلا ثم اجاب.

"لا شك في ان ذلك سيكون رائعا حقا، لكن يا ليو... المعضلة الحقيقية بان المكان الذي تدعوه بوطنك لا يقع ضمن خريطة هذا العالم، هنالك مناطق فقيرة بكل انحاء العالم بالتأكيد، لكن الفقر الذي تكلمت عنه والفقر الذي اعرفه غير متشابهان."

بالنسبة لالبرت، كلمة منطقة فقيرة تعني قلة التجارة او ضعف الاقتصاد، او حتى المواقع الجغرافية التي تحكم البلاد من ناحية احتياج الناس لها كحلقة ربط او حتى تاثير الطقس السنوي عليها، لكن المعنى مختلف كليا عند ليو، المكان الذي عاش فيه لا يمكن حتى للحيوانات العيش فيه، ناهيك عن البشر.

وبسماع حجة البرت، اختفى الامل الذي احس به ليو.

الجدار الذي منعهم من ادراك الحقيقة في وجود وطن ليو وليام من عدمه كان مزعوما بالخريطة التي ذكرها البرت، حجة البرت مثبتة باشياء ملموسة، اما المكان الذي يعرفه ليو والذي نشا فيه بدا شيئا بعيد المنال بالنسبة لالبرت.

اذا كان كلام البرت حقيقيا، فما هو التفسير المقنع لعدم وجود المكان الذي نشا به ليو وليام، وماذا عن الناس الذين يعرفونهم، والذكريات اللذان يحملانها، والسنين العشرين التي عاشاها؟

"سيد البرت، هل يمكنني رؤية خرائط هذا العالم؟"

بعد سماع طلب ليو، تنهد البرت وقال.

"لم لا، لندخل، لدي مكتبة فيها ما تحتاج."

لبى البرت طلب ليو، لكنه بدا غير مرتاح لعنادهما، لكنه ايضا كان مراعيا لمشاعرهما، وايضا كان يرغب في رؤية نهاية الوضع الذي هما فيه.

سار البرت وتبعه ليو وليام لداخل القصر الزجاجي.

وفي الطابق الرابع الذي كان يحتوي على غرفة المكتبة، والتي بدت اضخم واكبر مما تصورا.

في قاعة ضخمة مليئة بالرفوف والكتب المختلفة، كانت مرتبة بشكل جميل، حيث تركت رؤيتها انطباعا بالسكينة بالنسبة لليو وليام.

وعند مدخل القاعة، سار البرت بمفرده نحو احد الرفوف القريبة من الارض، حيث التقط منها قطعة من الورق مطوية، اخذها وفتحها على الارض وكانت كبيرة الحجم.

اشار البرت الى مكان بالخريطة وقال.

"هذه دولة لوردفينيسا، وهنا نحن، انظر جيدا، هل ترى وطنك؟"

لم يكن سؤال البرت ناتجا عن فضول او استكشاف، بل كان تاكيدا لكلامه سابقا، لم يشك للحظة بمعرفته، لذلك كان يريد انهاء رغبة ليو بسرعة.

كانت الخريطة تحتوي على كل بقاع الارض ومحددة بالاسماء.
ثنى كل من ليو وليام اركابهم وهم يتمعنون النظر بالخريطة التي امامهم على الارض.
وكانت الكلمات المكتوبة مفهومة لهما بشكل غريب.
اي انهما لم يواجها صعوبة بقرائتها.

على الجانب الشمالي الغربي من الخريطة، كانت تقع دولة لوردفينيسا، التي كانت تمتد على مساحة شاسعة، حتى عُدّت أكبر دول القارة الشمالية، فينيسا العظمى.

وكانت العشرات من الدول، بأسماء وثقافات مختلفة، موزعة بين القارات الخمس: فينيسا العظمى، لوكانيسا الوسطى، لوكانيسا الجنوبية، ميرينيسا، كاميانيسا.

شعر ليو بدوار شديد، ثقلت انفاس ليو حتى بدأ ياخذ شهيقا وزفيرا من فمه بصوت مرتفع.

وليام وضع يده على فمه وشعر بغثيان شديد.
عرق وجهه وكان يضع يده الاخرى على الخارطة وقد تجعد وجهه بملامح مصدومة.

لكن ما كان غير مفهوم بالنسبة لليو وليام.

ان الخريطة التي يعرفانها، والخريطة التي امامهما الان، مختلفتان كليا، من حيث المناطق والتسميات، وايضا الرسوم، كل شيء مختلف.

نظر البرت الى وجهي ليو وليام، فعرف ان خطب ما حل بهما، رفع حاجبيه باستغراب وتباطات انفاسه بثقل منظرهما.

اضطرب جو المكتبة، مع ادراك شيء التمسا حقيقته.

رفع الاثنان نظرهما الى بعضهما وتبادلا النظرات بشحوب، ارتجفت امعاء ليام داخله واهتز فكه.

ان كان كلام البرت صحيح، والخارطة التي امامهما حقيقية فعلا، فهذا يصلهما الى استنتاج واحد لا غير.

اذ انهما عاشا طوال عشرين عاما بمنطقة فقيرة، وكانت الاساطير تروي ما رأوه بالمرج.

ومع الاخذ بعين الاعتبار تغير جسد ليام، وشفاء اصاباته واصابات ليو، وايضا البرت وشرحه لنظام العالم حول الشارات وقدرته الخارقة، واخرها كانت الخريطة.

المكان الذي نشا فيه.

الوطن الذي ينتميان اليه.

ارض السواد.

"ليو... هل يعقل... اننا في... عالم اخر!"

في لحظة صمت تملكت المكان، رن صدى صوت ليام كانه الاف الاجراس تقرع بنفس الحظة، اذ انه نطق بما لا يمكن للعقل تفسيره.

كان يمكنهما فرض نظرية اخرى، وهي الرجوع بالزمن.

لكن خلال سير ليو وليام من المكان الذي استيقظا فيه الى حيث التقيا بالبرت، تكلما بشأن اليكواردو.

الشخص الذي ساعد ليو قبل ان يفقد وعيه، والذي كان بالنسبة لليو كائنا غريبا يفوق قدراته العقلية، والذي بدا مشابها لالبرت من حيث طريقة الكلام الغامضة والافكار الغريبة بالنسبة لهما.

وايضا لم ترو الاساطير التي سمعا بها عن امتلاك الناس قدرات خارقة.

لذا استبعد ليام هذه النظرية.

ان كانت نظرية انهما من عالم اخر صحيحة، فهذا يفسر كل الاحداث التي مرا بها حتى هذه اللحظة.

"يا هذا، من الذي سمح لك برفع صوتك بحضور مولاي؟ هذه وقاحة، قباحة."

وفي خضم الصمت، اجتاح صوت حاد قاعة المكتبة، وكان الصوت يفيض بالازدراء.

وعندما حول ليام نظره الى مدخل قاعة المكتبة، رأى نظرة متعالية من عينين حمراوين تفيضان بالاشمئزاز.

وفم نطق بذات النبرة.

"منظرك كريه، كئيب، ممل، انت كائن وضيع حقير تافه، انتظر لاخذ اذن مولاي لقتلك."

شعر ليام بالدونية من كلمات الشخص امامه، وكان منصدما من طريقة كلامه غير الودودة بدون سبب.

حك الشخص شعره الاسود وقال.

"اسمح لي مولاي، بانهاء حياة قطعة القذارة هذه."

باصبعه اشار الى ليام ورمق ليو بنظرة مماثلة.

ارتجف ليام مكانه من نبرة صوته الحادة والباردة، وكان يتكلم بطريقة غير مبال بما يقول.

زفر البرت بخشونة وقال بصوت ثقيل.

"استيقظت اخيرا، وبدأت تثرثر من جديد؟ يكفي، لا تتكلم بهذه الطريقة معه مجددا."

اصدر البرت امرا فوريا للشخص، وما ان سمعه حتى انحنى باحترام واردف.

"حاضر."

بعد رده، اشار الى ليو وقال.

"وماذا عن ذاك الشخص، هل يمكنني قتله؟"

اشار ليو الى نفسه متعجبا، ورد البرت بعدما هز راسه نفيا.

"سايمون، كف عن ذلك، لا يمكنك قتل احد الا ان امرتك."

اومأ سايمون من جديد واردف.

"حاضر."

وعندها خفتت هالته المرعبة، ومعها اختفت نظرته الحادة، بالنظر الى شكله كان يشبه البرت كانه توامه، الا ان شعره كان اسود وغير مرتب.

هدئت الاجواء حولهما، لكن لم يفهما لماذا اخ يخاطب اخيه بمولاي؟ وهل البرت ذو مكانة عالية حقا؟

"سيد البرت، من يكون هذا الشخص؟"

سأل ليو البرت في حالة من التعجب.

"انه... حسنا، لنقول انه نصفي الاخر، او تابعي."

اجاب البرت، لكن بطريقة مبهمة.

ما المقصود بانه نصفه الاخر؟ ان كان اخيه، سيكون من الافضل قول ذلك ببساطة ولا حاجة للتعقيد.

بعد اجابة البرت، فكر ليام بذلك وكان غير مرتاح لاجابته.

الا انه لم يعقب وراء ذلك، كونه شخصا غير ودود ولا يريد التورط معه باي شكل من الاشكال.

الا ان ليو كان فضوليا بشأنه، خاصة بشأن تكراره لقتلهما واحدا تلو الاخر ببرود.

وايضا شعر بتشابه بينه وبين اليكواردو، كونه تكلم عن القتل بنفس الطريقة، كانه شيء بسيط ولا حاجة للتفكير به مرتين.

"سيد البرت، هل تعرف اليكواردو؟"

كان البرت يعيد طي الخريطة وترتيبها من جديد.

وكان مشغولا بما قاله ليام حول انهما من عالم اخر.

الا ان سؤال ليو الاخير اوقف يدي البرت عن العمل.

تجمد راسه مكانه، وكانت عيناه الحمراوان متسعتين الى اقصاهما، حتى بدت شرايينهما الصغيرة بالبروز.

بهتت ملامحه وتشنجت عضلاته عند ذكر اسم اليكواردو.

قبض يديه بقوة على الخريطة.

ونطق بصعوبة قائلا.

"كيف... من اين سمعت بهذا الاسم؟!"